ابن الجنوب ليس مهرجاً
كيف ستكون ردة فعل الرأي العام تجاه شركات إنتاج المسلسلات الدرامية، فيما لو تمت الاشارة لبعض مكونات المجتمع العراقي، بصورة المتخلف والأمي والساذج؟
الى متى سنظل نشاهد أسماء كعذيب وناهي وخيون وصينية تمثل دور الحارس والخادم والبواب والفلاح؟
هل ان تسميات مثل لؤي وسمير ونسرين وهيثم ودريد وفاتن، هي حكر على الطبقة البرجوازية ومحرمة على الطبقة الكادحة؟
هذا ما عودتنا عليه الأعمال الدرامية طيلة عقود من الزمن والى يومنا هذا!.
بعد التغيير المباغت أصيبت ذهنية المتلقي بالصمم، وكأنه استمرَأ َحلاوة تمثيل دور المهرج، فلم يلتفت الى حقيقة واقعه التي كانت مؤثرة في كافة الصعد المتعلقة برسم مشاهد الحياة العامة للمجتمع العراقي، وصارت المادة الفكاهية هي الغاية التي تنشدها الكوادر القائمة على تلك الاعمال، بدءا من المؤلف والمخرج والممثل انتهاء بالمنتجين وكل هؤلاء يبحثون في أعمالهم عن مدى ما تدره عليهم من مبالغ بغض النظر عن معالجتها لمشاكل المجتمع وتشخيص نقاط القوة والتركيز على المحطات المضيئة في شخصية الفرد العراقي.
كان من سوء حظ المشاهد أن يقضي ساعات لمتابعة صعلوك يدعى ماضي، يترنح بدشداشته القصيرة التي تعبر عن أصالة حضارة سومر واكد ثم تطل علينا شخصية عذيب الأبله، الذي يرى أفضليته على لغيوي المسكين الذي عاش بين مطرقة كشخيل وسندان عذيب بالرغم من تحمله لسذاجة زوجته رازقية.. هل هؤلاء يمثلون الجنوب حقا؟!
اذا كان هذا واقعنا يا أرباب الفكر والابداع فلما كل هذه التخرصات وتلك الأكاذيب التي تتحدثون بها عن عظمة الشعب العراقي وإبداعه، ومعلوم ان اعظم الحضارت كانت في جنوبه ووسطه؟ وانه شعب الحضارة ورجاله هم افضل ما خلق الله ونساءه تلك النساء اللاتي وقفن خلف هذا الكم الهائل من العظماء!
لا مجال لاتهام التاريخ بالكذب والتزييف فالعراق هو العراق ورجاله هم من صنعوا أمجاده على مر العصور والتاريخ، ونساءه هن ربيبات العفة وهن الوجه الاخر لبلاد ما بين النهرين التي ما اعتادت شاشاتكم ان تسيء لطهرهن بعد ان أبرمتم صفقة طويلة الامد مع بنات الليل، لتبثوا سمومكم في أوساط الشباب ولكم الحق في ذلك كونها تزيد من نسبة المشاهدين الذين لا يميزون بين السقيم الذي عجز اياد راضي به عن فتح منهولة افكاركم العفنة والذي تمادى كثيرا في تجاوزه على الذوق العام بعد ان ارغم متابعيه على سماع اصوات الريح الخارجة من دبر سياسي مفترض، لم يكن اقل خطرا ممن يقف خلقكم ويمولكم من أجل سلب روح الأصالة من اهل الجنوب.
أردتم بذلك تشخيص خلل في مفصل سياسي كنا تدعون، لكنكم أسأتم الادب بمحضر العفة العراقية فكانت رائحة أعمالكم تزكم الانوف وأسأتم للدراما العراقية قبل أساءتكم لذلك المسؤول.
احمد وحيد هو الاخر أساء لموروث قيمي له مكانة في نفوس العراقيين لكنه تناول الموضوع بطريقة اكثر لياقة مما كان عليه مهرجوا الشرقية، الا ان عمله لا يخلو من خبث مبطن لا ينطلي على المتابع الحاذق خصوصا في الحلقة المتعلقة بقصة الجامع، الذي كان بيتا لمواطن مغترب لكن فصيلا مسلحا استولى عليه بالقوة!
طريقة عرض المشاهد والاخراج التي كانت عليه الحلقة تثير الريبة، وكأنه أراد ايصال رسالة الى ان الحالة الدينية السائدة اليوم ما هي عبارة عن خدع واكاذيب جيرتها بعض الجهات لمصلحتها الخاصة، دون ان يأخذ بنظر الاعتبار الجانب المشرق الذي عليه واقع المتدينين، ولا غرابة فالرجل ينطلق من متبنياته الفكرية التي أراد تصديرها للجمهور من خلال اساءته للطابع الديني العام.
لقد كان بإمكان وحيد ان يكون اكثر حيادية في تلك الحلقة ويبتعد عن الانحياز لجهة المتهتكين وهو ما بينه مشهد لقاءه مع المقاول السكير - كان بإمكانه تصوير مشهد يثبت براءة الاسلام الأصيل من كل ما الصق به من بدع مفتريات عن طريق استحداث شخصية لرجل دين ملتزم بالشرع الشريف، يستفهم منه عن مشروعية ما قامت به تلك الجهة التي تجاوزت على بيته، لكنه لم يفعل ذلك لغاية في نفسه.
أما الحديث عن الحلقة التي تحكي قصة الشاب النازح من اخوتنا في الموصل فهي مجانبة للحقيقة وتنسف كل الجهود المثبتة التي بذلت من قبل المؤسسات المعنية دينية كانت او حكومية لترميم النسيج الاجتماعي، الذي تعرض لهزة عنيفة بعد دخول داعش للعراق.
السؤال الأخير: هل يكون وحيد ومن هم على شاكلته على قدر التحدي ويبادروا لانتاج عمل يكون بلسما لجراح أهلهم في الجنوب، كأن يكون قصة تترجم حالة ايثار لشهيد من شهداء الحشد من ألاف القصص، او يعكس معاناة أسير جنوبي وقع في قبضة إرهاب القاعدة وأخواتها وما جرح سبايكر النازف عنك ببعيد.. ولكن هيهات هيهات..