كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. أحمد الخميسي: شــــقــــاء الــــطــــفـــــولـــة

أظل أذكر عبارة الكاتب الروسي الكبير دوستيوفسكي "معاشرة الطفولة شفاء للروح"، وليس أجمل من طفل يردك بحديثه وهو يلثغ إلى طفولة العقل والقلب البشري حين لم يكن في بداياته يميز بين الخيال من الواقع. إلا أن كثرة الانتهاكات اليومية لحياة وكرامة الطفل تدعونا إلى الاعتماد على القانون والاستنجاد به، لأن للطبيعة الانسانية ألف وجه، بعضها شديد القسوة.

في أواخر نوفمبر 2018 أفاد الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء أن عدد الأطفال في مصر يبلغ نحو أربعين مليون نسمة، وهو رقم ضخم يمثل كتلة كبيرة، هي في كل الأحوال وثيقة الصلة بمستقبل الوطن. وإذا نحينا جانبا الأطفال سعداء الحظ ممن ولدوا في عائلات طبيعية، سنجد أن عددا آخر يتعرض لمختلف أشكال الايذاء التي تبدأ من التعذيب وتنتهي بالقتل.

وفي أواخر العام الماضي روع الرأي العام بقضية الطفلة "جنة" ذات الخمس سنوات التي توفيت ضحية تعذيب مميت بالحروق والتشويه من قبل جدتها في مدينة شربين، ومع ذلك فإن محكمة جنايات المنصورة اكتفت في فبراير الحالي بالحكم على الجدة بالسجن ست سنوات فقط، مع أن القضية قتل واضح. والمشكلة هنا لا تتعلق بالطفلة المسكينة وحدها بل بالأطفال جميعا وموقف قانون الطفل رقم 12 لسنة 96 والمعدل بالقانون رقم 126 لسنه 2008. ذلك أن القانون كما أفاد كل الخبراء لايتضمن مادة صريحة تجرم الاهمال الأسري الذي يعرض الأطفال للخطر، ويكتفي في حالة القرابة بعقوبة هينة كالتي نالتها الجدة قاتلة حفيدتها. بل إن مواد القانون تشير بالنسبة لمن يتولى رعاية الطفل إلى: "حقه في التأديب المباح شرعا"! ماهو التأديب المباح شرعا؟ هل هو الضرب بحزام حتى النزف؟ أم كي الطفل بالنار، أم ارغامه على الجلوس على سخان ملتهب كما حدث لأربع بنات صغيرات في دار أيتام مسماة "جنة الخير" بمدينة نصر؟.

لا يحدد القانون بدقة ما هو "التأديب المباح شرعا"، وفي دفاعها عن جريمتها قالت الجدة قاتلة "جنة" إنها كانت تؤدبها! الأكثر من ذلك أن القانون ذاته ينص على أنه في حالة وفاة الطفل بسبب الاهمال الأسري يحرر محضر إداري، ويحفظ مراعاة لمشاعر الوالدين! كما لا توجد مادة صريحة تجرم إهمال الأسرة لحقوق أطفالها، هذا في الوقت الذي يتعامل فيه الشرطة مع معظم قضايا العنف الأسري على أنها قضايا "عائلية" اجتماعية وليست جنائية.

ولذلك تحديدا انتشرت جرائم الأهل في حق أطفالهم، ورحنا نقرأ عن سائق توك توك يقتل أبناءه، وعن الدكتور في جامعة الأزهر الذي قتل ابنه، وعن الجريمة المروعة التي أغرق فيها والد طفليه في النهر، والأم التي تخلصت من جثث أطفالها في المريوطية، وعن العامل الذي قتل ابنته البالغة من العمر 13 عاما بمساعدة زوجته لهروبها من جحيم الزوجة الثانية، إلى أخر تلك السلسلة إن كان لها آخر.

وفي كل تلك الجرائم سترى وجه طفل بريء، كان الأجدر أن يلقى المحبة والحنان وليس الموت على يدي أهله. وتبرز هنا ضرورة تعديل وتغليظ القانون الذي يخفف العقاب في حالة جرائم الأهل، ويرواح ما بين قانون العقوبات و فتاوي السلفيين القائلة بأنه لا يجوز القصاص من الأصل إذا قام بقتل الفرع.

وبهذا الصدد يقول الدكتور أحمد كريمة الأستاذ بجامعة الأزهر إن الإمام مالك افتى بضرورة القصاص من الأب أو الأم إذا قتل ابنه أو ابنته، لأن في القصاص حياة. ولذلك قدمت النائبة إيناس عبد الحليم في أواخر عام 2018 مشروعا لتعديل القانون بهدف تغليظ العقوبة على أي من الوالدين اللذين يعرضان أبناءها للموت، واقترحت أن تكون العقوبة عشر سنوات على الأقل.

نحن بأمس الحاجة لحماية الطفولة، قانونا. وإذا كان دوستيوفسكي قد قال إن " معاشرة الطفولة شفاء للروح" فإن علينا أن نحمي أرواحنا، وضحكاتنا، وابتساماتنا، وأن ندافع بالقانون عن طفولتنا.

جريدة الدستور المصرية - السبت 8 فبراير 2020

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني