كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

علم عبد اللطيف: قراءة في مسيرة الشاعرة ليندا إبراهيم الأدبية والشعرية

(ليندا ابراهيم في مجموعتها الخامسة "لسيدة الضوء" تجعل من الوطن مغناة شعرية)وتَضَعِينَ طَرحَةَ شَوْقٍ لأَجْلِي ." **
لكننا نراها تنجذب دوماً إلى الإيقاع والموسيقا، وقد كتبت القصيدة العمودية الباذخة، بمبناها ولغتها.. ويمكن القول إنها حدّثتها.. وطعّمتها بأدوات القصيدة الحديثة، ولم تكن قصيدتها العمودية ذات بُعد واحد.. فأدخلت التركيب والتكثيف والإحالة والانزياح.. (
"معنىً على التلِّ مذ بتنا نكابده..
رحنا على قلق المعنى نراوده..
معنىً على التل كان التل يخزنه..
في جعبة الغيم منذ الله أوَّله..
كرما بخاطره يوماً وأنزله..
لدوحة الشعر حيث الشعر حاوله"
هي القصيدة المتجددة بأدوات ملكتها وتمكنت منها الشاعرة.. وأحبتها.. وربما أحبت غناءها.. وأحسب أن طريقتها في إلقاء شعرها على المنبر، قد عزّز ميلها إلى كتابة النصوص المموسقة، أو أن هذه تحيل إلى تلك، فتبدو هذه الشاعرة وهي تقرأ نصوصها، وكأنها تذوب في كلمة تبدو هي من اختار قائلها، ويحسّ من يسمعها أنه أمام نوعٍ من الآلهة تتكلم داخلها
في آخر ندوة حضرتها في اتحاد الكتاب العرب بطرطوس، كانت ليندا تقرأ نصوصا شعرية، لا أستطيع تحديد مدى النشوة التي اجتاحتني وقتها، وعندما سألتني صديقة أديبة عن رأيي بما قدّم يومها، قلتُ بالحرف فيما يتصل بما قرأته ليندا: "إذا كانت الأديان لم تأتِ بنساءٍ نبيّات، فإن الشعر لم يبخل.. وقد فعل.. ليندا بدت اليوم إحدى نبيّات الشعر"
ثمة مسألة مهمة، أو لنقل.. ملاحظة من قبلي، هي العلاقة بين الهندسة والشعر، أو بين المهندسين وكتابة الشعر، والمسألة ترقى كما يبدو لي إلى مستوى الظاهرة، فعدد المهندسين الذين يكتبون الشعر وينشرونه، ويصدرون أعمالاً شعرية، وقد كرّسوا أسماءهم بين شعراء الصف الأول في عالم كتابة الشعر في سورية أو ربما غيرها، يتيح القول إن هنالك علاقة بين الشعر والهندسة، أهي هندسة النص؟ النص المدروس بدقة القياس والتناظر البنائي، أم هو أن الشعر الناجح يهندس قامته من تلقاء ذاته، مدفوعاً بآلية الاصطفاء اللفظي والبنائي عند الشاعر المتمكن، أو أن دراسة الهندسة تحمل في بنيتها نوعاً من الشاعرية، على المستوى العقلي والجمالي والإبداعي.. وبالمقارنة مع عدد الشعراء من بقية الاختصاصات، كالمحامين والأطباء والصيادلة وغير ذلك نجد أن هذه الملاحظة تستحق أن ندعوها ظاهرة، وتستحق التأمل فعلاً.
وهي حقيقة كلمة السر في الصلة بين الشعر كفن وإبداع، وبين الهندسة، وهذا سؤال برسم المهندسين وبرسم الشعراء أيضاً..
بالعودة إلى شعر ليندا، نقول بدايةً: إن نصوصها الشعرية، يمكن أن تشكل مشروعا شعريا، فهي نصوص مترابطة في محمولها، يشدها ويجمعها خيط يمتد في مساحة نصوصها.. تحيل دائما إلى الوطن، الذي يبدو هاجساً عند شاعرتنا، فتغنيه وتصفق له، وتمدحه، وتبكي عليه.. وتضحك له.. وربما تراقصه، وتمنحه عشقها.. وتُغرق أناها دائماً في حوض وطنٍ تراه أو تتخيله أو تبتدعه
