كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الدكتور في الاقتصاد بدر الدين السباعي مؤلف ومترجم وناشر لكتب ماركسية

الدكتور عبد الله حنا

ولد بدر الدين السباعي في حمص عام 1918. وقبل أن ترى عينا بدر النور كان والده عامل نول النسيج قد رحل عن هذه الدنيا. وعندما بلغ من العمر سنتان ونصف أدركت المنية والدته. ولهذا احتضن الميتم الاسلامي في حمص الطفل بدراً ورعاه إلى أن نال شهادة السرتفيكا. ولا نعلم بالدقة كيف عاش بدر الدين حياة اليتم والشقاء, وهو يعيش في كنف أخته إلى أن نال البكالوريا.
انتسب بدر الدين السباعي إلى دار المعلمين الابتدائية بدمشق وحصل بعد سنة على أهلية التعليم الابتدائي. علّم في مدارس حمص وكانت عنده ميول مسرحية. وقد قام بإخراج تمثيلية شاءت المصادفة أن تسقط حطة أحد الممثلين الهواة على الأرض. وفي زحمة التمثيل داس أحد الممثلين سهوا على الحطة. فاستغلت القوى المحافظة في حمص هذه اللقطة وزعمت أنّ مخرج التمثيلية بدر الدين السباعي تعمّد تدريب أحد الممثلين بالدوس على الحطة, التي حوّلوها إلى عمامة, و "يا غيرة الدين". وخرجت مظاهرة في حمص تطالب بالاقتصاص من المعلم بدر الدين السباعي. وزارة المعارف (التربية حالياً) اضطرت تحت ضغط التيار المحافظ إلى نقل المعلم بدر إلى مدرسة في ريف حمص سكانها مسيحيون. وهنا استغلّ المعلم بدر أوقات الفراغ وسجّل طالباً في معهد الحقوق.

في تلك الأثناء كلّفه مسؤول منظمة حمص الشيوعية, طبيب الأسنان نسيب الجندي, أن يتفرّغ لقيادة المنظمة فامتثل لرغبة الحزب.
بعد أن نال السباعي الإجازة في الحقوق, شدّ الرحال إلى فرنسا لنيل الدكتوراه. وكان بدر أثناء التعليم والتفرّغ قد قتّر على نفسه وتمكّن من جمع كمية من المال تكفي مع التقتير نفقات الحياة في فرنسا. وهناك شارك بدر بنشاط في العمل الوطني السياسي في إطار الطلاب الشيوعيين, الذين يدرسون في فرنسا. وحملت اطروحته عنوان: "مشكلة الفلاح السوري".
بعد عودة الدكتور في الحقوق بدر الدين السباعي من فرنسا عام 1950 شارك المحاميان الشيوعيان عبد النافع طليمات وبشير السبيتي في مكتب للمحاماة اختطّ طريق الدفاع عن الفقراء وعدم أخذ أي دعوى لظالم أو مستغِل. وكانت النتيجة أن المكتب عاش في حالة من الفقر والعوز...
انتسب بدر الدين السباعي إلى الحزب الشيوعي في أواخر الثلاثينيات في فترة نجهلها. وسرعان ما أصبح في قيادة منظمة حمص. ويذكر ظهير عبد الصمد ان قيادة الحزب في سنتي 1940 – 1941 في حمص تألفت من: الدكتور نسيب الجندي, عبد المعين الملوحي, سري السباعي, بدر الدين السباعي, توفيق شوحي, نوري حجو الرفاعي ونديم أبو جنب. كما كان بدر عضواً في وفد حمص إلى مؤتمر الحزب الشيوعي أواخر عام 1943 وأوائل عام 1944 إلى جانب: نسيب الجندي, وصفي البني, خالد البني, موريس صليبي, أنور حداد, ظهير عبد الصمد, نظير بطيخ.
أولى ارهاصات النتاج الفكري لبدر الدين السباعي خاطرة نشرها في مجلة "الطريق" البيروتية بتاريخ 31 كانون الأول 1944 وتحت عنوان: "أمية بن خلف, افعل ما بدا لك". و أمية هو مالك بلال وسيده الذي عذّبه. وضمن إطار بارز كتب بدر:
" ..من هؤلاء الحفاة العراة ومن هؤلاء الأبطال الخالدين والذين ضحّوا بهنائهم وأرواحهم, وتحملوا الألم المرير في سبيل عقائدهم ومبادئهم. من هؤلاء الآباء السالفين نتعلم صلابة العقيدة, والثبات على المبدأ, والتضحية في سبيل الحق والواجب".
لم تغب عن ذهن بدر الدين السباعي قضية الاستناد إلى الدين لحشد الجماهير المؤمنة في الجبهة المعادية للظلم والاستغلال. فقد سمعنا أن بدر الدين السباعي قام بنشر كراس مطبوع في أوائل خمسينيات القرن العشرين يتضمن الآيات القرانية, التي تحضّ على العقلانية ومناهضة الاستغلال ولكننا لم نتمكن من الحصول على هذا الكراس.

يمكن تقسيم النتاج الفكري لبدر الدين السباعي إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى: تبدأ بعد عودته من باريس حاملا شهادة دكتوراة في الحقوق وتنتهي مع طغيان "المخابرات السلطانية" عام 1959 وهجومها الظالم على كل ما هو إنساني وتنويري في سورية, التي عاشت مرحلة الحياة الديمقراطية وتفتُّح جميع التيارات ونشاطها في خمسينيات القرن العشرين. ولهذا اضطر بدر الدين السباعي إلى مغادرة البلاد والالتجاء إلى موسكو حيث قام بتحضير رسالة دكتوراه في الاقتصاد حول الرأسمال الأجنبي في سورية.
المرحلة الثانية: وتبدأ بعد عودته من موسكو حيث نشط في ثلاثة ميادين:
- ميدان البحث والتأليف.
- ميدان الترجمة من الفرنسية والروسية لكتب "سوفييتية"، تعالج في معظمها, قضايا الماركسية من المنظار السوفييتي.
- تشجيع مترجمين تقدميين يتقنون اللغة الروسية لترجمة عدد من أمهات النتاج السوفييتي في ميادين الاقتصاد والمجتمع والتاريخ والفلسفة.
أوائل 1950 وبمبادرة من بدر أصدرت "دار الحياة للتأليف والترجمة والنشر" في حمص رواية "المتشردون" لمكسيم غوركي تعريب عبد المعين الملوحي عن الفرنسية. وقد ذكر بدر الدين لكاتب هذه الأسطر في إحدى لقاءاتهما أن "المتشردون" كان أول وآخر كتاب أصدرته دار الحياة في حمص.
عام 1950 ترجم السباعي ونشرت له دار اليقظة العربية في دمشق كتاب "إلى أين يسير الاستعمار الأمريكي؟" تأليف هنري كلود. وبعد ثلاثة أعوام (1954) ترجم السباعي ونشر لكلود كتابا ثانيا صدر عن دار القلم في بيروت تحت عنوان: "من الأزمة الاقتصادية إلى الحرب العالمية الثانية".
لم تكن الصيدلانية نجاح الساعاتي بعيدة عن الحزب الشيوعي, وأخوها زياد من الشيوعيين المعروفين.. في آب 1952 جرى عقد قران بدر الدين السباعي من الصيدلانية نجاح الساعاتي. وقد قامت نجاح, قبل ذلك, بمساعدة مكتب المحاماة "المفْلِس" للشيوعيين الثلاث: طليمات, سبيني وسباعي.
عام 1956 قامت لجنة ثقافية في حمص مؤلفة من: بدر الدين السباعي, نجاح الساعاتي, الطبيب الشيوعي زياد ساعاتي (شقيق نجاح), فاروق الحسيني وجميعهم من حمص ومعهم المتنور زهير الصابوني الدمشقي الأصل والموظف في حمص. وقد نظّمت هذه اللجنة سلسلة من المحاضرات عُقدت في بيت نجاح وبدر. ومع قيام هذه اللجنة تأسست "دار ابن الوليد" للتأليف والترجمة والنشر, وهي شركة مساهمة كانت الصيدلانية نجاح المليئة مالياً ممولتها الأساسية, وبالتالي المسؤولة عن الدار. كان هدف بدر الدين السباعي من تأسيس الدار نشر مجموعة من الكتب التقدمية لتثقيف الأجيال الصاعدة المتطلعة إلى الثقافة.
افتتحت دار ابن الوليد نشاطها باصدار كتاب "معركة التروستات" للفرنسي هنري بيري وترجمة نجاح الساعاتي. وتتالت إصدارات دار ابن الوليد، التي كانت زادا فكريا لمثقفي اليسار في خمسينيات القرن العشرين.

بعد عودة بدر الدين السباعي من موسكو حاملاً شهادة الدكتوراة في الاقتصاد, استأنف نشاطه الفكري في تزويد المكتبة الماركسية العربية بجملة من الكتب والدراسات, وأسس مع زوجته الدكتورة نجاح الساعاتي السباعي في دمشق دار الجماهير كاستمرار لدار ابن الوليد في حمص.
الخط الفكري, الذي سارت عليه دار الجماهير منذ تأسيسها في دمشق عام 1966, نقرأه على الصفحة الخلفية لغلاف كل كتاب صدر عن الدار على النحو التالي:
- دار الجماهير لتعريف الشعب على خير ما أنتجه الفكر الانساني التقدمي .
- تنشر المعرفة في سبيل الحياة والشعب.
- تبعث التراث العربي وتربطه بالفكر المعاصر.
- تعمل على توحيد الفكر العربي لمكافحة الاستعمار وما يخلفه من أمراض.
- تربط الفكر العربي بالتراث الإنساني الأكبر.
وأرى أن أفضل ما قدّمه الدكتور بدر الدين السباعي للمكتبة الماركسية العربية كتابه "أضواء على الرأسمال الأجنبي في سورية" الصادر عام 1967. وتلاه كتاب " المرحلة الانتقالية في سورية: عهد الوحدة 1958 – 1961", الذي صدر في بيروت عن دار ابن خلدون 1975. الدراسة الهامة الثالثة لبدر الدين صدرت عام 1977 تحت عنوان: "أضواء على قاموس الصناعات الشامية".
العمل الفكري الثالث الذي قام به بدر الدين السباعي هو ترجمة العديد من الكتب من الروسية إلى العربية تحت عناوين وسلاسل: (أسس الاشتراكية العلمية)، (أسس الاشتراكية العلمية في الاقتصاد الاشتراكي)، (في البلدان النامية)، (في الفلسفة)، وغيرها...
العمل الفكري الرابع الإشراف على مختصين يتقنون اللغة الروسية لترجمة مواضيع اقتصادية واجتماعية وفلسفية وتدقيقها من قبل بدر الدين, ثمّ نشرها في كتب صدر معظمها عن دار الجماهير. وأتى في مقدمة الأسماء, التي قامت بالترجمة: توفيق إبراهيم سلوم, فؤاد مرعي, عدنان جاموس, ومن ثمّ نجاح الساعاتي السباعي, أكرم سليمان, سعيد يوسف. ولم يكن هدف هؤلاء المترجمين, وبعضهم بحّاثة, الأجر المادي الضئيل, بل نشر الأدبيات الماركسية.
بعد استعراض أعمال السباعي هذه, لابدّ من طرح السؤالين التاليين:
أين تقف أعمال الماركسي بدر الدين السباعي في مسيرة "النهوض العربي" قبل نكسته الأخيرة؟..
وهل ذهبت جهود الماركسي بدر الدين السباعي وأمثاله أدراج الرياح؟

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية