علي كنعان: عودة إلى الدفاتر العتيقة
في مطلع الثمانينات أعطيت هذه القصيدة للصديق صميم الشريف (نضر الله ذكراه) وكان رئيس تحرير الموقف الأدبي، فرأى أن يحذف (الكارس) بعد (تبارك الكرسي) فقلت له: أنت مسؤول النشر، وليس لي من حق أن أجادلك في ذلك... ويبدو أنني ما زلت رقما، ولا أمل بأن أغدو "مواطنا" يوما لأن "المواطنة" تحتاج إلى موافقة الأشباح والكهنة وربما أشباه الآلهة البائدة... 40 سنة مرت على كتابة هذه القصيدة ونشرها، وما زال هذا الشنفرى/ الصغير كما كان دائما ضد الإديولوجيات الصنمية بكل هياكلها وحراس فسادها ومؤسساتها الطحلبية المنخورة... وللأحبة، صائمين ومفطرين.. مقيمين ومشردين، كل الأمل باستمرار التحدي وطول السلامة الأمان...
رقمٌ في المَلفَّات
ـــــــــــــ
في زمانِ الكهوفِ الكتيمةِ في رحمِ الصخرِ
والناسُ في قاع محنتهم
يحلمون بأشياء غائمة..
(ربما كانتِ الألفةُ الرّعَوِيَّةُ
دفءُ الأمانِ الضنينِ
وجوعُ الضواري إلى جِيَفِ المُلْـك والافتراس
صوراً من ملامحها المقبلة)
.. في دياجير ذاك الزمان الحجر
والصقيعُ يلوكُ الدروبَ الحيارى
ويوشكُ أن يستبيحَ عقولَ البشر
كنت أعرفُ نفسي
كما كنت أعرفُ بيتي
وأعرفُ أهلي.. ودنيا فصيلتنا الشاردة
وبين الأسامي ، أحبِّ الأسامي وأبسطِها
كان لي واحدٌ.. ثم أُنسِيت أحرفَه
رقَماً صرتُ في ملفَّاتهم - سادتي العظماء!-
رقماً من ملايين...
(ربما ذكَّرتهم قبيلَ هطولِ الكرى
بقطيعِ الخرافِ وطيبِ الشّواء)
إنني أحسدُ النملَ في عيشِـهِ..
فما زال نملا
والعصافير أغبطها.. فهي ، بعد ، عصافير
وأنا صرتُ رقْما
المرايا تكذِّبني.. لستُ أعرفُ نفسي تماماً:
أهذي ملامحُ طيفٍ من الناسِ أعرفُهُ؟
أهذا حصادُ السنينَ - المراراتِ
ثورةُ جيلٍ كوته فلسطينُ واحترقتْ فيه؟
أم بقايا نقوشٍ على الصخر
في قاعِ مقبرةٍ دارسـة؟!
أهاتان عينا صديقٍ حميم..
ألِفْـتُ رؤاه وأشجانَه وتجاربَـهُ
في دروبِ الحياة؟
أم هما جرَّتان زجاجيتانِ
من الدمع محترقاً في صحارى المدينة
جحيمِ اليبابِ الجديد!
وهذي يدي؟
أهذي يدُ الأمسِ أم شاهدٌ حجريّ
من القبرِ يعلنُ موتي قبيلَ هلالِ الولادَه
ويحملُ رقْمي؟!
* * *
كنتُ أعرفُ هذي المدينةَ..
أرتاد واحةَ أسرارها
وألوِّن أشهى رؤاها
قبل أن يسرقوا حلمَها وصباها
(حلمَنا وصبانا)
وتجري دماءُ فلسطينَ مهدورةً
من صقيع المنافي إلى حمم الأقربين
يستحمُّون فيها.. إذا تعبوا
ويتَّجرون.. إذا كسبوا
وينسحبون متى غُلِبوا
ملكاً ، ملكا.. أو مطايا مليك!
كنتُ أعرفُها...
قبل أن يقطعوا رأسَها البلديَّ الأليف
ويجتلبوا من كهوفِ الدجى رأسَ وحشٍ مخيف
كنت أعرفها -
يا زمانَ الدخولِ الحميمِ ، سلاما! -
كان قلبي هنا جرساً لا يملُّ الغناء
وحرِّيَّتي كسؤالٍ طليقٍ يجوبُ المدى
كان حبِّي حدائقَ مفعمةً بطيوفٍٍ ملوَّنةٍ
من جنونِ الصبابةِ والشعرِ والجلَّنار
وأنديةٍ للعصافيرِ والعشقِ والشجرِ البابليّ
وأراجيحَ للشمس آناً..
وللحلم آناً..
وللمطرِ الساحليِّ الذي يدهشُ الأرضَ
كالعاشقين
كنت أعرفُ هذي المدينةَ..
كانت فلسطينُ فيها خميرةَ نيسانَ
ريحانةَ القلبِ
سرَّ الخلايا التي تنسجُ الزمنَ العربيَّ الجديد
ولكنّهم شرَّدوها
ولكنّهم قتلوها
ولكنّهم حنَّطوها
لتعرضَ لافتةً في المواسمِ
أغنيةً ، رقصةً في الملاهي
وجسراً ظليلاً إلى ملكوتِ الكراسي
تبارك الكرسيُّ..
والكارسُ..
والمكرَّسون!
. . .
كنتُ أعرفُها..
وهي تعرفني..
حبيبان مشتعلان دهوراً معاً:
سدرةُ المنتهى احتضنت وهجَ روحيهما
وجذراهما في حمى بردى راسخان
لبَنُ الأمِّ لم يفتقـدْ ، بعـدُ ، نكهتَه البدويَّةَ
في لوثةِ الدمِ
(ميسونُ تعلنُ إضرابَها عن قصورِ ابن هندٍ..
فتصحو ظباءُ البوادي موشَّحةً بالأريج المطير
وترخي دمشقُ على الهودج المتنائي غلائلَها الضافية..)
نداوةُ أنفاسِها في العشايا وتهويمةُ الياسمين
وباكورةُ الصبواتِ الغريراتِ في حضنها الأمويِّ المعافَى
ودفءُ الحنانِ العريق
وفيضُ الأمانِ الذي يتموَّجُ نشوانَ
حتّى ضفافِ الهزيعِ الأخير
* * *
كنتُ أعرفُ هذي البلاد - بلادي
ثم صارتْ إلى رقَمٍ في الخرائطِ ، مثلي!
* * *
يا رياحَ الرَّدى والتشظِّي..
دعي لفلسطينَ عشاقَها..
دعي لدمشقَ رياحينها وعصافيرَها..
وطقوسَ الحوار
دعي للكرامةِ فرسانَها..
ولو في حِمَى الذكرياتِ وأحلامِ يقظتِها الفاجعة
جيلُ غسّـانَ نحنُ..
لا عصبةٌ من مماليكِ هذا الزّمان
ولا حفنةٌ من رمال
ولا صفقةٌ من حشيشٍ تهرِّبه غانياتُ القصور
القبائلُ من حولنا كبيوضِ الأفاعي عشيَّةَ تفقيسها..
وشيوخُ القبائل
يستقلُّون في حصون طوائفهم ودويلاتهم
لتأخذَ فينا رياحُ التشظِّي مداها
فلا يتبقَّى سوى نُتَفٍ من وطنْ
وذكرى قضيَّة!
* * *
وتجأرُ ملءَ العذاباتِ وعلاً مدمَّى
ولا من سؤالٍ ولا من صدى
وتلك شظاياك معروضةً في حوانيتِهم كالدمى
وأشلاءُ غسّان تهمي..
لتغسلَ ليلَ القبائل
فلا يسمحون لها بالدخول!
* * *
ومن جوفِ أحجيةِ العسفِ والقهرِ والجوعِ
أصرخُ.. أصرخُ.. أصرخُ..
حتَّى تجفَّ عروقُ الهواء
وتختنقَ الأرضُ غرقى برائحةِ الكلماتِ القتيلة:
"اتركوا لي بلادي
اتركوا لي مدينةَ حبِّي
واتركوا أحرفَ اسمي ، ملامحَ وجهي
أبعدوا عن فراشاتِ روحي
تجاريب (نوبل)
وليرتحلْ بطموحاته وألاعيبه وجوائزه الدمويَّةِ
عن مهرجانِ الطفولة..
وعن كوكبِ الشعرِ والعاشقين
اتركوا لي هواء نظيفاً من الرعب ، ريَّان بالعافية
لأحيا كباقي البشر
لستُ وحشاً..
ولا جملاً لبداوةِ هذا الزمان
وأنا لستُ برميلَ زيتٍ..
ولا بائعاً في المزاد
كرهتُ الحروبَ التي لا تصونُ البيوتَ
ولا تستردُّ الأمان
ولكنْ تزيد الضواري وسائلَ عنفٍ ونهبٍ
والمساكينَ بؤساً وطولَ هوان
كرهت التماسيح في حمأ السوقِ
في عقدةِ الترفِ القيصريّ
وفي صفقاتِ الدماء
من قوافلِ نجرانَ..
حتى سرايا رعاةِ البقر
يقتلون طفولةَ قلبي
يأخذون بلادي
مدينةَ حبي
ملامحَ وجهي
ساحةً للصراعِ وأهوالِه الغاشمة
ثم لا يتركون..
سوى رقَمٍ في الملفَّات..
كان مشروعَ طفلٍ حبيب
ولكنَّهم قتلوه
قبل أن تفتحَ الأرضُ أكمامَها للربيع!"
- 1980