في مجموعتها الأخيرة (لسيدة الضوء).. الصادرة عن دار الينابيع بدمشق /2018/.. تكاد أن تقدم نفسها شاعرة للوطن، فهو محبوبها.. وطفلها الجريح ربما:
"وطني...
يا أيها الجرح الفسيح..
أين أمضي في لياليك الشجية..
وبقلبي أغنيات الريح..
أين أخفي صرخة الروح الذبيح..
دمك الآن الهوية..
دمنا الآن الهوية.."
وأيضاً:
" وطني.. يا موطن الأطفال والأحلام والعيش الشظيف..
وطني.. أنت نشيد لا يموت"
وتمضي في مناجاته، ومناشدته بأن يكون وطناً للروح، وأن يترفق بالغريب:
"وطن الروح ترفق بالغريب..
بات في وحشته صباً كئيب..
فلياليه غناء ووجيب..
ينشد الفجر نشيداً خالدا"
وتؤنسنه، فتقول:
"لتبقى بلادي بياضا من الياسمين"
أو تفلسف وجود الوطن، وتربطه بالأزلية، ويدور مع فكرها وتفكيرها وجودا وعدماً:
"على وجهك الأزلي البهي يضوّء روح الأبد"
والوطن أملها.. وحلمها:
"سيأتي زمانٌ أرى وطني ناهضاً من رماد..
وأبناءه الطيبين
صاعدين الى الملكوت..
بعد أن هزموا الظلموت.. "
وشاعرتنا لا تبقى عند حد مساجلة الوطن بأناشيدها.. بل تبرز الإنساني في نصوصها:"
" لا وقت يا حبُّ..
انتظرني عند أحجية المحال..
لا وقت فالروح الوجيعة أكملت أحزانها..
وتزمّلت بالباقيات لديّ من حجب السؤال..
لا وقت يا وقت.. احتملني كي أجدد طاقتي في الحزن..
ثم نواصل الدرب القصي الى المحال"
هذا في وقتٍ تتلبس الشاعرة صوفية شعرية أو خطابٌ صوفي.. فتقول..
"فالأنين اليوم أقرب للسماء من الصلاة..
وسأقنع الصوفي في قلبي كي يناجي سرك المخبوء في قلب الاله"
و قولها:
"يقين القصيدة ماء..
شجوها ظنّ طين..
يالخلقٍ سواء"
والشاعرة لا تستلهم الثقافة والتاريخ فقط في كتابة نصوصها وإحالاتها، بل تمتح من الأسطورة.. والسرديات الدينية:
" أبانا الذي في نشيد العصافير..
أبانا الذي في انهمار العيون البريئة
أبانا وأنت انتصار الحنين لأرواحنا المتعبة"
وكقولها:
"إخوتي باعوا قميصي للطغاة الغادرين"...
وقولها:
"الراشفات سلافاً من سرائرنا, العارفات بأسرار وتسهيد..
الحمد للحب.. صُغنا منه جوهرنا..
والجوهر الفرد فينا حب معبود"
ويمتد بها الشعر مقاربا فلسفة الرموز الدينية والسرديات الكبرى فيها.. من نص "رؤيا يسوع الناصري"، إلى نص "مريم المجدلية"، إلى "عودة يوسف"، وغيرها كثير تحفل به نصوصها. الشاعرة ليندا ابراهيم.. المهندسة.. وقد آثرت أن تمضي حيث تحب في حياتها.. حيث الثقافة والشعر والكتابة.. ومسؤولية نشر وخدمة الثقافة وتقديمها.. نقول لها:
" إنَّ أنجح الأعمال التي يقوم بها المرء، أو يكتبها، أو يقولها، هي تلك التي يحبها. بوركتِ تمارسين ما تحبين..."
طرطوس 6 شباط 2019
................................................
*علم الدين عبد اللطيف باحث ودارس وأديب عضو اتحاد الكتاب فرع طرطوس له العديد من المؤلفات في الأدب والشعر والفكر والسياسة
**من مجموعتي الثانية "فصول الحب والوحشة" وما تبقى من شواهد من نصوص "لسيدة الضوء"
هذه المادة قدمها الأستاذ علم الدين في حفل توقيع مجموعة "لسيدة الضوء" في شباط 2019

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية