كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نشأة الكون بين التسليمِ والإلحاد-3 و 4

حيدر حسين سويري- فينكس

ح3

   أرسلت لي إحدى دور النشر، في دولة تونس، طلباً بأن أُتم بحثي في موضوع (نشأة الكون بين التسليم والإلحاد)، لكني اعتذرت منهم لكثرة مشاغلي، كذلك وعدتهم والقراء الكرام بأني سأستمر بين الفينة والأخرى، بكتابة مقالات حول الموضوع، كلما سنحت لي الفرصة، لذا فأنا أعود اليوم بمقال ثالث حول الموضوع نفسه، فلعل الله يُحدثُ بعد ذلك أمراً، وأتفرغ لإتمام البحث، لتعم الفائدة أكثر...

   الإلحاد في اللغة هو الميل والإنكار، ويأتي الفعل (ألحد) وبعده أحد حروف الجر مثل (عن، بـ، في، إلى) ولا يختلف معناه كثيراً، مثلاً: ألحد السهمُ عن الهدف؛ ولمن شاء الرجوع إلى قواميس اللغة، للتعمق في الموضوع.

   وجدتُ أن القرآن أورد كلمة (يلحدون) ثلاث مرات:

  • (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأعراف: 180])
  • (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: 103])
  • (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت: 40])

نرى أن الآيات الثلاثة قصدت الميل والإنحراف في إتجاه آخر، غير الأتجاه المعين، وهذا يدلُ على أن معنى الإلحاد هو الإنكار، ولكن مَنْ يُنكرُ شيئاً عليهِ الأتيان بآخر، فالذين يُنكرون الله لم يأتوا بشئ وهؤلاء لا شأن لنا بهم، لأنهم عبارة عن مرضى نفسيين، وأما مَنْ جائوا ببديل فسنناقشهم فيهِ في نقاط:

  • الطبيعة: وقد ثبت فيزياوياً أن الطبيعة تتحرك نحو الزوال، وكيمياوياً أنها متحولة ومتحللة ولا تتسم في الثبات الجزيئي، ووفق هذه النظريات تعامل الإنسان مع الطبيعة على أنها ندٌّ وخصم، وعمل على تسخيرها، وتقدم في ذلك شوطاً طويلاً، فأصبحت عبداً لهُ وهو سيدها، فعن أية طبيعة تتكلمون؟
  • العلم: العلم متطور بل أصبح سريع التطور، ومن صفاتهِ التناقض والإختلاف، فبدأ بالفلسفة وكانت أقساماً شتى، ثُمَّ ظهرت الرياضيات وهي بدورها تحولت إلى عدة أقسام، وكذلك الطب وغيره من العلوم، لقد تعامل معهُ الإنسان كما تعامل مع الطبيعة، بل أصلاً العلم هو نتاج عقل وفكر الإنسان، فإذا جاز لكم عبادة أحدٍ غير الله فأعبدوا أنفسكم، فإن كنتم جاهلون فأعبدوا العلماء كما عبد بعض البشر عزيراً وعيسى وعلياً.
  • الأخلاق: هذه من الأمور المختلف فيها كثيراً، فالفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس) يقيمها بما تدرهُ عليهِ من أرباح وفوائد، وهكذا تعامل مَنْ آمن بنظريتهِ، كذلك للمنافقين نظرية في الأخلاق (للاطلاع على رأينا في الأخلاق الرجوع إلى كتابنا "ماهو الدين؟")
  • الضمير: ويكفي في هذا ما قالهُ عنهُ ماركس: الضمير أكذوبةٌ ضحك بها الأغنياء على الفقراء. وأقول: ويصح العكس أيضاً، فكثير من الفقراء يستجدون عطف الأغنياء تحت هذا العنوان. ووفق العلم المادي، لنا أن نسأل: ما ماهيتهُ؟ وأي عضوٍ يُشرف عليهِ؟ وهل هو واحدٌ عند جميع البشر؟ وهل هو مع الخيرين أم مع الأشرار؟ مع الأغنياء أم مع الفقراء؟ ... وغيرها من الأسئلة، يتضح لنا أن الضمير شئ لا وجود لهُ بل هو مفهوم عام ضحك بهِ الأغنياء على الفقراء كما قال ماركس.
  • الإنسان وعقلهُ: إنَّ مَنْ سار في طريق النقاط الأربعة الأولى، وأكتشف حقيقتها لا بُدَّ أن يصل للخامسة، ولكن هذه الأخرى تتعدد بتتعدد البشر منذ أولهم إلى آخرهم، وهذا التعدد يجبرنا أن نتخذ أحد طريقين لا ثالث لهما:
  • أن تختار شخصاً كاملاً فتعبدهُ (بمعنى إتباعه في كل شيء)، كما فعل بعضهم بعبادة الأنبياء أو الحكماء أو الفراعنة والملوك وغيرهم، والسؤال: هذا الشخص سيموت يوماً ما، فماذا ستفعل في الحوادث التي تأتي بعده؟
  • أن تؤمن بنفسك وعقلك، ولكن ألا ترى أنك محتاج مفتقر، لا تستطيع دفع الأذى عن نفسك وعمن حولك؟ وإنَّ جادلت وقلت: أفعل. فأدفع الموت عن نفسك.

نصل الآن الى القول وبكل صراحة:

لابُدَّ من التسليم بوجود قوة عاقلة خالقة تدير هذا الكون.

 

********

ح4

   نشر الصديق الدكتور احمد حسين حيال في صفحته على الفيس بوك: قصة الخليقة التي وردت في أكثر من سورة من سور القرآن قيل فيها الكثير من شرح وتحليل، وأروع ما قيل فيها ما كتبه سيد قطب في تفسيره، في ظلال القرآن؛ إذ قال: ((هذا وأمثاله في القرآن الكريم غيب من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه؛ وعلم بحكمته أن لا جدوى للبشر في معرفة كنهه وطبيعته، فلم يهب لهم القدرة على إدراكه والإحاطة به، بالأداة التي وهبهم إياها لخلافة الأرض، وليس من مستلزمات الخلافة أن نطلع على هذا الغيب. وبقدر ما سخر الله للإنسان من النواميس الكونية وعرّفه بأسرارها، بقدر ما حجب عنه أسرار الغيب، فيما لا جدوى له في معرفته. وما يزال الإنسان مثلاً على الرغم من كل ما فتح له من الأسرار الكونية يجهل ما وراء اللحظة الحاضرة جهلاً مطلقاً، ولا يملك بأي أداة من أدوات المعرفة المتاحة له أن يعرف ماذا سيحدث له بعد لحظة، وهل النفس الذي خرج من فمه عائد أم هو آخر أنفاسه؟ وهذا مثل من الغيب المحجوب عن البشر، لأنه لا يدخل في مقتضيات الخلافة، بل ربما كان معوِّقا لها لو كشف للإنسان عنه. وهنالك ألوان من مثل هذه الأسرار المحجوبة عن الإنسان، في طي الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. ومن ثم لم يعد للعقل البشري أن يخوض فيه، لأنه لا يملك الوسيلة للوصول إلى شيء من أمره. وكل جهد يبذل في هذه المحاولة هو جهد ضائع، ذاهب سدى، بلا ثمرة ولا جدوى)).

   فكان تعليقي عليه: أختلف معك فالبحث في نشأة الكون وبدء الخليقة مكّن العلماء كمندل وداروين وغيرهما الوصول إلى نظريات أفادت البشرية كثيرا. البحث في الغيبيات يوصل إلى جعلها معلومات حاضرات. ولا اتصور ورود حديث أو أية قرآنية تنهى عن ذلك، سوى النهي في البحث عن الذات الإلهية, كما أتذكر في حديث الأمام الباقر(ع): "تكلّموا في كلّ شيء ولا تتكلّموا في ذات اللّه" (الكافي)، فأحالني الى كتاب (أبي ادم) للدكتور عبد الصبور شاهين، فبحثت عن الكتاب ووجدته، واتممت قراءته وكان لا بد من الرد عليه مع مناقشة قول السيد قطب.

   ابتداء لم نجد نهياً واضحاً في القرآن والسنة عن البحث في أصل الخلق، لذلك نجد عشرات المؤلفات من أصحاب الأديان قد بحثوا في هذا الموضوع، وسألوا الرسل والانبياء والائمة والعلماء، وقد اتفق الجميع تقريباً مع ما ذكره القران (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: 30) وداروين، من أن أصل الخلق هو الماء، ولكن اختلفوا فيما بعد ذلك. لذا لا اعرف لما يرى سيد قطب عدم الجدوى من البحث في هذا الموضوع. ولو كان هذا رأي المسلمين لنهاهم عنه نبيهم وائمتهم من الخوض فيه ولكنا وجدنا خلاف ذلك. ويقول قطب: ومن ثم لم يعد للعقل البشري أن يخوض فيه، لأنه لا يملك الوسيلة للوصول إلى شيء من أمره. كيف لا يمتلك الوسيلة؟ أليست المتحجرات والاثار وسيلة؟ لندع قطب ونذهب الى شاهين.

سنسجل فيما يلي مناقشتنا لكتاب (ابي ادم) بفقرات:

  • لم يبين لنا ما هو الفرق بين (الخلق) و(الجعل) في القران، ولو تطرق له لأوقعه في اشكال كبير لا يمكن حله، فهو حين عرض لهذا الموضوع قال بان الخلق يسبق الجعل وان الانسان حين خلق كان بشراً وعندما تطور ووصل لمرحلة الرقي متمثلاً بابينا ادم هنا أتت مرحلة الجعل، أي كما حصل مع النبي إبراهيم حينما تدرج في المنازل قال له ربه أني جاعلك للناس اماماً (شاهين لم يذكر بهكذا وضوح) ولذا فهو يقول: من الخطأ ان نقول ان ادم أبو البشر بل هو أبو الانسان (سنشرح هذا في مكان اخر)، وهنا لا اريد ان ادرج العديد من الآيات وسأكتفي بواحدة وهي قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: 30) فعلى راي الكاتب يجب ان تكون (وخلقنا) بدل (وجعلنا) اليس كذلك؟ وايضاً ما معنى قوله تعالى (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) هل كان الخلق ذكوراً فقط وبعد الجعل جاءت حواء؟ من اين؟ (انا اتفق مع الكاتب بان الخلق يسبق مرحلة الجعل ولكن ليس كما بين هو، والظاهر انه اخذ الفكرة من غيره في هذا المقام كما في غيره وسيتبين ذلك)
  • كان من المفروض ان يكون هدف الكتاب (البحث في أصل الخلق) لكن الكاتب اخذ يماطل ويتكلم عن أشياء لا علاقة لها بالموضوع كالجنة وابليس والجن والملائكة والشيطان والسعلوة والعفريت وغير ذلك، حينها ظهر عجزه فاعتبر الموضوع من الغيبيات، كأستاذه سيد قطب فأصبح الكتاب وعظياً بامتياز!
  • رفض رأي داروين في نظرية النشوء والارتقاء، وبعد عجزه عن إيجاد تفسير لموضوعه، عاد ليؤيدها فيؤمن بأن البشر مروا بمراحل عديدة عبر ملايين السنين ليصلوا الى مرحلة الانسان وهو آدم، ولكنه يقول: ان البشر لم يتطور عن جنس اخر كما تقول نظرية داروين، بل لهم جنسهم الخاص (المنتصب الذي يمشي على ساقين)
  • كل ما قاله ليس بجديد فهو مكتوب ومقروء ومسموع، خصوصا حينما خرج عن الموضوع وأخذ في اثبات اعجاز القران، فشتت ذهن القارئ عن أصل موضوع الكتاب.
  • ناقض النص القرآني بوجود خالقين غير الله سبحانه، فالقران يقول (أتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ [الصافات: 125])، الآية تقر بوجود خالقين كما ان الله أحسن الخالقين، ولنا في عيسى النبي اسوة (َورَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ [آل عمران: 49)
  • بعد بحثه في عدة آيات (حيث اشترط على نفسه الالتزام بآيات القران فقط) يتوصل الى ان أصل خلق الانسان هو طين لازب.
  • كما أشرنا سابقاً فالكاتب يقول: ان ادم ليس أبو البشر وانما أبو الانسان، ولا تربطه أي علاقة بالبشر سوى انهم من سلالتهم، والذي بادوا بعد ان وجد ادم. (ص 104 وص 115 وص 116 من الكتاب). ولا أدري كيف عرف واجزم بان البشر انتهى وجودهم مع مجيء ادم؟!. بستدل الكاتب بآيات القران الذي يختاره حسب مزاجه على استنتاجه بان البشر هم ما فبل ادم وان ادم وأولاده هم الانسان، وهو هنا ناقض آيات قرآنية أخرى مثل (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) وهو قول النبي فلماذا لم يقل انسان؟ أو قوله تعالى (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [لقمان: 28]) (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وحسب هذه الآية فسيحاسب البشر وهو خلاف راي الكاتب الذي يقول بان التكليف الشرعي مختص بأدم وذريته يعني الانسان؟
  • في ص 128 من الكتاب يقول بان الفؤاد هو العقل، ولم يأتي بدليل على قوله هذا.
  • يرى ان اللغة تطورت مع البشر وصولا الى الانسان، وان العربية احدى تلك اللغات، ثم يتخبط مع الآية (علمه البيان) وتفسيرها؛ والسؤال هنا: قد نعلم ان التطور وصل بالإنسان الى اعلى المراتب ولكنا نرى أن اللغة خلاف ذلك، فهي انحدرت للأسوأ كما اللغة العربية. لماذا؟
  • يرى اعتباطية اللغة فهي نشأت وتطورت مع البشر وصولا الى الإنسان، لكنه يعود ويتعامل مع قصدية اللغة خصوصا في الآيات القرآنية وهذا تناقض واضح. او على الكاتب ان يبين لنا ذلك.

اكتفي بهذا القدر من المناقشة والرد، وأقول: من الجهل ان نمنع البحث في أي موضوع، سواء يخوص في بحر الماضي او يحاول السباحة في نهر المستقبل، كما وان ليس ثمة نظرية كاملة 100% والا لأغلق باب الاجتهاد والبحث، وسكنت الحياة، ان الله سبحانه دعانا الى التفكر والبحث، فكما تطور الانسان عبر ملايين السنين بيولوجياً، وجب تطوره فكرياً وذهنياً، ليتمكن من الخلق والابداع، والوصول الى الكمالات الروحية والنفسية والبدنية.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني