كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في أعماق القوّة من أطراف الضّعف.. بداية المستقبل اعتباراً من الآن

كتب الدكتور بهجت سليمان

[ في أعماق القوّة، من أطراف الضّعف ]

( بداية المستقبل، اعتباراً من الآن )


1▪︎ نعيش اليومَ عصرنا هذا بفعل الكثير من الأسباب المتراكبة و المعقّدة التي أوصلتنا إليه ، و هي خليط باهر من بقايا البدائيّة في تركيبنا البشريّ مُضافاً إلى جميع الآثار الكالحة للتّطوّر.

و مع أنّ هذا الأمر لا يستوقف الكثيرين ، فهو ، في الوقت نفسه ، من أهمّ ما يجب أن ندركه في حالات التّأمّل و الاسترخاء ، و هذا عندما نعمل بما يقتضيه واجب المعرفة ، دون الثّقافة ، من ضرورة إدراك خصوصيّة معالم الحضارة المعاصرة و لو بالكثير من العموميّة ، التي لا تقلق وقتنا الأهمّ في تأكيد ذواتنا في قلب هذا العالم و في أهمّ معالمه العمليّة التي تُثقل علينا انتماءنا إلى التّاريخ.

و أمّا من كان منّا لا يرى أو لا يتبيّن هذه الضّرورة المُلحّة على الوعي ، فإنّه ، و الحالة هذه ، يختار طوعاً العيش على سطح أحداث العالم ، مكتفياً بالانجذاب إلى الحدث اليوميّ العالميّ ممّا توفّره لنا وسائل الاتّصال و المعلومات اليوميّة ، بحيث أنّ غزارتها تعصف بالعقل العادي فتجعل منه أسيراً للسّطحيّة في التّفكير ، فيما لو أبقى الحدث التّاريخيّ على هذا العقل الرّخو من إمكانيّات واهمة على أنّه قادرٌ على الاكتفاء بهذا القدر من المعرفة.

2▪︎ و وضع العالم اليوم ليسَ في الواقع ، سوى نتيجة تلقائيّة لأفكار " أتحفها " التّخطيط " المنظّم " – و لو القاصِر - من أجل إحداث هذا الفالق الحضاريّ بين "القوّة" و "الضّعف" ، في الوقت الذي فيه يختار " القويّ " ، دوماَ ، إقصاء " الضّعيف" ليُعيدَ إنتاجه كبضاعة أو سلعة في "سوق" الأحداث ، التي نتجت عن طريقة في الممارسة و التّفكير تجعل "القويّ" قادراً ، و أكثر – ربّما - على التّحكّم ب" الضّعيف" من أجل دحره ، بعيداً ، عن أيّة قدرة على المشاركة في صناعة قدره الخاصّ ، في الوقت الذي يكتفي فيه "الضّعيف" ، خاضعاً، لتلقّي دفعات الحيويّة ، بمشيئة و تقدير "القويّ" ، و الكفيلة بإبقائه "حيّاً"، و على نحو ما من أنحاء الحياة ، في مستوى قبوله بالاستخدام و الاستعمال الممارسين عليه من قبل "القويّ".

3▪︎ و إذا كان وصفنا أعلاه ينطبق على كلا نمطيّ الحكومات أو "التّحكّمات" ، الدّاخليّة منها و الخارجيّة ، و على صعيد الدّولة الواحدة أو على صعيد "النُّظُم" ما بين الدّول ، فإنّه ينطبق كذلك على علاقات الأفراد في ما بينهم ، و الذين تربطهم العلاقات المختلفة ، كقانون.

و أمّا إذا كانت فترات الانحطاط السّياسيّة للدّولة الواحدة أو لأيّ عنصر واقع في فضاء هذه "النُّظُم" ، تُقاسُ ، بالإخضاع و الإذلال الممارسين على "الرّعيّة" من قبل الحاكمين ؛ فإنّها ليست على اختلاف كبير عند قراءتها بوصفها فترات نزاع "منظوميّة" (نموذجيّة) أو عالميّة أو دوليّة ، لا يُمكن أن تكون أبديّة من حيث ممارستها على "الآخرين".

و الأخطر من هذا هو عندما ينظر "الحاكمون" ، الدّاخليون أو الخارجيون في "المنظومة" ، إلى أنفسهم ، و بمنسوب عال من "الثّقة" ، على أنهم قادرون على فرض ذواتهم "طويلاً" على "المحكومين" ، من دون أن يدروا شيئاً عن هذا الكمّ الهائل من "الخُلُق" السّلبيّ الذي يولّدونه عند المحكومين ، بما في ذلك الإضعاف المتوالي لملكات العقل المؤدّي إلى انحطاط الضّعفاء ، في الوقت الذي لن ينجو فيه من هذا الخُلُق الضّعيف و الوعي السّلبيّ ، كذلك ، من ادّعوا تلك القوّة العمياء التي تمّيزهم كحاكمين ، و ذلك في تبادل الأثر في العلاقة الواحدة التي تشكّل تلك المنظومة ، بغضّ النّظر عن الحجوم و المساحات و المقاييس.

4▪︎ لنعمل ، و لو باختطافة سريعة من الذّاكرة ، على تذكّر الكثير من الأمثلة السّياسيّة للحكومات التّاريخيّة ( عالميّاً - تاريخيّاً ، و دوليّاً - حديثاً ، و عربيّاً..) التي انتهت فيها دولها و حكوماتها نتيجة لهذا الشّكل من التّبجّح و ممارسة الظّلم ؛ و هو ما توحي به ، من ضرورة اقتراب و قرب نهايات الأنظمة "الشّموليّة" ، على مختلف أنماطها و أنساقها ، و اقتفاء أثر سابقاتها من النُّظُم و العلاقات ، و الإمبراطوريّات و الدّول.

ليستْ ( روما ) و "الإمبراطوريّة العثمانيّة" و "الاتّحاد السّوفييتي" الأمثلة الوحيدة على ذلك من "التّاريخ" ؛ كما أنّه ليست (أميركا) اليوم ، و لا غيرها من "الدّول" المعاصرة التي اختارت "التّبجّحيّة" السّياسيّة كطريقة للحكم ، هي الأمثلة الوحيدة الأكثر وضوحاً على هذا الزّوال النّسبيّ المرتقب و القريب.

5▪︎ ينسج هذا "الواقع" ، اليومَ ، له عُمقاً أكثر ظلاميّة بالقياس إلى مستوى تطوّر البشر الاجتماعيّ و السّياسيّ ، و يؤسّس لمظلوميّات حقيقيّة قد لا يمكن تبيّنها بالنّسبة إلى "إدراك" الأقوياء ؛ ذلك أنّ صروف "الحكم" و "التّحكّم" ، الشّديدة ، الباعثة على الغرور و الحُمقِ ، تمنع ذلك الانعكاس المباشر للممارسات في مرآة الوعي الظّرفيّ ، من أن يكون واضحاً و جليّاً في خيال الحاكمين ..

في الوقت الذي تجري فيه جميع تحوّلات الظّروف و "القوى" الصّغيرة، أو التي يراها كذلك الحاكمون ، وفق قوانين لا تظهر لغير السّياسيين الذين أحكموا طريقة قراءة العالم و التّاريخ و المجتمعات و الأفراد ، و تتطوّر و تنضج في حينها ، بواسطة قوانين تبدو "غيبيّةً" عند عرضها على المثقّفين و الثّقافة ، و لا تبدو كذلك في منظور المعرفة و "اليقين".

6▪︎ في هذا السّياق ، فإنّه من الأفضل ، للعاقلين ، النّظرُ إلى "عقل" الآخر بوصفه كذلك سلاحاً ، و لو بدا أنّه سلاح غير متكافئ تماماً مع "مخاطر" التّوقّعات و التّحوّلات ، في وقت يحسن النّظر فيه إلى أنّه لم تنجُ أيّة قوّة في التّاريخ من تلك التّبدّلات.

إنّ إدراك المسألة على هذا النّحو بالتّحديد يُضيفُ كلاماً آخر حول مفاهيم الحرّيّة و السّعادة و العدالة ، القابلة للنّشر و التّوزيع ، و يُقلّل من مخاطر تفاقم النّزعات التّاريخيّة المتعضّية ، خطأً في الظّنّ أو التّقدير ، أو امتحاناً ، في البشر ، و هو ما يجعل من "المكان" ( على عموم هذا اللفظ، هنا ) مكاناً آمناً بالنّسبة إلى الجميع.

7▪︎ من غير المتوقّع ، أبداً ، في رؤى الفكر ، أن يتوجّه أصحاب "السّلطة" إلى "الاقتصاد" بالسّلطة – أو الإفراط بها ، أو التّخلّي عنها ، نهائيّاً - على ما هم مركّبون عليه اليوم ، و بالتّالي إلى المزيد من العقلانيّة الشّخصيّة أو الاجتماعيّة أو السّياسيّة ، و التي تبعث على المزيد من الواقعيّة ..

و كذلك إلى المزيد من "الرّبوبيّة" كفهم لطبيعة "القوّة" كمبدأ إنسانيّ متطوّر و خلّاق ؛ مع أنّه من غير القابل للقياس أن نتّجه إلى استنتاجات تطبيقيّة موازية تفيد بأنّ هؤلاء يشكّلون نموذجاً مطلقاً من "السّكونيّة" في ديناميّات أحداث الواقع و أحداث العالم ، و لا ، بالتالي ، إلى استنتاجات "طِباقيّة" ، أو مقابلة ، حول "ردّ الفعل" النّاجم عن ممارسات أصحاب "السّلطة" – كفعلٍ - الذين توهّموا أنّهم قدرٌ سماوي وحيدٌ لا راد له .

8▪︎ في أعماق "الأشياء" ، يبدو هناك أنّ الأفكار أكثرُ هدوءاً ممّا ينبغي ، و تبدو المفاجآت أقلّ حظّاً و وَفرة في الظّهور ممّا يَحدُسُها الفكر السّياسيّ الواقعيّ ..

و مع ذلك ، فإنّ الاعتقاد بعطالات "القوى" ، مهما بدت هذه القوى ضئيلة الشّأن ، إنّما هو تحصيل الوعي الضّيّق ، الذي ضاق على ذاته ، فأصبح وعياً مخنوقاً و تكراريّاً في غياب توهّجٍ يحتاجه العقل ..

و كذلك – من جانب آخر – في أنّه لا يحيا العقل من دون ذلك التّوهّج الذي هو مادّة متحوّلة من حالة إلى حالة و من قِوام إلى قوام ؛ و أكثر من ذلك ، و هذا في أنّ "العقل العمليّ" لا يظهر، غالباً ، إلّا في التّحدّيات.

9▪︎ يفصِلنا ، اليومَ ، عن نهاية آخر المعاقل التي أسّستها لها ( روما ) ( في القسطنطينية ، أو مقرّ الإمبراطوريّة الرّومانيّة الشّرقيّة [ بيزنطة ] استطمبول ، حالياً ) ما يُقارب ستّة قرون إلى الخلف. و عندما لا نستطيع أن نرى في ذلك إلّا مجرّد تاريخ ماضٍ و أصمّ ، فنحن غير معاصرين جيّداً ل تشابه الأحداث في العالم و التّاريخ ، و استحالات الظّروف المختلفة إلى أشباهها في دائرة الأفراد و القوى و الإمبراطوريّات العالميّة ، في دائريّة التّاريخ مُتقَنَةِ الصّنع حتّى نهايتها في الآجال.

و عندما لا نستطيع المقارنة بين المتشابهات ، فذلك لأنّنا لا ننعم جيّداً بذاكرةٍ ثقافيّة تاريخيّة واعية و شاملة.

و على رغم هذا ، فالعالم ليس مكاناً للاجترار و التّكرار ، بقدر ما هو منسوبٌ واعٍ يصلح لأن يكون في تفاوت بالنّسبة إلى البعض ، أو في تشابه بالنّسبة إلى البعض الآخر ، و في كلٍّ منهما حقيقة أو جزء من الحقيقة البشريّة التي تكتمل في نهايات يمكن تقديرها تقديراً كما يمكن حدسها بالحدس المتعاطف مع الإنسان.

و إذا كان هذا ممّا هو لا خلاف عليه ، فإنّ ترجمته إلى وعي عمليّ هو ما ينقص ، اليومَ ، الإنسانيّة في مستوياتها المختلفة المأهولة بالأفراد و النّظم و المعتقدات و الدّول و الحكومات و الإمبراطوريّات.

و لقد تبدو الصّورة التي هو عليها "العالمُ" اليومَ ، أكثر إثارة لتدفّق الحكمة في وقتها غير المعلوم ، فيما يتّجه الكثير من "أطراف" هذا "العالم" إلى الجهل و التّجاهل المُريعَين.

هنا من الواجب أن نعيد ما نعتقد به على الدّوام ، من أنّه لا يتفاجأ ، في التّاريخ و في السّياسة – و في غيرهما ، أيضاً - إلّا كلّ محدود و جاهل و ظالم و مغرور و غبيّ.

ينطبق الأمر على مختلف "النّظُم" الحيّة ، من الأفراد و الجماعات ، و من السّلطات و الدّول ، و من الإمبراطوريّات.

10▪︎ لا أحد يمتلك "العالم" بما هو حاضر و مستقبل . و إذا كان ثمّة مستقبل لقوّة في الأرض، مهما يكن نوعها و اتّساعها و مداها و قصورها و فاعليّتها ، فإنّها تبدأ في الواقع أو في ما يمكن تسميته "الآن الزّمنيّ" ، لتشكّل ، بَعدَها ، في المستقبل اعتباراً من هذه الحدود الملموسة ، اليوم ، جميع ما هو مرغوب أو غير مرغوب في التّشكّل.

و أمّا عن الرّغبة ، فهي الشّيء الذي يجب أن يخضع إلى الأحلام و الممكنات من دون الشّطط في تقدير أدوات و وسائل القوّة ، و من دون الإفراط باستعمال "المستقبل" على أنّه جزء من "الواقع" ، و من دون الإفراط بالتّأكّد من أنّ السيطرة على هذا المستقبل هي تَمَاثُلٌ مع السّيطرة على "العالم" اليوم.

أخيراً ، من الضّروريّ أن نُدركَ و نفهم ، يقيناً ، أنّ الكثير من أشكال البقاء العائدة للنُّظُم الزّمنيّة أو التّاريخيّة السّائدة و المعاصرة ، أو التي تبدو في وجودها كذلك ، هي ليست كذلك باقية بفضل الخير العامّ و الفضيلة و الشّرف و العدالات المختلفة ، أو بفضل قوّة أصحابها ، أو كذلك بفضل ضعفِ "الآخرين" ، بقدر ما هي قائمة على بقايا تلك التّيمات في المُجريات غير النّاضبة ، بعدُ ، من ذاكرة "المكان" بالذّات ، و على أنّ للجمادات ذاكرة لا تمحوها الأحداث بالسّرعات المعروفة في زمننا اليوميّ ، بهذه السّرعة و لا بهذه السّهولة ، حيث أنّ الأمر خارج التّوقّعات الرّغبويّة ، كما هو خارج الاختصارات المشكوك بأمر حقيقتها الفعليّة ، عندما يكون الحديث قائماً على تناول الأمور المعقّدة و "غير المرغوبة" و "غير المتوقّعة" و المفاجئة ، و المُركّبة.

إنّها ، على عادتها ، تقوم الصّروح و تندثر ، و لكنّ حديثنا هو على الفارق بين عمر الكيانات و عمر الصّروح ، و كيف يبدأ المستقبل اعتباراً من اللحظة الرّاهنة.

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية