د. أحمد الخميسي: يـا إلـهــي! كـم تـنـتـهـي الأشـيــاء بـســرعــة مــذهــلــة!
تتسرب الحياة من بين أيادينا مثل الماء من مصفاة، يهرب منا الوقت، لا تدري إلى أين أو كيف، أو حتى متى؟ وأحيانا نفيق كما بطل قصة تشيخوف "الألم" وقد صرنا كأنما فجأة في الستين، فقدنا أحباءنا، عاجزين عن الحركة، فنفكر بعد فوات الأوان مثل بطل تشيخوف: "أوه.. يا إلهي.. كم تنتهي الأشياء بسرعة مذهلة في هذا العالم"! ونتمنى لو كانت لدينا فرصة أخرى لحياة ثانية لكي نعيش كما ينبغي بجمال ومحبة وجسارة.
وأظن أن انجاز نجيب محفوظ معجزة مزدوجة، أدبية من ناحية ومن ناحية أخرى هي معجزة السيطرة على الوقت بحيث لا تهرب الحياة من بين يديه. ولا أذكر أين قرأت أن زوجته قالت إنه حتى عندما كان أخوته يجيئون لزيارته فإنه لم يكن يجلس معهم أكثر من عشر دقائق، ثم يستأذن منهم، فيقولون له: تفضل. نحن سنجلس مع الأولاد. فينصرف إلى حجرته وعمله.
وأظن أن مشكلة الوقت، أو الحياة التي تتسرب من دون أن نشعر كيف، هي مشكلة معظم الأدباء، ثم أنها مشكلة كل انسان في الحقيقة، لأنها تنطوي على سؤال أعمق : ماذا نفعل بالحياة التي توهب لنا مرة واحدة؟ ماذا نصنع بهذه الهدية الثمينة التي لا تتكرر.. ماذا نفعل بها؟ وأظن أن من يعرف لنفسه هدفا في الحياة انسان محظوظ، لكن يتبقى بعد ذلك أن يسيطر على وقته. ومن قراءات كثيرة لاحظت أن عددا كبيرا من الكتاب والصحفيين والمشتغلين بالفكر يشكون مر الشكوى من الانترنت بصفته أحد أكبر مستهلك لوقت البشر الآن. ذكرني ذلك بالظهور الأول للفيديو، حين لم يكن للناس عمل سوى جلب شرائط الأفلام والتفرج بها ليل نهار، ثم هدأت تلك الصرعة وحل محلها الآن الانترنت.
ويلفت الصحفي البريطاني كريستيان جاريت الانتباه إلى أن إدارة الوقت، أو التحكم فيه، أمر مرتبط برغبات الانسان وتحمسه لموضوع أو آخر، ويقول: "إنني لا أولي اهتماما كافيا للوقت الذي أهدره في تصفح الانترنت لأغراض لا تتعلق البتة بالعمل.. وقد يبدو أن حل المشكلة في وضع جدول زمني لأداء المهام المطلوب انجازها.. لكن علماء النفس يرون الآن خطأ تلك الفكرة، ومنهم تيم بايتشيل الذي يرى أن عدم التحكم في الوقت يرجع إلى عدم التحكم في مشاعرنا أولا وقبل أي شيء.. إذ قد تكون المهمة المطلوب القيام بها مزعجة لنا نفسيا ومن ثم نتفادى القيام بها". هكذا يتبين أن اهدار الوقت، وبعبارة أخرى أن هروب الحياة من بين أيادينا قد يرجع للحالة الشعورية في الأساس، إذ أن التحكم في الوقت مرتبط بالتحكم في المشاعر. وهناك من بين ما قرأت كتاب طريف بعنوان" يوم من حياة كاتب" ترجمة على زين، لاحظت منه أيضا أن معظم الأدباء يشكون مر الشكوى من التهام الانترنت لساعات العمل الثمينة، وعجزهم عن التحكم في الوقت. وفي ذلك يقول "كي ميللر" الروائي الحائز على جائزة بوكاس للأدب الكاريبي: "إن الأيام هي تلك الأشياء الرائعة المقسمة إلى ساعات ودقائق مثل شرائح كعكة عيد الميلاد.. لكن هناك الكثير من الملهيات التي أستسلم لها.. فأنا أنصرف عن الكتابة بسبب برامج التلفزيون، وأهم الأخبار في الصحف، ولعبة " كاندي كراش" يا إلهي إنني أعترف بذلك!".
وتقول "ليندا جرانت" الروائية الانجليزية: "إنني أحتاج نوعا من العزلة الشديدة للكتابة ، لكن الانترنت شوه تلك العزلة بقدرته على الايهام بسهولة البحث عن الأشياء من دون تخطيط ". أما " شارلوت مندلسون" الحائزة على جائزة سومرست موم فقد توصلت إلى حل لمشكلة الوقت الذي يلتهمه الانترنت، وتقول: "أخيرا قمت بتنزيل برنامج فريدوم لحجب الانترنت على الجهاز عندي"! ويشرح الروائي "تيم باركس" أبعاد المشكلة بقوله: "المشكلة الرئيسية التي تواجه الكاتب هي التخطيط للوصول إلى حالة التركيز الشديد والخلاص من وطأة البريد الالكتروني والانترنت وهما الأشد تدميرا للوقت".
وتقول الروائية ليزا ماكينيرني : " علي وأنا جالسة أمام الكمبيوتر إيقاف شبكة الانترنت، لأنك تقول لنفسك سأبحث عن هذه الكلمة فقط ثم تجد أنك أمضيت على الأقل 45 دقيقة على النت.. ولابد أن يكون هاتفي المحمول بعيدا في حجرة أخرى لكي لا أنشغل بلعبة كاسحة الألغام". هكذا تشغلنا الحياة عن الحياة حتى نفاجيء ذات يوم بأنها تسربت من بين أيادينا، فنقول لأنفسنا:" أوه.. يا إلهي.. كم تنتهي الأشياء بسرعة مذهلة في هذا العالم"!
جريدة الدستورالمصرية - الأحد 2 فبراير 2020