الذكرى المئوية للدولة العربية العلمانية التي سنّ برلمانها أفضل دستور عربي- ح5
الدكتور عبد الله حنا
* الدراسة المقدمة إلى مؤتمر المؤرخين العرب المنعقد في بيروت في آواخر نيسان 2019 *
*
* *** *
* الذكرى المئوية للدولة العربية العلمانية ، التي سنّ برلمانها أفضل دستور عربي *
* *** *
* الحكومة العربية في دمشق *
* 1918 – 1920 *
* بل قل *
* الدولة العربية السورية *
* نقلة ملحمية نحو الدولة الحديثة العلمانية *
*************************************** *
****************************
***********
*****
**
*
فلاحو جبل الدروز ووجهائه في الثورة العربية 1916
ورفعهم علمها فوق سرايّ دمشق
كان جبل الدروز واسمه التاريخي "جبل حوران" مركزا للحركات المناهضة لطغيان ولاة بني عثمان. كما كان ملجاْ للهاربين من التجنيد وملاذا لقادة الحركة الوطنية الدمشقية هربا من السجن أو القتل. {نسيب البكري وأخواه فوزي وسامي أبناء عطا باشا البكري غادروا دمشق إلى الحجاز منطلق الثورة العربية عن طريق جبل الدروز. انظر: مذكرات سلطان باشا الأطرش في جريدة بيروت المساء في 29 كانون الأول 1975}.
أواخر كانون الأول 1917 أرسل نسيب البكري (وهو شاب من أبناء الأعيان انضم إلى صفوف الحركة القومية العربية وكان من نشطائها) رسالة إلى سلطان باشا الأطرش جاء فيها: "الجيش الحجازي طهّر مكة من الأتراك... وعليه كنْ على استعداد مع رجال حزبك. وقريبا سندخل جبلكم المنيع بواسطتكم الله ينصر العرب". {أمين السعيد: "الثورة العربية الكبرى" المجلد 2، مصر 1933، ص 237}
بعد مدة أرسل الأمير فيصل رسالتين إلى خليل بك المغوّش، يُعلمه أن قوات الثورة العربية "متجهة إلى دياركم لنكون نحن وإياكم يدا واحدة على أعداء العرب والإنسانية".. {تركي الزغبي: "جبل الدروز في العهد العثماني"، رسالة جامعية بإشراف الدكتور عمر فروخ الجامعة السورية 1959 ص 59. الرسالتان كانتا في حوزة صلاح مزهر وصوّرهما الزغبي فوتوغرافيا. ومزهر محام يملك وثائق عن الجبل اطلع عليها كاتب هذه الاسطر} وعلى أثر هاتين الرسالتين اجتمع المشايخ وقرروا إرسال قوة إلى العقبة مركز قيادة الأمير فيصل.
***
أثناء قيام كاتب هذه الدراسة بجولة ميدانية في جبل الدروز (حوران) لتحضير كتاب عن العامية {انظر الملحق 1}، التقى بتاريخ 5 – 6 - 1989 بالمعمّر فندي صيموعة في بلدة عُرمان من مواليد 1885، الذي قال:
كانوا سبعة شبان من عُرمان يركبون على دلول قاصدين مقابلة الأمير فيصل في العقبة. وقبل وصولهم نزلوا في الجفر ضيوفا على مجحم بن شعلان، الذي ذبح لهم ناقة وُضعت على "منسف" كبير حملها ثمانية رجال. وقال لهم مجحم: "افلحوا يا بني معروف". وبعد أن أكلوا تحلّق الحضور من البدو حول المنسف وشرعوا في الأكل.
سمّى صيموعة الأمير فيصل أبو غازي ووصفه بأنه "صفراوي حْلِيوه يلبس خاتم في يده". وكان يتنقل في اوتونبيل ومعه عودة أبو طاية ولورنس. {انظر الملحق 2 }
عندما التقى فرسان الدروز بالامير فيصل في العقبة، أخذوا ينشدون قصيدة من نظم الشاعر الشعبي معذّى المغوش:
يا مير ما ودْها سكوت لازم تزور بلادنا
لا بدْ عَ جلّق تفوت وتشوف عجْ طرادنا
من نجد لساحل بيروت لمصر لبغدانا
لاءْجلها نحيا ونموت ونحمي حُماة اجدادنا
رجالنا العرب أهل النجود بالسيف نبني مجادنا
***
أواخر ربيع 1918 وصل نسيب البكري إلى الجبل يحمل منشورا مؤرخا في آذار 1918 وموقعا من "قائد الجيوش الشمالية ابن ملك العرب فيصل بن الحسين" وموجّه "إلى عموم أهل جبل الدروز وحوران المحترمين "من أجل طرد أعداء الوطن أولاد جنكيز". {الزغبي ص 84}
في 25 أيلول 1918 استولى فرسان باشا الأطرش على معسكر بصرى اسكي شام دون مقاومة، ومنها توجّهوا إلى شيخ مسكين، وساروا مع قوات الثورة العربية إلى دمشق.
وفي 30 أيلول 1918 كان فرسان الجبل في مقدمة القوات التي دخلت دمشق ورفعت (أو شاركت) العلم العربي على دار البلدية {و يبدو أن التباسا جرى بين رفع العلم على البلدية والاصح على السراي. وبعد مدة وجيزة انسحب فرسان بني معروف من دمشق إلى جبلهم، لأسباب لا يتسع المجال لمتابعتها.} بحضور الأمير سعيد الجزائري. {انظر الملحق 3}
***
كان ثوار بني معروف يرددون مع رفع العلم العربي فوق السرايَ (دار الحكومة) حداء معذّى المغوّش، الذي استشهد في ثورة 1925 ضد الانتداب الفرنسي:
عرش المظالم انهدم
والعِزْ طبْ بلادنا
راحت عليكم يا عجم
خوض المعارك دأْبنا
حنّا حماتك يا علم
بارواحنا واكبادنا
***
الملحق رقم 1: ألّف كاتب هذه الاسطر كتابا بعنوان: العامية والانتفاضات الفلاحية 1850 – 1918 في جبل حوران، إصدار دار الأهالي دمشق 1990. ويعود الفضل في تأليف هذا الكتاب إلى:
- الاستاذ فندي بو فخر مدير المركز الثقافي في السويداء، الذي دعاني لإلقاء محاضرة عن العامية في 18 – 5 – 1988 حضرها ما ينوف عن الأف شخص.
- الاستاذ محمد طربيه المثقف المطلع على أحوال الجبل وعلى معرفة برجاله. وقد وضع الاستاذ محمد نفسه وسيارته تحت تصرف الجولات الميدانية في العديد من مناطق الجبل. وكان بيته المضياف نقطة الانطلاق إلى المناطق ذات العلاقة بالعامية لأخذ المعلومات من أفواه الناس وربطها بالوثائق المكتوبة.
وعامية جبل حوران الدروز هي إحدى صفحات النضال الطبقي بين الفلاحين ومشايخهم بين عامي 1888 و 1890.
***
الملحق رقم 2: عودة ابو طاية من شيوخ العشائر، الذين ساروا مع الأمير فيصل. ولورنس هو خادم الاستعمار البريطاني المتقن للغة العربية والمتعمّق في معرفة العادات العربية وبخاصة البدوية منها. وكان له دور كبير في العلاقة بين أعمدة الاستعمار البريطاني محتل مصر والشريف حسين بن علي وابنه الأمير فيصل، وهو صلة الوصل الاساسية بين الطرفين. ومع أن الأمير فيصل بن الحسين كان يسترشد بآراء الخبير البريطاني وما يجلبه من مال، إلا أن الأمير فيصل كان على صلة وثيقة بوطنيي دمشق وفي مقدمتهم جمعية العربية الفتاة، الذين كان لهم دور في اندلاع الثورة العربية في الحجاز. وهذه العلاقة المعقّدة لها دراسة خاصة. والثورة العربية 1916 لم تكن فقط بنت أفكار خبراء الاستعمار البريطاني كما يروّج بعضهم، بل هي ثمرة إرهاصات تطور المجتمعات العربية ـ التي تناولناها في عدد من المقدمات السابقة، واسميناها تسهيلا بالحلقات.
***
الملحق رقم 3: الامير سعيد الجزائري حفيد الأمير عبد القادر من مواليد دمشق 1883 وأعيانها. بادر بعد انسحاب الاتراك عن دمشق في 30 أيلول 1918 إلى تشكيل حكومة برئاسته، وأرسل برقية إلى سائر المدن الشامية فيما يلي نصها: "بناءً على انسحاب الحكومة التركية، فقد تأسست الحكومة العربية الهاشمية على دعائم الشرف، طمئنوا العموم، وأعلنوا أن الحكومة باسم الحكومة العربية". ولكن لورنس بعد دخوله دمشق بيوم أزاح حكومة الجزائري واعتقله في سجن دمشق ثمّ جرى نقله إلى حيفا. وعاش في مصر حتى زوال الحكومة العربية فعاد إليها.
***
الملحق رقم 4: الدولة العربية الحديثة تئنّ تحت وطأة
الولاءات العشائرية والطائفية
ويشعّ في الأفق نورالوطنية الجامعة
ونقتصر على العنوان "لضرورة الشعر" أي الاختصار. ومن يرغب في التفاصيل عليه مراجعة: عبد الله حنا "المجتمعان المدني والأهلي في الدولة العربية الحديثة". دمشق دار المدى 2002
*****
***
*
{ بعد الانتهاء من المقدمات سننتقل إلى صلب موضوعنا
في إحياء الذكرى المئوية للدولة العربية }
الحلقة القادمة:
الدولة الوطنية السورية العربية 1918 - 1920
نقلة ملحمية نحو الدولة القومية الحديثة وعوامل إخفاقها