احسان عبيد: وصية على ظهر الفرس.. بمناسبة ذكرى عيد الجلاء
للوطن خارطة عشق لايتقن التجول فيها إلا البررة المحبون، الذين عرفوا جسور اللقاء، كمعرفتهم الجحور اللادغة.. عند الغارة يكونون كجياع وقعوا على وليمة.. بعد الغارة تتكفل رائحة الدم بدق أبواب نسائهم وأطفالهم لتسلمهم رواية الأيتام والأرامل.... والأحزان.. رواية العزة والفخر.
.
لن نتجاهل الواقع.. صحيح أن أجدادنا شحنوا بطاريات النخوة بوقود قَبَلَيّ وفقه مذهبيي، لكن أخذتهم البوصلة إلى سجادة الوطن، واعتبروا أن الصلاة والاستشهاد فوقها فرض عين، في حين اعتبره آخرون فرض كفاية، ولم يزدهم ورد المعارك إلا عطشا لها.. ومن ظمأهم تحرر الوطن.. وكان الجلاء.
.
لكأن فرقة الصداحين كانت تلازم البيارق، منشدة لحن الرجوع الأخير في الكفن..
.
وقف صائحا: يا غانمين: ذاك الرشاش فدع فينا.. إشهدوا أنني مدين لفلان بكيل قمح، ولفلان بمدين شعير.. ولي على فلان ليرة ذهب.. والتفت إلى أخيه قائلا: أولادي وداعة شواربك.. هذه وصيتي.. ارحموني يا موحدين..
.
اعتلى فرسه.. انبطح على ظهرها ولكد.. وصل إلى سدنة الرشاش وقفز عليهم متسلحا بقرطة سيف.. فشاغلهم بسلاحه وشاغلوه بسنكات البنادق فصمت الرشاش حتى وصلت المفازيع واستولت على المربض.. وهوى الفارس مضمخا بطاهر النجيع، ومازال قبره بجانب سور مدرسة الكفر قريبا من النصب التذكاري..
.
لم تكن له علاقة ببلد خارجي أو حزب داخلي.. لم يطمع بوظيفة وراتب، ولم يحلم بوسام.. لكنه كان يحمل بجسده خلايا ناغلة تعمل وفاء لمصلحة الوطن.
.
كثيرة هي القصص المماثلة... نتذكرها فنزهو.. كنا وما زلنا.
.
الآن.. جيش الوطن يتكفل بمن يطعنه في الصدر، لأن الطعن بالظهر مخصص (للأصدقاء والأقارب.)