ليندا ابراهيم: أقانيم الوجد.. (قصة)
*هذه القصة، بأحداثها، والتي كتبتُها من وحي الخيال على أن وقائعها حدثت أثناء حرب تشرين سبعينات القرن المنصرم 1973، وإذ بي أفاجأ بالأحداث نفسها و نفس شخصية البطل وقد استشهد وهو يصنع تماثيلاً من الرمل، وهو مدير مدرسة في الساحل السوري، استشهد أثناء تأديته الخدمة الإلزامية إبان الأزمة 2018، بعد نجاته من جروح معارك سجن حلب المركزي الشهيرة، وهو أحد أبطال مطار"كويرس" العسكري السوري أيضاً..."
مع انبلاجِ خيوطِ الفجرِ الأولى، كانتْ يداهُ قد فرَغَتَا من كُلِّ ما بِهِمَا من طين، وباتَ الخليطُ متجانساً جاهزاً للتَّشكيل.. كانَ يثابرُ بيقينٍ شديدٍ، وتصميمٍ بارعٍ على أن يسكبَ ما بروحِهِ من جمالٍ وتوقٍ ووجدٍ، في هذا الصَّلصالِ لِيُحِيلَهُ عجينةً من الألمِ والمُبَارَحَة، ثُمَّ إلى تمثالٍ ناطقٍ بكلِّ مفاتِنِ الجمالِ ومناحِي الخَلق...
عملَ لفترةٍ طويلةٍ من حياتِهِ مع هذا "الصَّلصالِ – التُّراب"، ولا زالتْ يدُهُ اليُسرَى، تحتفظُ بذلك الجُرحِ الوَشمِ، إثرَ تلكَ الحادثةِ البعيدةِ، والتي أصابَتْهُ في إحدى أُمَّاتِ المعاركِ مع العدُو، عدوِّ هذا التُّراب، ومن يومِها، أقسَمَ أن يَصُونَهُ بكلِّ ما أُوتِيَ من قُوَّةٍ، وأنْ يكرِّسَ حياتَهُ لخطِّ الدِّفَاعِ الأمامي ما بقيَ حياً، تركَ كُلِّيَّتَه، الفنونَ الجميلة، في دمشق، وبدلَ أن يُنهيَ خدمتَهُ الاحتياطيَّةَ في الجيش ذلك العام، قدَّمَ طلباً للتَّطَوُّعِ، في العام نفسِهِ الذي فقدَ فيه أبَوَيْهِ إثرَ الاجتياحِ الغاشِمِ لمدينة القنيطرة...
رابَطَ مع فصيلِهِ المُقاتلِ شهوراً طوالاً، كان يُمضي فيها أوقاتَ الهدنة، أو أيامَ إجازاتِهِ القليلةِ جداً، بل والنَّادرة، في الأرض ِالمحيطةِ، باحثاً عن غُضَارٍ غضٍّ، ينتقيه بعنايةٍ من أجود أنواعِ التُّربة، ومن مختلِفِ ألوانِها ممَّا تجودُ بهِ الأرضُ، يتشَهَّاهُ، ليكونَ مادَّتَهُ الرَّئيسةَ في مُحترَفِهِ البِدائيِّ في الهَواءِ الطَّلق، وحالما ينتهِي من عمَلِهِ الفنِّيِّ المُتقنِ، كان يضَعُهُ على منصَّةِ صواريخَ قديمةٍ ليأخذ حصَّتَه من شمسِ البلاد، ولِيَتَحَوَّل إلى أيقونةٍ مع الزَّمن، تأخذُ مكانَها إلى جانبِ أترابِها في مخزنه السِّرِّيِّ، ريثما تنتهي الحربُ، ويعودُ لمنزله ولأهل بيته، ولجامِعَتِهِ، ولقريتِهِ التي يقوم فيها محترفُهُ الجميل...
لم يكن يحدِسُ، ولا حتى القادةُ، متى ستضعُ هذه الحربُ أوزارَها، قالوا شهر، شهران و تحدُثُ التَّسويةُ، لكن ما من تسوية، ولا هدوءَ لحربٍ، الجبهاتُ مشتعلةٌ، والتُّرابُ وحده الملجأُ والملاذُ والمآلُ، حيثُ يُفَرِّغُ ما به من وجدٍ إلى أمِّه وأبيه، بحنينه إلى هذا التراب الذي يدافع عنه بكلِّ ما مَلَكَتْ روحُهُ من الإيمان به، التُّراب الذي يضمُّ الأحبابَ و الأعزاء و الإخوَةَ، إخوةَ الدَّم والوطن والمصير...
"صفوان"... تلكَ الشُّعلةُ المتَّقدةُ من الطُّمُوحِ والموهبةِ والذَّكاء والفطرة الوطنيَّة السَّليمة، لم يعرف في حياتِهِ سوى الأرض والسِّلاح والمُحتَرَف...
كانَ كلُّ تمثالٍ يصنَعُهُ ويخلِّقُهُ بين يدَيهِ، يقتربُ منه، يتفحَّصُهُ بكلِّ جوارحِهِ، يتأمَّلُهُ، يدورُ حولَهُ كصوفيٍّ هدَّهُ العشقُ، ويؤدِّي له التَّحيَّة الدَّائمة، على طريقته، يسكُبُ فيه وصيَّتَهُ الأخيرة، وكأنَّما، متأثِّراً بأساطير الخَلقِ الأولى"، يَوَدُّ لو يبعثُهُ، لو ينفخُ فيه شيئاً من روحه فيستحيل كائناً حياً...