عن نهاد قلعي الذي أضحكنا و أبكانا
الفنان الجميل نهاد قلعي أو "حسني البورظان" كما عرفه جمهوره، هذا الإسم الذي كان سبب شهرته وتعاسته في الوقت نفسه! وإليكم التفاصيل كما رواها الإعلامي اللبناني المخضرم فارس يواكيم: في سنة 1974 تأسست في دمشق فرقة "أسرة تشرين" المسرحية. وكانت مسرحية "ضيعة تشرين" باكورة إنتاجها، وهي من تأليف محمد الماغوط، ودريد لحام، وإخراج دريد لحام وبطولته ومعه نهاد قلعي، وعمر حجو، وملك سكر، وأسامة الروماني، وياسر العظمة، وصباح الجزائري، وشاكر بريخان، وحسام تحسين بك. وحققت المسرحية نجاحاً فنياً وشهدت إقبالاً شعبياً في دمشق، ومختلف المدن السورية، وفي بيروت، وبعض العواصم العربية.
وبعد سنتين قدمت الفرقة العروض الثانية لها وكانت المسرحية بعنوان "غربة" وفيها الطاقم الفني نفسه في التأليف والإخراج والتمثيل. واستقبلت بالحفاوة نفسها التي استقبلت بها المسرحية الأولى. وكانت لمّا تزال قيد العرض في دمشق حين تعرّض نهاد قلعي للحادثة التي أصابته بالشلل وغيّرت مجرى حياته.
قبل أن أروي تفاصيلها أودّ الإشارة إلى أن نهاد قلعي هو الذي ابتكر شخصية حسني البورظان. لكنه كان يمقت أن يناديه أحد من المعجبين أو من المارة بهذا الاسم. ولهذا علاقة بالحادثة المؤسفة.
في تلك الليلة من عام 1976 كان نهاد قلعي يتناول وجبة العشاء في مطعم "النادي العائلي" الشهير في حيّ القصّاع في دمشق. وكان معه دريد لحام، وشاكر بريخان، والصحافي اللبناني جورج إبراهيم الخوري رئيس تحرير مجلة "الشبكة"، وشفيق نعمة المحرر في المجلة. وعند منتصف الليل استأذن دريد لحام وانصرف ومعه جورج إبراهيم الخوري وشاكر بريخان. وظل شفيق نعمة يجالس نهاد قلعي الذي رغب في مواصلة السهر والأكل والشراب. وحدث أن علبة الدخان فرغت من السجائر فطلب نهاد قلعي علبة. وكانت من نوع معيّن. عاد إليه النادل معتذراً بأنه لم يجد الماركة التي طلبها، فاغتاظ نهاد وعبّر عن غيظه. عند الطاولة المجاورة كان بعض الشباب ساهراً وسمعوا ما جرى بين الممثل الشهير والنادل. كانوا سكارى وكان نهاد قلعي لم يبلغ الثمالة بعد. وكان أن صاح أحد هؤلاء "حسني.. إذا بدك سيجارة تعا حتى نضيفك". إضافة إلى العرض غير اللائق اهتاج نهاد من اسم حسني فأجابه بكلمة حادة، فجاءه الردّ "حسني وبورظان كمان"! وتطور الأمر إلى ارتفاع منسوب الشتائم المتبادلة إلى أن رفع الشاب الكرسي الحديدي الذي كان يجلس عليه وضرب نهاد قلعي على رأسه. فانفلق! وانهمرت منه الدماء. نقل إلى المستشفى وأصيب شفيق نعمة من ارتداد الكرسي بإصابة طفيفة في رأسه. ودق باب غرفتي في الفندق بدمشق عند الفجر فرأيته معصوب الرأس وأخبرني التفاصيل التي رويتها.
تم علاج نهاد قلعي في تشيكوسلوفاكيا وعاد مصاباً بشلل نصفي منع الحركة عن ذراعه اليسرى وجعل نطقه للحروف بصعوبة. وبسبب تلك الإصابة توقف عرض مسرحية "غربة" أياماً، ثم أُسند دور نهاد إلى تيسير السعدي. بيد أن دريد لحام أصرّ لدى تسجيل المسرحية للتلفزيون على أن يؤدي نهاد قلعي دوره. وهذا ما حدث.
وكان فيلم "عندما تغيب الزوجات" آخر أفلام نهاد قلعي، ولم يكن يقوى على تحريك يده. ابتكرنا أنا والمخرج مروان عكاوي حلاً فجعلنا في الحكاية أن الرجل كسر يده ما استدعى تجبيرها وربطها.
أنتيكا