كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جمانة طه: الترجمة.. خروجًا من الفردية، وانطلاقًا إلى الآخر

المؤتمر: الافتتاح والفعاليات
** ذات يوم من العام 2006 اتصلت بي صديقتي ألينور المديرة التنفيذية في اتحاد المترجمين النروجي، ووجهت لي دعوة للمشاركة في المؤتمر العالمي للترجمة الذي سيقام في فنلندا. أطربتني الفكرة واستولت علي رغبة في رؤية حضارة لا أعرفها، وفي مرافقة شمس منتصف الليل أو الليالي البيضاء كما يسمونها، ولاسيما أنني عشتها في اسكتلندا ذات يوم بعيد. لكني بعد مراجعة موضوعية بيني وبين نفسي، اعتذرت عن الدعوة لأنني لست مترجمة، ولا أريد أن يكون حضور سورية في المؤتمر ضعيفًا.
فاقترحت عليهم بدلًا مني الزميل المترجم الدكتور إبراهيم الشهابي، فوافق الاتحاد النروجي عليه وتواصلوا معه، ورتبوا له كل ما يلزم من إقامة وبطاقة سفر. إلّا أنهم في الوقت ذاته أصروا على حضوري المؤتمر ومشاركتي بصفة مراقب، فاستجبت وحجزت بطاقة سفر على نفقتي، وأقمت في فنلندا على نفقتهم.

** كانت ليلتي قلقة، نهضت من الفراش قبل أن يمد الفجر جناحيه، والديكة ما زالت في خميلتها تمرن صوتها للصباح. كنت أستعجل الذهاب إلى المطار، وأحلم بأن ألقاك هناك لعل عينيّ تتزود منك بما يخفف عني وجع البعاد. أراك تضحك من رومانسيتي، وأنا القاسية، كما تنعتني، التي تحتاج إلى دورات تأهيل ترفعني إلى مستوى حساسيتك وعذوبتك.
قد أكون جافة وقاسية في بعض الأحيان، لكن حبي الكبير لك يعقل لساني. أراك تضحك، لا بأس أحبك أن تضحك. دعنا من ذلك الآن، وتعال معي لنتمتع أنت وأنا برؤية الغيوم. فها أنت تراها بعين وأنا أراها بعين. ياه لو تعرف كم قصَّر الأدباء في وصف الغيوم، حين نعتوها بقطيع من خراف. إنها والله ورود بيضاء مزروعة في بستان سماوي، يبدل ألوانه بين لحظة وأخرى بين الرمادي والأزرق واللازوردي. لا تبتعد، انتظرني. فسوف أجمع ليديك، باقة منها. في اللحظة التي تسفر الغيوم عن وجه الأرض، تظهر مئات البيوت بسقوف قرميدية حمراء. تنداح في أراض واسعة نظيفة كمرآة، منضد بعضها إلى جانب بعض وكأنها أرتال جيوش منظمة.
تجتاز الطائرة الآن مطبًا هوائيًا قاسيًا، وكل ما في الطائرة ومن فيها يرتعش ريشة في مهب الريح. أسمعك تقول: اهدأي، ولا تخافي. فأنا معك، صدري يحميك ويداي تضمانك. أحاول أن أستجيب لكلماتك وأبعد الخوف من نفسي، فأراه يتسرب إليها من وجوه المضيفات والمضيفين. من تحركاتهم العصبية، ومن أصواتهم المرتبكة وهي تحث الركاب على العودة إلى مقاعدهم من الممرات ودورات المياه.
** عاد الهدوء إلى جو الطائرة، وعاد الركاب كلٌّ إلى شأنه. في دقائق وَسَنِكَ بين جوانحي، عبرنا فوق سلسلة صخرية. لمعان الصخر ذكرني بما تقوله عن لمعان بشرتي، ونقائها. شوقي إليك، خلق بيني وبين التواءات الصخور تآخيًا يتوق إلى مخاصرتها. لأول مرة ترى عيناي صخرًا يتلوى لَيَّنًا مغناجًا، تحت وطأة لمساتنا. ترى لو عرف الشخص الذي إلى جانبي بما يدور في ذهني وبما يصوره خيالي، لضحك حتى استلقى على قفاه ظنًا منه أن بي مَسًّا من جنون.
النوم يخاصم القسم الأكبر من ليلي، والسفر إليكِ نهارًا يجمَل نهاري. ففي كل صباح أطير إليك عبر تخيلاتي أستمع إلى صوتك الهادىء الحنون، كم أحب نهاري معك، فمتى يكتمل يومي؟
** وصلت باريس ظهرًا، متعبة حد الإعياء. لكنه لا يعفيني من قطع مسافة تعدل ثلاثة كيلومترات، للوصول إلى المبنى الذي سأنفذ منه إلى الطائرة المسافرة إلى هلسنكي. ها أنا أمشي مرة وأركض مرة أخرى، إلى أن وصلت واستلمت بطاقة الركوب. الآن أجلس على أول كرسي صادفني، وأغمض عيني لعلني أسعد بإغفاءة قصيرة. الزمن يمر بطيئًا، والانتظار ثقيل الوطأة على الغرباء والمتعبين.
لا شيء مريح، في قاعة الترانزيت. مجموعة من اليابانيين يتكلمون بصوت عال مزعج، وبلغة يصعب على الجن الأزرق فهمها. والكراسي المعدنية، تئن وتتوجع من أدنى حركة تصدر عن الجالسين عليها.
نسيت أن أخبرك أيها الغائب الحاضر أنني في أثناء وقوفي بالدور لاستلام بطاقة الدخول إلى الطائرة، كان يتقدمني شابان. وعندما عبّرت عن تعبي بكلمة: يا الله لمحت في عين أحدهما لمعة فرح، فأدركت على الفور أنه عربي. أحببت أن امتحن فراستي، فسألته بالإنكليزية: ذاهب إلى هلسنكي؟
فردّ بالإيجاب. قلت: هل أنت فنلندي؟
فأجاب بالإنكليزية: لا، نحن مغربيان. وأشار إلى صديقه.
فقلت له: لماذا لا ترد على سؤالي بالعربية. فقال: لا أعرف منها غير بضع كلمات وباللهجة المغربية (الصعيبة)، فأنا ولدت في فرنسا وأعيش فيها. ماتت الكلمات على شفتي، وطغت على روحي مشاعر الحزن. تمنيت لو لم (أتحركش) بهما، ولم أسمع ما سمعت. أرأيت كيف الغرب يحاربنا؟ إنه يحاربنا بأولادنا، أي بأغلى ما نملك.
يستقطبهم واحدًا بعد الآخر، باسم العلم. يحشو أدمغتهم بثقافته وعاداته، يغريهم بالعمل ويمنحهم الجنسية لكي ينسوا هويتهم العربية.
** في الطائرة إلى هلسنكي، كان الطعام جيدًا والشاي لذيذًا، والمضيفون الفنلنديون أكثر رقة ودماثة وتعاونًا من نظرائهم الفرنسيين.
من نافذة الطائرة سقطت عيناي على بحيرات وبيوت، ومساحات من الأرض لا ضفاف لها. مستوية مثل لوح زجاجي بأشكال هندسية مختلفة، وملونة بألوان الطيف والتربة. سبحان خالق الأكوان، لماذا خص هؤلاء الناس بالذوق والإبداع؟
جولتي في الأرض وبين الغمام انتهت، فدعني أسند رأسي إلى المقعد وانفرد بك وبذكرياتنا الماضية. هل تعلم أن عينيّ لم تغمضا، إلا عندما جعلتَ يدك وسادتي؟

** بعد ثلاث ساعات من الطيران، هبطنا في مطار هلسنكي. سألنا عن توقيت الطائرة المسافرة إلى تامبيرى، وعن سعر البطاقة. فقال الموظف: الرحلة القادمة بعد ساعة، وسعر البطاقة مئتا يورو. لحظ دهشتنا من غلاء سعر البطاقة، فأشار علينا بأن نلحق الباص المتجه إلى محطة القطارات، لنأخذ القطار إلى تامبيرى.
نصيحة الموظف جاءت في محلها، فالباص مريح ومدهش بأناقته ونظافته، وكأنه خارج للتو من الوكالة. الموسيقا بشجنها وروعة نغماتها، كسرت جمود الصمت المخيم على كل من في الباص. حينما وقفت على عتبة الباص تفرس السائق في وجهي، وسألني عن جنسيتي. وعندما قلت من سورية، ابتسم بمودة وقال: نحن جيران، فأنا من مقدونيا. في تلك اللحظة شعرت بأن علاقة قربى تربطني به، إنها نسائم المتوسط.
الرحلة المريحة، حررتني من وطأة الزمن. ودعت السائق وشكرته على ذوقه ومهارته، وأنا أترجل أمام محطة القطارات.
** صدمني منظر المبنى من الداخل، بأرض موشومة بأكوام من أعقاب السكائر. حجزنا "د. شهابي وأنا" بطاقتين في الدرجة الأولى التي تقع في الطابق الثاني من القطار، بسعر (38) يورو لكل بطاقة. ولأننا محكومان بساعتين من الانتظار، جلسنا في مقهى يقابل الرصيف الذي ينطلق منه القطار. أفواج من البشر كانت تمر بنا، فلفتني غياب الجمال عن النساء. البدانة طاغية والأناقة غائبة، والعري فاضح.
فضلت أن أنصرف عن مراقبة الناس، "فمن راقب الناس مات همًا". أسكتُّ جوعي بساندويش هامبرغر، ورويت عطشي بماء مثلج. ثم أرحت قدميّ على حقيبتي، وسافرت إليك لأقص عليك ما جرى ويجري.

** تحرك القطار الكهربائي في الساعة العاشرة وأربع دقائق، موعده المحدد. فراغ بشري يلف العربة، فليس فيها سوى الدكتور إبراهيم وأنا. لحظات وتطل علينا سيدة تدفع أمامها عربة مليئة بمشروبات روحية وغازية وقطع الشوكولاته والبسكويت، اشتريت منها شرابًا مثلجًا ولوحًا من الشوكلاته.
ضوء النهار رافق رحلتنا معظم الوقت، وظلت الرؤية ممكنة إلى ما قبيل منتصف الليل. الطبيعة رائعة، أشجار باسقة كثيفة الأغصان والأوراق، وجداول تماشي سكة القطار من الجانبين. مروج خضراء، تنهض فيها نباتات تحني سوقها لمداعبة النسيم. الصمت المسيطر على العربة، أنعس عينيّ فنمت.
عند منتصف الليل، وصلنا "تامبيرى". جرجر كل واحد فينا نفسه وحقيبته، وصعدنا من المحطة إلى الشارع الذي أوصلنا بلا عناء إلى فندق "فيكتوريا" مكان إقامتنا. لا شيء صعب في هذه البلاد، وجود اللافتات التي توضح المداخل والمخارج والشوارع والمسارب الجانبية، تمنح الغريب ضوءًا هاديًا يوصله إلى أي مكان يريده.
** في الصباح تناولنا الفطور، وانتظرنا حضور السيدة أودرن مديرة العلاقات العامة في اتحاد الكتاب والمترجمين النروجيين. ترافقنا معها سيرًا على الأقدام إلى مركز المؤتمرات، الواقع على مرمى حجر من الفندق. في الساحة الخارجية للمركز التقطت عيناي العلم السوري يرفرف إلى جانب أعلام ستين دولة من العالم، فخفق قلبي سعادة به ومعه. وخطف اهتمامي الشكل الخارجي لهذا الصرح الحضاري، الذي شيّد برؤية فنية معاصرة، ليصبح مثالًا مبهرًا للهندسة النوردية. فعرفت أنه فاز مرتين، بجائزة أجمل وأفضل مركز للمؤتمرات في فنلندا.
في البهو الرئيسي للمركز، تقف فتياتٌ بلباس أنيق موحد للترحيب بالقادمين بابتسامة وبكأس من الشمبانيا. توجد في البهو نفسه مكاتب الاستعلامات والانترنيت، يشرف عليها طلاب وطالبات من قسم الترجمة في جامعة تامبيرى تطوعوا بالعمل ليكونوا في خدمة المؤتمر والمؤتمرين.

قبيل الافتتاح الرسمي، غصَّ البهو الفسيح بالوافدين من شرق البلاد وغربها وسط أجواء راقية، تخللها كوكتيل ولقاءات وتعارف. يتألف اتحاد المترجمين العالمي من عدد كبير من جمعيات الترجمة من مختلف أنحاء العالم، تضم في عضويتها الذين يعملون في حقل الترجمة بأنواعها: الفورية والتفسيرية والأدبية، والعلمية التقنية والطبية، والاقتصادية والتجارية. وفي كل ثلاث سنوات، يعقد الاتحاد مؤتمره في أحد البلدان المنضمة إليه لإلقاء الضوء على نشاطات المترجمين والاطلاع على كل ما يتعلق بمهنة الترجمة. في هذا العام شارك بمؤتمر تمبرى /655/ عضوًا من بلدان عديدة وأعراق مختلفة، من الشرق الأقصى وأفريقيا وأوروبا الشرقية والغربية ومصر ولبنان وسورية والعراق وتركيا وقبرص وأستراليا وأميركا الشمالية والجنوبية، جاءوا جميعهم على تباين انتماءاتهم الفكرية والعقائدية لجسر الهوة بين ثقافات الأمم وحضارات الشعوب، ولتبادل الخبرات ومناقشة قضايا الترجمة وعوائقها.

بحوث وأهداف تركزت أهداف المؤتمر على محاور عديدة، منها:
1-عمل المترجم ودوره في إجلاء الغموض عن الكنوز المعرفية الموزعة في العالم.
2-إتاحة الفرص أمام العضو المشارك ليتعرف فيها إلى حقوقه وواجباته ومسؤولياته، وليتبادل خبرته مع زملائه على مختلف مستوياتهم العلمية وإمكاناتهم اللغوية وانتماءاتهم العرقية.
3- خلق مناخ اجتماعي يمكّن العضو من تأسيس علاقة عمل مع غيره من الأعضاء.
هذا وقد حاول المؤتمر إيجاد رؤية جادة وجديدة تسمح بإعادة النظر في مشكلات العمل اليومي للمترجمين، ومناقشة همومهم المشتركة. كان هناك ترف في تنوع الموضوعات المطروحة للنقاش، مع أن المحور واحد هو الترجمة.
وقد بحث المؤتمر القضايا التالية:

المؤتمر: الافتتاح والفعاليات 
**ذات يوم من العام 2006 اتصلت بي صديقتي ألينور المديرة التنفيذية في اتحاد المترجمين النروجي، ووجهت لي دعوة للمشاركة في المؤتمر العالمي للترجمة الذي سيقام في فنلندا. أطربتني الفكرة واستولت علي رغبة في رؤية حضارة لا أعرفها، وفي مرافقة شمس منتصف الليل أو الليالي البيضاء كما يسمونها، ولاسيما أنني عشتها في اسكتلندا ذات يوم بعيد. لكني بعد مراجعة موضوعية بيني وبين نفسي، اعتذرت عن الدعوة لأنني لست مترجمة، ولا أريد أن يكون حضور سورية في المؤتمر ضعيفًا. فاقترحت عليهم بدلًا مني الزميل المترجم الدكتور إبراهيم الشهابي، فوافق الاتحاد النروجي عليه وتواصلوا معه، ورتبوا له كل ما يلزم من إقامة وبطاقة سفر. إلّا أنهم في الوقت ذاته أصروا على حضوري المؤتمر ومشاركتي بصفة مراقب، فاستجبت وحجزت بطاقة سفر على نفقتي، وأقمت في فنلندا على نفقتهم.
** كانت ليلتي قلقة، نهضت من الفراش قبل أن يمد الفجر جناحيه، والديكة ما زالت في خميلتها تمرن صوتها للصباح. كنت أستعجل الذهاب إلى المطار، وأحلم بأن ألقاك هناك لعل عينيّ تتزود منك بما يخفف عني وجع البعاد. أراك تضحك من رومانسيتي، وأنا القاسية، كما تنعتني، التي تحتاج إلى دورات تأهيل ترفعني إلى مستوى حساسيتك وعذوبتك. قد أكون جافة وقاسية في بعض الأحيان، لكن حبي الكبير لك يعقل لساني. أراك تضحك، لا بأس أحبك أن تضحك. دعنا من ذلك الآن، وتعال معي لنتمتع أنت وأنا برؤية الغيوم. فها أنت تراها بعين وأنا أراها بعين. ياه لو تعرف كم قصَّر الأدباء في وصف الغيوم، حين نعتوها بقطيع من خراف. إنها والله ورود بيضاء مزروعة في بستان سماوي، يبدل ألوانه بين لحظة وأخرى بين الرمادي والأزرق واللازوردي. لا تبتعد، انتظرني. فسوف أجمع ليديك، باقة منها.
في اللحظة التي تسفر الغيوم عن وجه الأرض، تظهر مئات البيوت بسقوف قرميدية حمراء. تنداح في أراض واسعة نظيفة كمرآة، منضد بعضها إلى جانب بعض وكأنها أرتال جيوش منظمة. تجتاز الطائرة الآن مطبًا هوائيًا قاسيًا، وكل ما في الطائرة ومن فيها يرتعش ريشة في مهب الريح. أسمعك تقول: اهدأي، ولا تخافي. فأنا معك، صدري يحميك ويداي تضمانك. أحاول أن أستجيب لكلماتك وأبعد الخوف من نفسي، فأراه يتسرب إليها من وجوه المضيفات والمضيفين. من تحركاتهم العصبية، ومن أصواتهم المرتبكة وهي تحث الركاب على العودة إلى مقاعدهم من الممرات ودورات المياه.
** عاد الهدوء إلى جو الطائرة، وعاد الركاب كلٌّ إلى شأنه. في دقائق وَسَنِكَ بين جوانحي، عبرنا فوق سلسلة صخرية. لمعان الصخر ذكرني بما تقوله عن لمعان بشرتي، ونقائها. شوقي إليك، خلق بيني وبين التواءات الصخور تآخيًا يتوق إلى مخاصرتها.
لأول مرة ترى عيناي صخرًا يتلوى لَيَّنًا مغناجًا، تحت وطأة لمساتنا. ترى لو عرف الشخص الذي إلى جانبي بما يدور في ذهني وبما يصوره خيالي، لضحك حتى استلقى على قفاه ظنًا منه أن بي مَسًّا من جنون. النوم يخاصم القسم الأكبر من ليلي، والسفر إليكِ نهارًا يجمَل نهاري. ففي كل صباح أطير إليك عبر تخيلاتي أستمع إلى صوتك الهادىء الحنون، كم أحب نهاري معك، فمتى يكتمل يومي؟
** وصلت باريس ظهرًا، متعبة حد الإعياء. لكنه لا يعفيني من قطع مسافة تعدل ثلاثة كيلومترات، للوصول إلى المبنى الذي سأنفذ منه إلى الطائرة المسافرة إلى هلسنكي. ها أنا أمشي مرة وأركض مرة أخرى، إلى أن وصلت واستلمت بطاقة الركوب.
الآن أجلس على أول كرسي صادفني، وأغمض عيني لعلني أسعد بإغفاءة قصيرة. الزمن يمر بطيئًا، والانتظار ثقيل الوطأة على الغرباء والمتعبين. لا شيء مريح، في قاعة الترانزيت. مجموعة من اليابانيين يتكلمون بصوت عال مزعج، وبلغة يصعب على الجن الأزرق فهمها. والكراسي المعدنية، تئن وتتوجع من أدنى حركة تصدر عن الجالسين عليها. نسيت أن أخبرك أيها الغائب الحاضر أنني في أثناء وقوفي بالدور لاستلام بطاقة الدخول إلى الطائرة، كان يتقدمني شابان. وعندما عبّرت عن تعبي بكلمة: يا الله لمحت في عين أحدهما لمعة فرح، فأدركت على الفور أنه عربي. أحببت أن امتحن فراستي، فسألته بالإنكليزية: ذاهب إلى هلسنكي؟ فردّ بالإيجاب. قلت: هل أنت فنلندي؟ فأجاب بالإنكليزية: لا، نحن مغربيان. وأشار إلى صديقه. فقلت له: لماذا لا ترد على سؤالي بالعربية. فقال: لا أعرف منها غير بضع كلمات وباللهجة المغربية (الصعيبة)، فأنا ولدت في فرنسا وأعيش فيها. ماتت الكلمات على شفتي، وطغت على روحي مشاعر الحزن. تمنيت لو لم (أتحركش) بهما، ولم أسمع ما سمعت. أرأيت كيف الغرب يحاربنا؟ إنه يحاربنا بأولادنا، أي بأغلى ما نملك. يستقطبهم واحدًا بعد الآخر، باسم العلم. يحشو أدمغتهم بثقافته وعاداته، يغريهم بالعمل ويمنحهم الجنسية لكي ينسوا هويتهم العربية.
** في الطائرة إلى هلسنكي، كان الطعام جيدًا والشاي لذيذًا، والمضيفون الفنلنديون أكثر رقة ودماثة وتعاونًا من نظرائهم الفرنسيين. من نافذة الطائرة سقطت عيناي على بحيرات وبيوت، ومساحات من الأرض لا ضفاف لها. مستوية مثل لوح زجاجي بأشكال هندسية مختلفة، وملونة بألوان الطيف والتربة. سبحان خالق الأكوان، لماذا خص هؤلاء الناس بالذوق والإبداع؟ جولتي في الأرض وبين الغمام انتهت، فدعني أسند رأسي إلى المقعد وانفرد بك وبذكرياتنا الماضية. هل تعلم أن عينيّ لم تغمضا، إلا عندما جعلتَ يدك وسادتي؟
** بعد ثلاث ساعات من الطيران، هبطنا في مطار هلسنكي. سألنا عن توقيت الطائرة المسافرة إلى تامبيرى، وعن سعر البطاقة. فقال الموظف: الرحلة القادمة بعد ساعة، وسعر البطاقة مئتا يورو. لحظ دهشتنا من غلاء سعر البطاقة، فأشار علينا بأن نلحق الباص المتجه إلى محطة القطارات، لنأخذ القطار إلى تامبيرى. نصيحة الموظف جاءت في محلها، فالباص مريح ومدهش بأناقته ونظافته، وكأنه خارج للتو من الوكالة. الموسيقا بشجنها وروعة نغماتها، كسرت جمود الصمت المخيم على كل من في الباص.
حينما وقفت على عتبة الباص تفرس السائق في وجهي، وسألني عن جنسيتي. وعندما قلت من سورية، ابتسم بمودة وقال: نحن جيران، فأنا من مقدونيا. في تلك اللحظة شعرت بأن علاقة قربى تربطني به، إنها نسائم المتوسط. الرحلة المريحة، حررتني من وطأة الزمن. ودعت السائق وشكرته على ذوقه ومهارته، وأنا أترجل أمام محطة القطارات.
** صدمني منظر المبنى من الداخل، بأرض موشومة بأكوام من أعقاب السكائر. حجزنا "د. شهابي وأنا" بطاقتين في الدرجة الأولى التي تقع في الطابق الثاني من القطار، بسعر (38) يورو لكل بطاقة. ولأننا محكومان بساعتين من الانتظار، جلسنا في مقهى يقابل الرصيف الذي ينطلق منه القطار. أفواج من البشر كانت تمر بنا، فلفتني غياب الجمال عن النساء. البدانة طاغية والأناقة غائبة، والعري فاضح. فضلت أن أنصرف عن مراقبة الناس، "فمن راقب الناس مات همًا".
أسكتُّ جوعي بساندويش هامبرغر، ورويت عطشي بماء مثلج. ثم أرحت قدميّ على حقيبتي، وسافرت إليك لأقص عليك ما جرى ويجري.
** تحرك القطار الكهربائي في الساعة العاشرة وأربع دقائق، موعده المحدد. فراغ بشري يلف العربة، فليس فيها سوى الدكتور إبراهيم وأنا.
لحظات وتطل علينا سيدة تدفع أمامها عربة مليئة بمشروبات روحية وغازية وقطع الشوكولاته والبسكويت، اشتريت منها شرابًا مثلجًا ولوحًا من الشوكلاته. ضوء النهار رافق رحلتنا معظم الوقت، وظلت الرؤية ممكنة إلى ما قبيل منتصف الليل. الطبيعة رائعة، أشجار باسقة كثيفة الأغصان والأوراق، وجداول تماشي سكة القطار من الجانبين.
مروج خضراء، تنهض فيها نباتات تحني سوقها لمداعبة النسيم. الصمت المسيطر على العربة، أنعس عينيّ فنمت.
عند منتصف الليل، وصلنا "تامبيرى". جرجر كل واحد فينا نفسه وحقيبته، وصعدنا من المحطة إلى الشارع الذي أوصلنا بلا عناء إلى فندق "فيكتوريا" مكان إقامتنا.
لا شيء صعب في هذه البلاد، وجود اللافتات التي توضح المداخل والمخارج والشوارع والمسارب الجانبية، تمنح الغريب ضوءًا هاديًا يوصله إلى أي مكان يريده.
 حقوق المترجم في الواقع الراهن والتحديات المستقبلية.
 أخلاقيات مهنة الترجمة ومستقبل هذه المهنة
  مشكلات الترجمة الأدبية والإعلامية والطبية العلمية والتقنية.
 مشكلات المصطلحات الفنية والمركزية، وطرق توحيدها.
 مشكلات الترجمة الفورية في المؤتمرات.
 آليات الترجمة، وطرق تطويرها.
 مناقشة الأجور الذي تعطى للترجمة بجميع أنواعها، وهل ينال المترجمون الأجور التي
يستحقونها.
 علاقة كاتب النص بالمترجم وعلاقة المترجم بالناشر، وكيفية تنظيم هذه العلاقة.
 الترجمة كحرفة، والوضع المادي للمترجم.
 
نقاش

ناقش المشاركون العوائق التي تعترض مسيرة مهنة الترجمة، ووجدوا أنه يمكن تذليلها أو تذليل بعضها إذا تعامل المترجمون مع مهنتهم على أنها شكل من أشكال التواصل الإنساني والحضاري. مما يرتب على المترجم أن يتمتع بمعرفة واسعة عن الثقافة التراثية والشعبية والاجتماعية للأمة التي يترجم عنها. كما عليه أن يتقن لغته الأصلية واللغة الأخرى ليتسنى له أن يترجم بكل دقة ما اتفق عليه، باسم المصطلحات المحلية.
في إحدى حلقات مناقشة حقوق الحماية الفكرية للكاتب وللمترجم، شارك الدكتور الشهابي بمداخلة تحدث فيها عن القانون /12/ المتعلق بحقوق المؤلف والحماية الفكرية في سورية، ويخص الكتاب والمترجمين والموسيقيين والفنانين التشكيليين والعلماء، وكل من يسجل أعماله أو مخطوطاته في وزارة الثقافة. وأشار في مداخلته إلى بعض العوائق التي تعترض عمل المؤلف والمترجم والناشر، وتمنى على المؤلفين الغربيين أن يساعدوا الناشرين والمترجمين في سورية وفي غيرها من الدول النامية، بمنحهم حق الترجمة مجانًا أو لقاء مبلغ مالي زهيد يتناسب وسعر الكتاب في هذه البلدان. وأشار إلى ضرورة مراعاة الظروف والقوانين والتشريعات الخاصة بكل دولة عند توقيعها الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف، التي ترمي إلى القضاء على السرقة والقرصنة والانتحال.
مداخلة، وتمنيات في إحدى الجلسات منحوني فرصة تحدثت فيها عن الدور الرائد الذي قام به العرب في ترجمة العلوم والفلسفة عن اليونانية القديمة إلى اللغة العربية وانتقالها عنهم إلى أوروبا، مما ساهم في إنقاذها من مرحلة الظلامية التي كانت تعيشها.
وأشرت إلى دور سورية في إغناء التراث الحضاري الإنساني، بالأبجدية والنوتة الموسيقية والحرير الموشى والزجاج الملون والأصباغ والتجارة البحرية. ومن خلال حوار متبادل أكدت على غياب الطائفية عن المجتمع السوري الذي يعد انموذجًا عن العيش المشترك.
أحزنني بعدنا عن الترجمة في الحقل الإنساني، وتغييب ثقافتنا عن العالم. وشعرت بحاجتنا إلى عمل حثيث لكي تستعيد الثقافة العربية وآدابها ألق الترجمة، وتنميتها وازدهارها. لنتواصل مع الثقافات الأخرى ونتعرف من خلالها إلى مختلف الأنماط الحياتية والمفاهيم الفكرية والاجتماعية.
 
حفلات ترفيهية
التنظيم الرائع الذي تحلى به المؤتمر، عبّر عن كياسة مذهلة وعقلية حضارية أكدت قدرة الإنسان على إبداع الجمال وخلق السعادة والطمأنينة. فكل شيء سار بدقة ساعة لا تؤخر عقاربها ولا تقدم، بدءًا من استقبال المشاركين وحفل الافتتاح وانتهاء بحفل الختام، مروراً بتأهيل قاعات المحاضرات وتنفيذ النشاطات العلمية والاجتماعية ومنع التدخين داخل المبنى، واختيار فنادق لإقامة المشاركين ومرافقيهم تقع في محيط مركز المؤتمرات، مما جعل حضورهم وذهابهم سهلًا، وأغناهم عن وسائل النقل. أما الفسحات الترفيهية الثلاث التي دعا إليها اتحاد المترجمين الفنلندي، فكانت الأولى عبارة عن عشاء مفتوح جاء تحت عنوان (لنكن معا)، وأقيم في مبنى تراثي عتيق، عزفت فيه الأوركسترا موسيقا فنلندية راقصة جعلت بعض قدود الساهرين تتمايل فرحًا ونشوة.
والفسحة الثانية كانت رحلة في بحيرة أوصلتنا إلى جزيرة ذات مروج خضراء فيها كنيسة ومطعم صيفي وقاعة رقص وحمام ساونا، ومكان للشواء وملعب غولف وملاعب فوتبول للكبار وللأطفال. فأكل من أكل وشرب من شرب ورقص من رقص واستحم في الساونا من رغب بإطفاء ظمئه في الماء الملتهب.
أما الفسحة الثالثة فكانت مسكًا بكل تفاصيلها، عشاء موسيقيًا راقصًا، أحيته مطربة فنلندية شهيرة سحرت المستمعين بصوتها وحضورها وأغنياتها. وقد حضر إليه جميع المدعوين نساء ورجالًا بلباس السهرة، وأكلوا فيه وجبة طعام من لحم الغزال وشربوا حتى الثمالة.
قبل أن أختم لا بد لي من التعريف بمدينة تمبرى الجميلة، المبنية على ضفاف نهر (تاميركوسكي). وتقع في وسط فنلندا، وتعد ثاني أكبر مركز إقليمي بعد منطقة العاصمة هلسنكي. إنها مدينة كبيرة بجو مدينة صغيرة، بفضل مناخها المعتدل وجوها النقي الذي لم تلوثه الآلة الصناعية. تسور النهر الذي يتوسطها، مقاه ومطاعم بمختلف درجاتها.
على الجانب الآخر من النهر تقوم كنيسة أرثوذكسية شرقية، مبنية على الطراز الروسي. دخلت الكنيسة مع أودرن، فبهرتني أيقوناتها النفيسة، والزخرفة في سقوفها وجدرانها. أشعلت شمعة على نية المحبة والسلام، وخرجت.
 
جمانة طه
من كتاب "غواية الذكريات"
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية