كارلوس شهاب: أضواء على القرنين الأولين من الإمبراطورية التي توحدنا فيها
انعكس وجود إمبراطورية قوية وموحدة على صعيدين مبدئياً؛ الأول هو أستتباب الأمن فلم تعد المدن العربية الكبرى تواجه غزوات خارجية فصارت تتحطم الحملات الصليبية الغربية على سور الجزائر البحري او عند حدود البلقان، كما إن ظهور السلاح الناري في ذلك الوقت قد عجّل بنهاية الفارس الآسيوي فأنتهى عصر الغزاة من طينة جنكيزخان وهولاكو وتيمورلنك العشائر التركمانية. وعليه فإن التحصينات الدخلية أُهملت ليس بسبب العجز وإنما بسبب انتفاء الحاجة لها في مدن مثل تونس والقاهرة ودمشق وحلب وأنتشرت في هذه المدن الضواحي خارج الأسوار وتمددت الأسواق والقرى الى الخارج حتى إن حلب فقدت طابعها كمدينة حدودية وأستمرت آمنة من دون تحصينات حتى القرن الثامن عشر حين دمرها بدو عنيزة. طبعاً تُستثنى المدن العراقية من هذا الموضوع بسبب الحروب العثمانية الصفوية وكذلك مدينة الجزائر التي قُويت دفاعاتها الساحلية وحتى الاستعمار الفرنسي عام 1830 لم يستطع التقدم صوب الجزائر من البحر.
إن إستتباب الأمن على الأقل تجاه العالم الخارجي دفع بالنمو الإقتصادي الى الأمام على الأقل لمدة قرن أو اكثر، أرتبطت المدن العربية الكبرى جغرافية جديدة أمتدت على مساحة 2 مليون و500 كيلو متر مربع (عام 1606) ويستطيع أي شخص من هذه المدن أن يسافر من حدود بلاد فارس شرقاً حتى مدينة تلمسان الجزائرية غرباً ومن نهر الدانوب شمالاً حتى المحيط الهندي ويخضع لنفس القوانين ويتحدث نفس اللغة ويستعمل نفس النقود، وهي ظروف مواتية لحركة تبادل تجارية عملاقة داخلية وخارجية، جعلت المنطقة تنتج وتمر عبرها سلع تمثل عناصراً فعالة في التجارة الدولية، فمثلاً تأتي البهارات والمنسوجات الشرقية إلى حلب والقاهرة عبر الشرق، ويأتي الذهب ومعادن أخرى من مناجم السودان الغربي إلى مرافئ تونس والجزائر وتنضم إليه سلع المغرب العربي مثل الجلود والأصواف والزيت، وينضم لهذه التوليفة من السلع الخشب من الأناضول والدخان من تسالونيكي والبن من اليمن (والبن كان قد عوض المدن العربية فقدان تجارة التوابل، وأنتشر البن من اليمن الى بقية المدن العربية في نهاية السلطنة المملوكية، وأنتقل من اليمن الى الحجاز الى الشام عبر الطريقة الصوفية الشاذلية، وبعدها صارت اليمن مصدره الأساسي والوحيد في القرنين السادس والسابع عشر، حيث كانت تصدر 200 ألف قنطار نصفها للقاهرة التي توزعها على مرافئ المغرب العربي او تصدرها الى أوروبا.
أنعكس هذا الإنتعاش التجاري -الذي تفوقت فيه التجارة الداخلية بين مدن الامبراطورية على التجارة الخارجية- بتوسع المراكز التجارية (القيساريات التي يتم عقد الصفقات التجارية الدولية بها) داخل المدن العربية الكبرى.
لم تتخذ المدن العربية خطاً واحد في النمو، ولا يمكن تحديد تطور عام للمدن العربية فهذا مستحيل، حيث أعتمدت كل مدينة على خبراتها التاريخية وموقعها الجغرافي وعليه فإن حلب في القرنين السابع والثامن عشر توسعت ونمت بمعدل 100% عن حلب المملوكية ويتحدث شارل عيسوي عن إن حلب كانت المركز الحرفي والتجاري الرئيسي في جنوب شرق آسيا وإن تجارتها الخارجية فاقت أكبر منافساتها من الحواضر الإمبراطورية، والقاهرة في القرنين السابع والثامن عشر توسعت منطقتها الاقتصادية بنسبة 100% عن القاهرة التي ذكرها المقريزي وصار فيها 58 سوق و229 قيسارية على مساحة 58 هكتار، وأستقرت الزراعة في عموم مصر بيترن جران يقرأ أحد أسباب انطلاق الحملة الفرنسية صوب في اواخر القرن الثامن عشر لوفرة الحبوب في مصر مقابل ندرتها في الجنوب الفرنسي .
تأتي هذه المحاولة من أجل تسليط الضوء على إعادة تقييم القرنين الأولين من الإمبراطورية التي توحدنا فيها -كل تناول للتاريخ العثماني بالجملة هو تناول غير تاريخي سواء كان سلباً او إيجاباً وهو يقتلع الأحداث من سياقها ولا يلتفت للظروف والصراع العالمي الذي كان يحدد كل مرحلة- والتي تعرضت لسيل من الدعاية الأوروبية لحرف نظرنا عن التفتيت الأوروبي لأرضنا وتقسيم سوقنا.