حكام المماليك في مصر يمعنون في عصر الناس والحاق الدمار في البلاد
الدكتور عبد الله حنا
{ من أسباب تخلفنا }
لا يتسع المجال هنا لعرض الطرق والوسائل التي اتبعها الحكام من المماليك والعثمانيين في فرض الضرائب الباهظة والاتاوات وابتزاز الأموال ونهب الثروات والمحاصيل وصرفها في الأمور الترفية الاستهلاكية غير المنتجة. ولكن نرى من الضروري إيراد مقاطع لبعض مؤرخي تلك الفترة للبرهنة على دور أولئك الحكام في عرقلة إبداع القوى المنتجة وإقفال بوابات التطور والنهوض.
وهذا ما كتبه ابن أياس:
"ثم دخلت سنة تسع وثمانمائة" (809 هـ - 1406هـ)... فلما أخذ المماليك النفقة أطلقوا في الناس النار وأخذوا البغال والخيول حتى أكايش الطواحين وحصل منهم الضرر الشامل في حق التجار وغيرهم.. توجهوا إلى الصالحية ونهبوا ما فيها وأحرقوها بما حولها من الضياع وحصل منهم غاية الضرر الشامل.. وآل أمر مملكة مصر إلى الخراب. وكل هذا من سوء تدبيرهم وقلة معرفتهم وعدم تجاربهم للأمور وقلة نظرهم في العواقب.. وفيه أشيع أن جماعة من الانكشارية هجموا على سوق النحاسين وأخذوا ما فيه من النحاس لأجل أن يسكبوه مكاحل للبندق الرصاص فحصل للتجار الضرر الشامل"...
"ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة... وفي يوم الخميس خامس عشر أظهر المماليك العدل وأشهروا المناداة عن لسان السلطان في سواحل مصر العتيقة وبولاق بأن المكوس التي كانت تؤخذ على الغلال بطُلت. وكانت مظلمة عظيمة من البدع المنكرة وهي أنه يؤخذ عن كل أردب قمح أو شعير أو فول يُباع أو يشترى نصف فضة".
المؤرخ المقريزي وصف حاكم الوجه الشرقي في مصر سنة 813هـ -1410م بأنه "وضع يده في الناس بأخذ أموالهم بغير شبهة من شبه َالظلمَة حتى داخل الرُّعب كل بريء.. قتل من عباد الله ما لا يُحصى وخرّب إقليم مصر بكامله، وأفقر أهله ظلماً وعتواً وفساداً في الأرض، ليرضي سلطانه...".
ويصفه المؤرخ " بن تغري بردى " هذا الحاكم بأنه "وضع السيف في العرب الصالح والطالح وأسرف في سفك الدماء وأخذ الأموال، حتى تجاوز الحد في الظلم والقشف..".
***
عندما شرع عام 1514 سلطان المماليك قانصوه الغوري في التحضير لحملة سورية لمواجهة العثمانيين صادر الخيول والبغال والكدش "ووقع القحط بين الناس" - حسب تعبير ابن أياس - "وضجّ العوام وكثر الدعاء وغلقت أسواق القماش بسبب المماليك واختفى الصنائعية والخياطون واضطربت أحوال القاهرة واختفى جماعة التجار خوفاً من المماليك.. وصارت أحوال مصر مثل يوم القيامة..".
***
الحلقة القادمة المماليك والعثمانيون يتعاونون في نهب العباد