كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الذكرى المئوية للدولة العربية العلمانية التي سنّ برلمانها أفضل دستور عربي- ح1

كتب الدكتور عبد الله حنا

* الدراسة المقدمة إلى مؤتمر المؤرخين العرب المنعقد في بيروت في آواخر نيسان 2019 *
* الحلقة الأولى *
* *** *
* الذكرى المئوية للدولة العربية العلمانية، التي سنّ برلمانها أفضل دستور عربي *
* *** *
* الحكومة العربية في دمشق *
* 1918 – 1920 *
* بل قل *
* الدولة العربية السورية *
* نقلة ملحمية نحو الدولة الحديثة العلمانية *
*************************************** *
****************************
***********
*****
**
*

{ مازِلْنَ في المقدمات الضرورية لفهم خلفيات الدولة العربية ولم ندخل في صلب الموضوع بعد }
***
التنظيمات العثمانية بين مدّ وجذر مُمَهِدَة الطريق للدولة الحديثة العربية
الإصلاحات العثمانية (التنظيمات) ودورها في الشروع ببناء دولة حديثة..
الثورة المضادة للسلطان عبد الحميد.. عودة المشروطية ثانية 1908 - 1918

إن بنيان الدولة الحديثة ذات المضامين البورجوازية وُضِعَت أسسه في أواخر العهد العثماني، وسعت الدولة العربية للسير على نهج الدولة الحديثة. ولكن الغزو الاستعماري الفرنسي تموز 1920 قضى على الدولة العربية بمضامينها الوطنية، وسار بها باسم الانتداب اشواطا في بناء الدولة الحديثة، التي قطف ثمارها العهد الوطني بعد الاستقلال 1943.

***
التنظيمات العثمانية
(حركة الاصلاح 1839 – 1876)
دفعت جملة عوامل داخلية وخارجية القائمين على الدولة العثمانية إلى القيام بحركة إصلاح النظم الإدارية وأساليب الحكم. وبدأت محاولات الاصلاح في مستهل القرن التاسع عشر مع السلطان سليم الثالث ومحمود الثاني وعبد المجيد ( 1839 – 1861) وتمثلت بالإصلاحات التالية :
إنشاء ما يشبه مجلس النواب.. إلغاء نظام التزام الضرائب.. وضع قانون مدني حديث مُستقى من فرنسا.. تعيين مفتشين للولايات.. إنشاء البنك العثماني.. إصلاح الجيش وتحديثه بعد الخلاص من الانكشارية بإبادتها جسديا.. إلغاء الرق في البلاد العثمانية، وبذلك خطت السلطنة الخطوة الإنسانية التي خطتها أوروبا في مؤتمر فينا 1815بإلغاء الرق. كل ذلك جرى في إطار التنظيمات, التي بدأت عام 1839 مع خط شريف كلخانة ومن ثمّ الخط الهمايوني شباط 1856.
لاقت حركة الإصلاحات في الدولة العثمانية مقاومة ضارية من القوى المتعصّبة والمحافظة واعتبرتها مروقا عن الدين. واستطاعت هذه القوى أن تكسب إلى جانبها أقساما واسعة من العامة في المدن . وتحالف الفقهاء والعامة أجبرا "أهل العقل" على النزوح أو الصمت. فقد كان "الهروب" من البلد أو التقيّة ديدن معظم النهضويين.

أشار إلى هذه الظاهرة بوضوح صلاح الدين القاسمي في جريدة المقتبس الدمشقية (11 حزيران 1909) تحت عنوان "العلم والعامة"، قال فيها:
"…العامة حُرمت بسبب الجاهلين ما أحلّ الله من العناية بضروب العلوم الرياضية والكونية حتى الدينية كالتفسير والحديث". و "العامي لا مذهب له وإنما مذهبه قول مفتيه في الضغط الفكري على العلماء واضطرار هؤلاء لاتخاذ التقيّة شعاراً في أغلب الأحايين.. وكم كتم العالم ما يجول بخاطره من الحقائق العلمية وشُرد الآخرون إلى بلاد نائية"
***

كانت حركة الإصلاح في جوهرها تنبع من الرغبة في التقدم واللحاق بالغرب (أوروبا) والنهل من الحضارة أو بالأصح الثورة البورجوازية المنتصرة في اوروبا او ما يعرف بالغرب. وتُطلق تيارات الاسلام السياسي على هذا الاتجاه اسم "حركة التغريب"، بهدف النيل من حركة الإصلاح واعتبارها عاملا خارجيا غير أصيل دخيلا على الحضارة الإسلامية، كما يريدون أن يفهموها.
وقد اصطدمت القوانين الصادرة في عهد التنظيمات 1838-1876 بمقاومة قوية من القوى المحافظة المعادية للتغيير ورأت انها مخالفة لأحكام الشريعة والاسلام. وبذلت القوى المحافظة قصارى جهدها لوضع العصي أمام عجلة الإصلاح المخالفة للدين حسب زعمهم.

ومعروف ان حركة الاصلاح او التنظيمات كانت متأثرة بالتغيرات البورجوازية في اوروبا، التي نقلت اوروبا وتحديدا غربها من احضان النظام الاقطاعي إلى رحاب الرأسمالية بوجهيها الثوري والامبريالي .
و أصبح لهذا الغرب الرأسمالي مصلحة في ضمان حرية رأس المال الأجنبي في الدولة العثمانية، وحماية "الملكية الخاصة". وضغط هذا "الغرب الرأسمالي" على الدولة العثمانية لجعل قوانينها تتناسب مع مصالح الراسمال الأجنبي الباحث عن الاستثمار في بقاع الأرض كافة. ولاقت هذه الرغبة "الرأسمالية" لدول اوروبا في الاصلاح صدى لدى المجموعات المتنورة في الدولة العثمانية، التي رأت في الاصلاحات ذات الطابع البورجوازي وسيلة للتحرر والانطلاق من البنية الاقطاعية وفكرها المتجمد الى رحاب الرأسمالية وفكرها الحداثي. ولكن القوى الاجتماعية الراغبة في الاصلاح كانت مهيضة الجناح في محيط القرون الوسطى الإقطاعية التي كانت امواجه تغمر الشرق الإسلامي. ومن هنا يمكن فهم تعثّر الاصلاحات وانكفائها في موجة رجعية عاتية تزعمها السلطان عبد الحميد الثاني.
***
توجّت مرحلة التنظيمات بإعلان الدستور في 23-12-1876، الذي عُرف باسم "المشروطية" ، إذ جعل الدستور حكم السلطان "مشروطاً" بمراعاة القيود المقررة في الدستور المعروف رسمياً باسم "القانون الأساسي".
هذا "القانون الأساسي" أو الدستور أو "المشروطية" حوّل السلطنة المطلقة إلى ملكية دستورية برلمانية على طراز الملكيات الأوروبية. فقد حصر الدستور المُلك (السلطنة) بسلالة آل عثمان. واعتبر السلطان مقدساً غير مسؤول. ومن صلاحياته تعيين الوزراء وعزلهم. والوزراء يجتمعون برئاسة الصدر الأعظم وهم مسؤولون جماعياً أمام البرلمان المؤلف من مجلس أعيان (شيوخ) يعينهم السلطان ومجلس مبعوثان (نواب) تنتخبهم الرعية العثمانية. وأهم ما في الأمر أن الدستور ضمن الحريات العامة لجميع العثمانيين، وأعلن استقلال القضاء وأن التعليم الابتدائي إلزامي. وبموجب الدستور لم يعد بإمكان السلطان وولاته في الولايات مصادرة الأموال وإعدام الأشخاص دون حسيب أو رقيب.
وبعد وضع "القانون الأساسي" موضع التنفيذ جرت انتخابات لـ"مجلس المبعوثان" باعتبار النائب مبعوثاً من أهالي دائرته الانتخابية. وقد جرت الإنتخابات في الولايات العربية عام 1877. وقام بعض المندوبين (النواب) العرب بدور هام خلال المذاكرات والمناقشات. وكان في طليعتهم نائب القدس محمد روحي الخالدي، الذي عرّى في كتاباته الاستبداد السلطاني الحميدي.
والملفت للنظر ان بعض اعضاء مجلس المبعوثان سلطوا الأضواء على دور الدولة في الاصلاح والدعوة إلى مقاومة الفساد المستفحل في شراين الدولة العلية. نشير هنا إلى ما جرى في احدى جلسات مجلس المبعوثان حيث "كَثُرَ الجدل بشأن محاكمة المرتكبين (للفساد) وقطع دابر الرشوة وتحسين احوال المحاكم، حتى قال احد المبعوثان: ان عساكر الضبط في الولايات تنهب الاهالي، وان المحاكم ترتشي على أبطال الحق".
***
وجاء السلطان عبد الحميد الذي أعلن رياء موافقته على اعلان الدستور، الذي وضعه مدحت باشا ومجلس المبعوثان (البرلمان). ولكن السلطان سرعان ما تنكّر لوعوده وجمّد الدستور وحلّ مجلس المبعوثان عام 1878 وحكم السلطنة حكما استبداديا حتى ثورة الاتحاد والترقي 1908.
***
الحلقة المقبلة
أعلام التنوير من "الطبقة وسطى" المناهضين للاستبداد، ودورهم في تمهيد الطريق للدولة العربية الحديثة

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني