مظاهرات طلابية شتاء 54 نظمها وقادها الإخوان وشارك فيها الشيوعيون (بدافع العداء للحكم الناصري) وتمنّع البعثيين عن المشاركة
2020.04.21
نتابع نشر سلسلة "محطّات في الذاكرة", و أدناه الحلقة الخامسة من محطّات المؤرّخ النهضوي السوري د. عبد الله حنا:
شتاء 1954 جرت مظاهرات طلابية نظمها وقادها الإخوان المسلمون وشارك فيها الشيوعيون (بدافع العداء للحكم العسكري المصري) وتمنّع البعثيون عن المشاركة.
احتجّت المظاهرات على ملاحقة الإخوان المسلمين في مصر وإعدام قادتهم بسبب محاولتهم اغتيال جمال عبد الناصر. وأذكر من الشعارات: يسقط حكم البكباشية.. يسقط حكم الصاغات.. مجرم خاين عبد الناصر.
*
وبعد سنتين, و في أعقاب تاميم عبد الناصر لشركة قناة السويس الأجنبية خرجت المظاهرات الطلابية لتأييد عبد الناصر بمشاركة البعثيين والشيوعيين وإحجام الإخوان. وازدادت هذه المظاهرات اتساعا بعد العدوان الثلاثي (البريطاني الفرنسي الإسرائيلي) على مصر. وأذكر من الهتافات التي اتخذت صيغة غنائية:
يحيا جمالها الأمة العربية، يحيا جمالها.. أمم قنالها بعزم وحرية أمم قنالها
*
جاء جمال عبد الناصر إلى سورية حاملا راية مكافحة الاستعمار (مع الغزل الخفي والمكشوف مع الاستعمار الأميركي الساعي لوراثة الاستعمار القديم بوسائل جديدة) والإصلاح الزراعي، ومصطحبا معه عصا المباحث السلطانية الراسخة الجذور في مصر. وكان عبد الحميد السراج الضابط الوطني ورئيس المكتب الثاني في اركان الجيش، هو أول من حمل العصا المباحثية القادمة مع ضجيج الوحدة العربية، التي كان كاتب هذه الأحرف من الحالمين بها.
*
كنت في ذلك الحين عضوا في اللجنة الفرعية لطلاب الجامعة الشيوعيين. وصلنا خبر بأن الطلاب البعثيين سيقومون بتوقيع عريضة فيها مساس بموقف الشيوعيين ودعوتهم إلى وحدة اتحادية ديموقراطية وليس إلى وحدة اندماجية تزول فيها معالم سورية الوطنية الديموقراطية. جرى اجتماع موسع للكادر الشيوعي لبحث الموقف من العريضة، وكانت الأكثرية مع الرأي القائل بتمزيق العريضة أثناء جمع التواقيع عليها في باحة الجامعة. لم أكن ضمنيا موافقا على المجابهة مع البعثيين فهم أكثر منّا عددا واتجاه الرأي العام معهم, والوحدة اصبحت أمرا واقعا بصيغة الجمهورية العربية المتحدة ونظامها الرئاسي الدكتاتوري. وطرحت الموضوع بخجل, ولكن المسؤول الحزبي من خارج الجامعة المشارك في الإجتماع رفيق رضا المعروف برأفت دفع تيار النقاش للنزول صباحا وتمزيق العريضة. ولم أكن مرتاحا منذ مدة من تصرفات رأفت. وقد تبين فيما بعد أنه تحوّل عام 1957 إلى عميل لرئيس المكتب الثاني عبد الحميد السراج، الذي اصبح بعد الوحدة وزيرا للداخلية.
يحيا جمالها الأمة العربية، يحيا جمالها.. أمم قنالها بعزم وحرية أمم قنالها
*
جاء جمال عبد الناصر إلى سورية حاملا راية مكافحة الاستعمار (مع الغزل الخفي والمكشوف مع الاستعمار الأميركي الساعي لوراثة الاستعمار القديم بوسائل جديدة) والإصلاح الزراعي، ومصطحبا معه عصا المباحث السلطانية الراسخة الجذور في مصر. وكان عبد الحميد السراج الضابط الوطني ورئيس المكتب الثاني في اركان الجيش، هو أول من حمل العصا المباحثية القادمة مع ضجيج الوحدة العربية، التي كان كاتب هذه الأحرف من الحالمين بها.
*
كنت في ذلك الحين عضوا في اللجنة الفرعية لطلاب الجامعة الشيوعيين. وصلنا خبر بأن الطلاب البعثيين سيقومون بتوقيع عريضة فيها مساس بموقف الشيوعيين ودعوتهم إلى وحدة اتحادية ديموقراطية وليس إلى وحدة اندماجية تزول فيها معالم سورية الوطنية الديموقراطية. جرى اجتماع موسع للكادر الشيوعي لبحث الموقف من العريضة، وكانت الأكثرية مع الرأي القائل بتمزيق العريضة أثناء جمع التواقيع عليها في باحة الجامعة. لم أكن ضمنيا موافقا على المجابهة مع البعثيين فهم أكثر منّا عددا واتجاه الرأي العام معهم, والوحدة اصبحت أمرا واقعا بصيغة الجمهورية العربية المتحدة ونظامها الرئاسي الدكتاتوري. وطرحت الموضوع بخجل, ولكن المسؤول الحزبي من خارج الجامعة المشارك في الإجتماع رفيق رضا المعروف برأفت دفع تيار النقاش للنزول صباحا وتمزيق العريضة. ولم أكن مرتاحا منذ مدة من تصرفات رأفت. وقد تبين فيما بعد أنه تحوّل عام 1957 إلى عميل لرئيس المكتب الثاني عبد الحميد السراج، الذي اصبح بعد الوحدة وزيرا للداخلية.
بعد أن مزّق أحد الطلاب الشيوعيين العريضة جرت معركة غير متكافئة بالأيدي و أغصان الشجر ادت إلى هزيمة الشيوعيين. التجأت بعد "المعركة" إلى غرفة الدكتور عزة النص في كلية التربية وأنا طالب فيها وكنت ألاحظ أن الدكتور عزة أثناء إلقائه لدروسه غير مرتاح لصيغة الوحدة التي تمّت. ولهذا اندفعت إلى غرفته للإحتماء بها والإختباء عن أعين البعثيين. وبعد قليل لحقني إلى الغرفة ثلاثة من الطلاب الشيوعيين أتذكر منهم طلال موصلي وكان قريبه الدكتور نظيم الموصلي استاذا في قسم الجغرافيا ومعروفا بميوله الشيوعية.
بعد "المعركة" وقف عدد من الطلاب البعثيين أمام الباب الرئيسي للجامعة لتأديب الطلاب الشيوعيين أثناء خروجهم. ولهذا بقينا في غرفة استاذ كلية التربية حتى المساء ونحن ننتظر فك الحصار المضروب على باب الجامعة الرئيسي وهو المخرج الوحيد للخلاص من المأزق. مع حلول الظلام طلب منّا آذن كلية التربية أن نتبعه للخروج سالمين من مبنى الجامعة. فسرنا وراءه إلى باب خلفي صغير لم يكن احد يستعمله وخرجنا من الجهة الخلفية لبناء الجامعة.
عرفْتُ فيما بعد أن رئيس الجامعة وهو في نظرنا أنذاك يميني دبّر أمر حماية الطلاب الشيوعيين وإخراجهم من الحرم الجامعي سالمين. رئيس الجامعة (عندما كانت الجامعة جامعة وليست تابعة للأجهزة الأمنية كما جرى فيما بعد) هذا (اسمه د. أحمد السمّان والد الروائية المعروفة غادة السمّان) وقف أمام وزير الداخلية عبد الحميد السراج مؤسس المباحث السلطانية في سورية ورفض عام 1959 قبول العراقي صدام حسين في كلية الحقوق لأن أوراقه غير قانونية ولا يحق له الانتساب إلى كلية الحقوق بموجب قوانينها. وعندما أخبره مندوب وزارة الداخلية بضرورة قبول صدام حسين طالبا في كلية الحقوق وهذه رغبة الرئيس عبد الناصر، أجاب رئيس الجامعة وبجرأة لا مثيل لها: دع عبد الناصر يقبله في الجامعات المصرية، أما الجامعة السورية فلها انظمتها وحرمتها.
*
في تلك الأيام العصيبة، وقبل معركة الجامعة بمدة يسيرة، دعا فرج الله الحلو القائد السري للحزب الشيوعي السوري فرعية الجامعة للطلاب الشيوعيين للاجتماع، الذي جرى في غرفتي المستأجرة في عين الشرش بدمشق. كان فرج الله المعروف لدينا بـ"أبو فياض" يسعى، كما تبيّن لي بعد اشهر، لسحب البساط من تحت اقدام رأفت (رفيق رضا) المسؤول عن تنظيم دمشق بكامله، بعد أن شعر بتصرفاته المريبة. أثناء الإجتماع تحدث ابو فياض مطولا عن الوضع السياسي وقال كما أذكر بالحرف الواحد "نحن قادمون على معركة. فمن له القدرة على العمل فليستمر ومن لا يستطيع فلينسحب".. وأخذت النخوات تتالى معلنة رفع راية النضال. وكان من أكثر المتحمسين محمد دري رجب طالب قسم اللغة العربية. ومع الأسف فإن دري عندما اعتُقل لم يصمد أكثر من يوم وأعلن براءته من الحزب الشيوعي، بعد "قتلة مرتبة". أما كاتب هذه الأسطر فسرعان ما أخذ يعد العدة لتأمين غرفة سرية لا يعرفها أحد للإختباء فيها عندما تقع الواقعة، التي لم تطل كثيرا.
*
في ليلة ليلاء داهمت مباحث وزير داخلية الجمهورية العربية المتحدة عبد الحميد السراج بيوت الشيوعيين المعروفين في سائر انحاء سورية و أودعتهم السجون. لم تكن المباحث تعرف مكان غرفتي المستأجرة في عين الشرش، ولذا نجوت من الإعتقال. وريثما يتمّ تجهيز الغرفة السرية، التي تبرعت قريبتنا سعدى ديب بتقديمها لي مجانا في بيت عربي مؤلف من عدة غرف يسكنها مستأجرون، لجأت إلى صديقي محمد شعبان وهو أردني يدرس في الجامعة وأمه من بلدتنا ديرعطية وكان من مناصري حزب التحرير الإسلامي. بتّ عنده ليلتين، ثمّ انتقلت إلى الغرفة السرية في دمشق القديمة قرب باب شرقي. وهي مناسبة للتخفي فالأزقة ضيقة ومتعرجة والدار (عربية) وسيعة مع باحة تحيط بها غرف المستأجرين، إضافة إلى عُلّية، وهي الغرفة التي استضافتني، يُصعد إليها بدرج حجري.
كانت غرفتي تحتوي على فرشة وكرسي وطاولة وبابور كاز وعدد من الصحون والفناجين. كانت خطتي كطالب جامعة مع اسم آخر ألا أقيم صلات مع الجيران، ونادرا ما أخرج في ساعات النهار, حيث أسير في الشوارع قليلة الإزحام، أما مساء فالسلامة للمُلاحق أن يسير في الشوارع والأزقة المطروقة من المارة. كانت والدتي القادمة من ديرعطية لتأمين الطهي لي ولأخي الصغير تلميذ مدرسة الصنائع الصف السابع ترسل لي مرتين في الأسبوع الطعام مع ابن خالتي يوسف وعمره أربعة عشر سنة، الذي يجلب الطعام لي مستخدما الدراجة الهوائية (البسكليت). ذات مرة سألته: إذا لاحظت أحدا يسير وراءك كيف تتصرف؟.. فأجاب بعفوية ولهجة شامية عتيقة "بَدَوِخُنْ" من الدوخة والدوخان، أي أتركهم يدوخون في البحث عني وأنا أسير في طرق متعرجة حتى أختفي عن أنظارهم.
*
في يوم شباطي مشمس كنت أجلس على الكرسي أمام الغرفة مستمتعا بأشعة الشمس والدفء الذي تشعه. فجاء أحد الجيران وجلس بجانبي وأخذ يتحدث عن المظالم وملاحقة المباحث للناس. وأفاض في الحديث عن موت سعيد الدروبي المعلم الشيوعي الحمصي تحت التعذيب في أقبية المباحث. و أنا صامت متظاهرا بالجهل وعدم الإهتمام. بعد ذهابه أخذتُ أفكر بالمقصود من مجيئه مرجحا انه متطفل و "آدمي" لا يريد الضرر بي، ولديه شكوك في إقامتي الدائمة نهارا في الغرفة. ولهذا قررت مغادرة الغرفة بالسرعة الممكنة والبحث عن مكان آمن وكان هذا أمرا صعبا في تلك الظروف.
*
في تلك الأثناء أجبرت المباحث، ابن عمي سليم حنا مدرّس الرياضيات والمعتقل على الرغم من كونه ليس شيوعيا ولا يتدخل في السياسة، تحت التهديد أن يدلّهم على مكان سكني. أتوا به ومن بعيد دلّهم على غرفتنا المستأجرة وهو يرجوهم ألا يقولوا بأنه هو الذي أرشدهم على غرفتنا. بعد أن فتشوا الدار دخلوا الغرفة وأخذوا أخي الصغير وديع معهم. لم يضربوه ولكنهم أسمعوه عن طريق شريط مسجل صياح وبكاء الذين يعزبونهم. ولم يكن أخي يعرف مكان الغرفة السرية، التي أختبئ فيها. فسألوه عن مكان سكن أقرب المقربين لنا في القصاع، فدلّهم على بيت خالتي بحرية، التي تسكن مع حماتها سعدى ديب وهي المرأة الشهمة صاحبة الغرفة السرية التي أسكن بها دون أجر. دخلت المباحث دار خالتي وفتشوا الغرف وفتحوا الخزن ولم يجدوا شيئا، وفي الوقت نفسه لم يتعرضوا لساكني الدار بسوء ومنهم صاحبة الغرفة سعدى ديب، التي تبرعت بإعطائي الغرفة، والتي بقيت ساكنة رابطة الجأش لا تنبث ببنت شفى. أما خالتي فكانت جريئة تصدّت لهم وعنّفتهم وتهجّمت على سلوكهم في دخول البيوت في أنصاف الليالي، أما زوج خالتي ومهنته خياط فبقي راكدا في فرشته وهو يرتجف من الخوف. وصلني الخبر في اليوم التالي، فقررت فورا مغادرة الغرفة السرية وأخذت أتنقل للمبيت من بيت إلى آخر والناس خائفة، ولكنها كانت تستقبلني.
*
اتصلت ب "أبو فارس" وهوالمراسل المسؤول عن تحركات أبو فياض (فرج الله الحلو)، الذي كان يقود ما تبقى من تنظيم الحزب، وطلبت منه رغبتي بمقابلة أبي فياض (فرج الله الحلو). وبعد الموافقة ودراسة المكان الآمن المناسب في غرفة أحد رفاقي، اجتمعت بأبي فياض وشرحت له وضعي وأنّ خطر اعتقالي اصبح قاب قوسين أو ادنى بسبب عدم وجود المبيت السري المناسب. وبعد أن فكّر ابو فياض مليّا، سألني: هل توافق على الذهاب إلى حلب والعمل في التنظيم هناك؟.. فأجبت، و أنا أرقص في سري من الفرح لهذه المهمة، بالإيجاب. فأجاب انتظر مدة حتى نرسلك إلى حلب. فقلت: لم تبق لدي إمكانية للتخفي أكثر. فأجاب فورا: تذهب إلى لبنان ومن هناك نرسلك إلى حلب. وسألني: هل تستطيع عبور الحدود بوسائلك أم ندبّر نحن الأمر وهذا يستغرق عدة أيام. فأجبت أستطيع العبور بسهولة عن طريق بلدتنا ديرعطية القريبة من الحدود اللبنانية. فقال: عندما تصل إلى بيروت إذهب إلى جريدة الأخبار واطلب مقابلة يوسف خطار الحلو وقلْ له: "أرسلني ممدوح"
*
*
ملاحظة: كانت المباحث وعملاؤها يشيعون أن خالد بكداش هو الذي أرسل فرج الله الحلو إلى دمشق لتصفيته. وهذا خبر عار من الصحة. ففرج الله الحلو كان يعمل في دمشق بصورة سرية قبل الاعتقالات. وكنت في تلك الفترة أعمل في صيف 1958 أثناء العطلة الجامعية محررا في جريدة النور وموقعها قريب من ساحة الشهبندر. وكان المسؤول عن الجريدة آنذاك عبد الباقي الجمالي. وفي كل اسبوع يأتي إلى غرفتي في الجريدة ويكلفني بالنزول من مبنى الجريدة إلى ساحة الشهبندر لاستلام مغلّف من أبو فياض، وأنا أعرف اسمه الحقيقي منذ فترة. أذهب مساء إلى زاوية محددة من ساحة الشهبندر و أستلم المغلف وفيه مواد للنشر في جريدة النور الواسعة الانتشار آنذاك وأعود وأنا في غاية السعادة من لقاء هذا الانسان الهادئ المتواضع، الذي يطفح نور الاخلاص من وجهه. ومن هنا كانت معرفتي بفرج الله عميقة. وكان واضحا أنه يعمل بقناعة واخلاص لانقاذ سورية من ورطة حكم المخابرات السلطانية, وفرج الحلو عروبي أممي لا يشقّ له غبار.
وكذلك كانت صلتي وثيقة بمراسله أبو فارس (صبحي الحبل) الشاب القبضاي الزكرتي، الذي أُشيع بأنه هو الذي سلّم فرج الله الحلو للمباحث وهذا غير صحيح. وحسب ما روى لي صديقي الطالب الجامعي معي آنذاك أن أبو فارس كان في غرفته السرية قرب مستشفى المجتهد عندما داهمتها المخابرات واشتبك معهم ببنيته القوية في عراك طويل والقصة بتفاصيلها لها مكان آخر.
بعد "المعركة" وقف عدد من الطلاب البعثيين أمام الباب الرئيسي للجامعة لتأديب الطلاب الشيوعيين أثناء خروجهم. ولهذا بقينا في غرفة استاذ كلية التربية حتى المساء ونحن ننتظر فك الحصار المضروب على باب الجامعة الرئيسي وهو المخرج الوحيد للخلاص من المأزق. مع حلول الظلام طلب منّا آذن كلية التربية أن نتبعه للخروج سالمين من مبنى الجامعة. فسرنا وراءه إلى باب خلفي صغير لم يكن احد يستعمله وخرجنا من الجهة الخلفية لبناء الجامعة.
عرفْتُ فيما بعد أن رئيس الجامعة وهو في نظرنا أنذاك يميني دبّر أمر حماية الطلاب الشيوعيين وإخراجهم من الحرم الجامعي سالمين. رئيس الجامعة (عندما كانت الجامعة جامعة وليست تابعة للأجهزة الأمنية كما جرى فيما بعد) هذا (اسمه د. أحمد السمّان والد الروائية المعروفة غادة السمّان) وقف أمام وزير الداخلية عبد الحميد السراج مؤسس المباحث السلطانية في سورية ورفض عام 1959 قبول العراقي صدام حسين في كلية الحقوق لأن أوراقه غير قانونية ولا يحق له الانتساب إلى كلية الحقوق بموجب قوانينها. وعندما أخبره مندوب وزارة الداخلية بضرورة قبول صدام حسين طالبا في كلية الحقوق وهذه رغبة الرئيس عبد الناصر، أجاب رئيس الجامعة وبجرأة لا مثيل لها: دع عبد الناصر يقبله في الجامعات المصرية، أما الجامعة السورية فلها انظمتها وحرمتها.
*
في تلك الأيام العصيبة، وقبل معركة الجامعة بمدة يسيرة، دعا فرج الله الحلو القائد السري للحزب الشيوعي السوري فرعية الجامعة للطلاب الشيوعيين للاجتماع، الذي جرى في غرفتي المستأجرة في عين الشرش بدمشق. كان فرج الله المعروف لدينا بـ"أبو فياض" يسعى، كما تبيّن لي بعد اشهر، لسحب البساط من تحت اقدام رأفت (رفيق رضا) المسؤول عن تنظيم دمشق بكامله، بعد أن شعر بتصرفاته المريبة. أثناء الإجتماع تحدث ابو فياض مطولا عن الوضع السياسي وقال كما أذكر بالحرف الواحد "نحن قادمون على معركة. فمن له القدرة على العمل فليستمر ومن لا يستطيع فلينسحب".. وأخذت النخوات تتالى معلنة رفع راية النضال. وكان من أكثر المتحمسين محمد دري رجب طالب قسم اللغة العربية. ومع الأسف فإن دري عندما اعتُقل لم يصمد أكثر من يوم وأعلن براءته من الحزب الشيوعي، بعد "قتلة مرتبة". أما كاتب هذه الأسطر فسرعان ما أخذ يعد العدة لتأمين غرفة سرية لا يعرفها أحد للإختباء فيها عندما تقع الواقعة، التي لم تطل كثيرا.
*
في ليلة ليلاء داهمت مباحث وزير داخلية الجمهورية العربية المتحدة عبد الحميد السراج بيوت الشيوعيين المعروفين في سائر انحاء سورية و أودعتهم السجون. لم تكن المباحث تعرف مكان غرفتي المستأجرة في عين الشرش، ولذا نجوت من الإعتقال. وريثما يتمّ تجهيز الغرفة السرية، التي تبرعت قريبتنا سعدى ديب بتقديمها لي مجانا في بيت عربي مؤلف من عدة غرف يسكنها مستأجرون، لجأت إلى صديقي محمد شعبان وهو أردني يدرس في الجامعة وأمه من بلدتنا ديرعطية وكان من مناصري حزب التحرير الإسلامي. بتّ عنده ليلتين، ثمّ انتقلت إلى الغرفة السرية في دمشق القديمة قرب باب شرقي. وهي مناسبة للتخفي فالأزقة ضيقة ومتعرجة والدار (عربية) وسيعة مع باحة تحيط بها غرف المستأجرين، إضافة إلى عُلّية، وهي الغرفة التي استضافتني، يُصعد إليها بدرج حجري.
كانت غرفتي تحتوي على فرشة وكرسي وطاولة وبابور كاز وعدد من الصحون والفناجين. كانت خطتي كطالب جامعة مع اسم آخر ألا أقيم صلات مع الجيران، ونادرا ما أخرج في ساعات النهار, حيث أسير في الشوارع قليلة الإزحام، أما مساء فالسلامة للمُلاحق أن يسير في الشوارع والأزقة المطروقة من المارة. كانت والدتي القادمة من ديرعطية لتأمين الطهي لي ولأخي الصغير تلميذ مدرسة الصنائع الصف السابع ترسل لي مرتين في الأسبوع الطعام مع ابن خالتي يوسف وعمره أربعة عشر سنة، الذي يجلب الطعام لي مستخدما الدراجة الهوائية (البسكليت). ذات مرة سألته: إذا لاحظت أحدا يسير وراءك كيف تتصرف؟.. فأجاب بعفوية ولهجة شامية عتيقة "بَدَوِخُنْ" من الدوخة والدوخان، أي أتركهم يدوخون في البحث عني وأنا أسير في طرق متعرجة حتى أختفي عن أنظارهم.
*
في يوم شباطي مشمس كنت أجلس على الكرسي أمام الغرفة مستمتعا بأشعة الشمس والدفء الذي تشعه. فجاء أحد الجيران وجلس بجانبي وأخذ يتحدث عن المظالم وملاحقة المباحث للناس. وأفاض في الحديث عن موت سعيد الدروبي المعلم الشيوعي الحمصي تحت التعذيب في أقبية المباحث. و أنا صامت متظاهرا بالجهل وعدم الإهتمام. بعد ذهابه أخذتُ أفكر بالمقصود من مجيئه مرجحا انه متطفل و "آدمي" لا يريد الضرر بي، ولديه شكوك في إقامتي الدائمة نهارا في الغرفة. ولهذا قررت مغادرة الغرفة بالسرعة الممكنة والبحث عن مكان آمن وكان هذا أمرا صعبا في تلك الظروف.
*
في تلك الأثناء أجبرت المباحث، ابن عمي سليم حنا مدرّس الرياضيات والمعتقل على الرغم من كونه ليس شيوعيا ولا يتدخل في السياسة، تحت التهديد أن يدلّهم على مكان سكني. أتوا به ومن بعيد دلّهم على غرفتنا المستأجرة وهو يرجوهم ألا يقولوا بأنه هو الذي أرشدهم على غرفتنا. بعد أن فتشوا الدار دخلوا الغرفة وأخذوا أخي الصغير وديع معهم. لم يضربوه ولكنهم أسمعوه عن طريق شريط مسجل صياح وبكاء الذين يعزبونهم. ولم يكن أخي يعرف مكان الغرفة السرية، التي أختبئ فيها. فسألوه عن مكان سكن أقرب المقربين لنا في القصاع، فدلّهم على بيت خالتي بحرية، التي تسكن مع حماتها سعدى ديب وهي المرأة الشهمة صاحبة الغرفة السرية التي أسكن بها دون أجر. دخلت المباحث دار خالتي وفتشوا الغرف وفتحوا الخزن ولم يجدوا شيئا، وفي الوقت نفسه لم يتعرضوا لساكني الدار بسوء ومنهم صاحبة الغرفة سعدى ديب، التي تبرعت بإعطائي الغرفة، والتي بقيت ساكنة رابطة الجأش لا تنبث ببنت شفى. أما خالتي فكانت جريئة تصدّت لهم وعنّفتهم وتهجّمت على سلوكهم في دخول البيوت في أنصاف الليالي، أما زوج خالتي ومهنته خياط فبقي راكدا في فرشته وهو يرتجف من الخوف. وصلني الخبر في اليوم التالي، فقررت فورا مغادرة الغرفة السرية وأخذت أتنقل للمبيت من بيت إلى آخر والناس خائفة، ولكنها كانت تستقبلني.
*
اتصلت ب "أبو فارس" وهوالمراسل المسؤول عن تحركات أبو فياض (فرج الله الحلو)، الذي كان يقود ما تبقى من تنظيم الحزب، وطلبت منه رغبتي بمقابلة أبي فياض (فرج الله الحلو). وبعد الموافقة ودراسة المكان الآمن المناسب في غرفة أحد رفاقي، اجتمعت بأبي فياض وشرحت له وضعي وأنّ خطر اعتقالي اصبح قاب قوسين أو ادنى بسبب عدم وجود المبيت السري المناسب. وبعد أن فكّر ابو فياض مليّا، سألني: هل توافق على الذهاب إلى حلب والعمل في التنظيم هناك؟.. فأجبت، و أنا أرقص في سري من الفرح لهذه المهمة، بالإيجاب. فأجاب انتظر مدة حتى نرسلك إلى حلب. فقلت: لم تبق لدي إمكانية للتخفي أكثر. فأجاب فورا: تذهب إلى لبنان ومن هناك نرسلك إلى حلب. وسألني: هل تستطيع عبور الحدود بوسائلك أم ندبّر نحن الأمر وهذا يستغرق عدة أيام. فأجبت أستطيع العبور بسهولة عن طريق بلدتنا ديرعطية القريبة من الحدود اللبنانية. فقال: عندما تصل إلى بيروت إذهب إلى جريدة الأخبار واطلب مقابلة يوسف خطار الحلو وقلْ له: "أرسلني ممدوح"
*
*
ملاحظة: كانت المباحث وعملاؤها يشيعون أن خالد بكداش هو الذي أرسل فرج الله الحلو إلى دمشق لتصفيته. وهذا خبر عار من الصحة. ففرج الله الحلو كان يعمل في دمشق بصورة سرية قبل الاعتقالات. وكنت في تلك الفترة أعمل في صيف 1958 أثناء العطلة الجامعية محررا في جريدة النور وموقعها قريب من ساحة الشهبندر. وكان المسؤول عن الجريدة آنذاك عبد الباقي الجمالي. وفي كل اسبوع يأتي إلى غرفتي في الجريدة ويكلفني بالنزول من مبنى الجريدة إلى ساحة الشهبندر لاستلام مغلّف من أبو فياض، وأنا أعرف اسمه الحقيقي منذ فترة. أذهب مساء إلى زاوية محددة من ساحة الشهبندر و أستلم المغلف وفيه مواد للنشر في جريدة النور الواسعة الانتشار آنذاك وأعود وأنا في غاية السعادة من لقاء هذا الانسان الهادئ المتواضع، الذي يطفح نور الاخلاص من وجهه. ومن هنا كانت معرفتي بفرج الله عميقة. وكان واضحا أنه يعمل بقناعة واخلاص لانقاذ سورية من ورطة حكم المخابرات السلطانية, وفرج الحلو عروبي أممي لا يشقّ له غبار.
وكذلك كانت صلتي وثيقة بمراسله أبو فارس (صبحي الحبل) الشاب القبضاي الزكرتي، الذي أُشيع بأنه هو الذي سلّم فرج الله الحلو للمباحث وهذا غير صحيح. وحسب ما روى لي صديقي الطالب الجامعي معي آنذاك أن أبو فارس كان في غرفته السرية قرب مستشفى المجتهد عندما داهمتها المخابرات واشتبك معهم ببنيته القوية في عراك طويل والقصة بتفاصيلها لها مكان آخر.
:روابط ذات صلة
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
http://www.fenks.co/index.php/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/35244-1954-1954-4
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
رابط الجزء الأوّل:
رابط الجزء الثاني:
http://www.fenks.co/index.php/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/35136-2020-04-07-07-03-16