هواجس وانشغالات في الشعر
إن الادعاء بالإحاطة بتجربة أي شاعر نقديا ً وبكافة مظاهر هذا النقد وأوجهه ومدارسه ومشاربه، نقدا ً وتحليلا ً وتصنيفا ً وتفكيكا ً، لهو أمر في غاية الصعوبة، وكالخائض في يم لا يعرف وجهة واحدة
وإذا كان: " نقدُ الشعر إبداعٌ آخر. النقد، بعامة، إبداعٌ مُركّب: وعيٌ للمادة المنقودة، ووعيٌ لصياغة هذا الوعي في سياقٍ فكري خلاّق." كما يقول" أدونيس"، فإن الإدلاء برأي نقدياً كان أم انطباعياً .. أم وجهة نظر شخصية لأية تجربة إبداعية، إنما يحمِّل صاحبها عبئا ً قد يفوق عبء المبدع ذاته وقد انتضى مشروعه الإبداعي وطلع به إلى القارئ ليكون مسؤولاً عن طرحه في وقت ما من تاريخ أمة من الأمم أو جيل من الأجيال...
" وعندما نقول شعراً، نقول ضمناً الإنسان والوجود والصيرورة، وفي هذه تنطوي القضايا الكبرى كلها." – أدونيس ..
وعليه فإن الشاعر كغيره من الشعراء قد شغلته القضايا الكبرى: كالحياة والموت والغيب والإنسانية والوجود والمصير .. وكغيرهم من الشعراء العالميين ً فقد تأثر الشعراء العرب عميقا ً بهموم و آلام أمتهم و ما اصطرع على ساحتها قديما ً وحديثا ً وحتى لو بدت القضايا واحدة قديمها وحديثها، إلا أنها مصدر كتابة لا ينضب، ويبقى الاختلاف بين تجارب المبدعين بمقدار ما يتمايزون به في طريقة التلقي وعمق التأثر والهمة التي يحملها كل منهم وجرأته في التعبير والطرح وإبداء المواقف والرغبة في التغيير ..
والشاعر لا يقف مكتوف الأيدي معقود اللسان أمام مواقف حديثة أم قديمة يتجلى فيها البطش بالمبدعين وقمع الأحرار لمجرد عدم الخنوع، فهو ينتقد الاستبداد وكبت الحريات وتعذيب المبدعين وإقصاءهم، ويتبنى مواقف شخصيات حضارية مشرقة في التاريخ العربي والإنساني كابن مقلة ، و ذي النون المصري ، و سديف و أبي بكر الشبلي والحلاج والحسين والمسيح... وسواهم من في أكثر من نص، بل ويستلهم شخصيات بعينها من التاريخ استحضارا أو تقنعا لتعبر عن قضية راهنة يعيشها.
ويبدو جليا ً شعور الشاعر بالاغتراب .. و نغمة الحزن العام نتيجة إحباطات متواصلة سياسية و مجتمعية و روحية: فهو مغترب وسط أهله وصحبه في محيطه الأصغر وفي محيطه الأكبر...
و هذا دليل على أن الشعراء خاصة، والمبدعين عامة، يتفردون بكيفية حملهم همومهم وعمق تأثرهم فيحاولون التغيير فلا يستطيعون فيلجؤون للبوح شعرا ً .. فتنقلب القصيدة طائرا ً يحمِّله الشاعر ما يستطيع فإذا هي رسولة منذرة مبشرة بتنبؤات الشاعر ونظرته المستقبلية..
أيضا ً شغل الشعراءَ الموتُ، هذا السر الأزلي الغامض لدرجة التساؤل عن سر المجيء إلى هذه الحياة ولم نستشر ولم نُدْع َ.. ولماذا إذا كنا سنصبح طعاما ً للدود وأجسادا ً بلا أرواح نتترب في أديم الأرض؟ وهو هاجس المبدعين الباحثين عن الخلود والاستمرار، اللائذين بلب وجوهر الحياة، التاركين غثها وسخيفها للعابرين المارقين ...لدرجة يجعل التراب يرثي لجثته التي بلا روح وكأن الشاعر نسي ما سيتركه من أثر خالد بموهبته و إبداعه - و الذي سيبقى جيلا ً بعد جيل - أمام الموت وسره الأعظم وأن مروره لن يكون عابرا ً؟
أليست هذه جوهر قصة جلجامش وأنكيدو في الحياة والموت والبحث عن الخلود في أقدم نص ملحمي شعري عرفته البشرية؟
الحب أيضا ً هذا الشيء الجميل العجيب السامي العصي على الموت هو محور اهتمام الشاعر و محور حياته لا بل ومركز توازنه وسبب بقائه في هذه الحياة، فأية نفس مرهفة يحملها هذا الشاعر في جنبيه .. ؟ وأي ظمإ للحب هذا الذي لا يرويه إلا الحب نفسه، ومدى الحياة؟
لقد أفرد له الشعراء جل قصائدهم مصورين كل تلاوين الحب وانفعالاته: التوحد التواد الخصام الالتقاء الفراق الهجران الوصال العذاب الغيرة....
وأخيراً، وبعد أن يكون الدهر قد حلب أغلب شطره، يخرج الحكيم من إهاب الشاعر ليقف بعد هذا العمر وهذه التجربة الغنية بالمعاناة المثقلة بتكبد المشاق، يخرج ليقف وقفة المتأمل الفيلسوف الحكيم الزاهد الذي أثقلته وصقلته التجربة والمعاناة في قصائد أقل ما يقال عنها إنها رائعة مؤثرة، وليخرج منها بحكمة العمر وخلاصة التجربة الإنسانيــة