ثورة فلاحي الشمال الوطنية بقيادة ابراهيم هنانو
د. عبد الله حنا:
1920 - 1922
1 – الفلاحون بين الاستسلام والراديكالية
بعد احتلال الفرنسيين 1918 لاسكندرون قاموا باحتلال أنطاكية وحارم بمساعدة البريطانيين، الذين ضغطوا على الحكومة العربية في دمشق لعدم القيام بأي اجراء معاكس والتسليم بالأمر الواقع. وقد أثار هذا الاجراء، الذي أيده معظم كبار الملاك في حارم والمناطق المجاورة وعارضه قسم من كبار الملاك ذوي النزعة الوطنية، الذين سعوا لحشد الفلاحين وقيادتهم في النضال ضد الاحتلال الفرنسي. فتشكلت في كفر تخاريم لجنة للجهاد لم تكلل أعمالها بالنجاح، أعقبتها لجنة تشريعية تجمع الأموال والتبرعات من الأهلين لتمويل الثورة. وفي أرمناز شكل المعادون للاحتلال الفرنسي حكومة ثورية لتنظيم الشؤون الادارية والمالية.
ولوحظ سرعة استسلام صبحي بركات، الذي قاد التحرك المسلح ضد الفرنسيين بعد هزيمة الحكومة العربية في دمشق واحتلال الفرنسيين للداخل في تموز 1920، ولكنه سرعان ما سار في ركاب الفرنسيين . وبقي الجناح الراديكالي الوطني من كبار الملاك، الذي استمر رافعا راية النضال الوطني المناهض للاحتلال الفرنسي حتى النفس الأخير. وهذا الجناح الوطني الراديكالي اعتمد اعتمادا كليا على الروح الوطنية لدى جماهير الفلاحين في كفر تخاريم وسلقين وجبل الزاوية وغيرها من المناطق الثورية في منطقة ادلب. كما حاول الاستفادة من الصراع بين الأتراك الكماليين والفرنسيين المحتلين كيليكيا وجنر الاناضول.
2 – ابراهيم هنانو والقيادة الوطنية الثورية للفلاحين
قاد ابراهيم هنانو (1869 – 1935) ما عرف باسم ثورة الشمال (1920 – 1922)، وبذل كل ما يملك في سبيل نجاحها. كان والد ابراهيم هنانو كرديا متعربا من ملاك الأرض ومن أعيان كفر تخاريم. ولم يكن الوالد راضيا عن اتجاه ابنه إلى الدراسة ودخول الوظائف وترك مزارعه.
***
كان ابراهيم هنانو عضوا في المؤتمر السوري 1919 في عهد الحكومة العربية ولم يكن راضيا عن سياسة الجناح الداعي إلى المساومة مع الفرنسيين. فانسحب من المؤتمر عائدا إلى حلب، وله قول معروف: "السياسة ما بتطعمي خبز". و في حلب عمل رئيسا لديوان المحافظة، وكان على اتصال وثيق بالحركات الوطنية الثورية في منطقة انطاكية المحتلة من المستعمر الفرنسي، وكان احد قادتها والمنظم الرئيسي لها. وقد برز دوره النضالي بعد تراجع العناصر المتخاذلة من أمثال صبحي بركات على اثر هزيمة ميسلون في 24 تموز واحتلال الفرنسيين لدمشق وكانا قد احتلوا حلب دون مقاومة قبل يوم واحد من احتلال دمشق.
***
قبل يوم ميسلون بفترة عهدت الحكومة الوطنية العربية في دمشق إلى الضابط الوطني الملازم المجاهد ابراهيم الشغوري من أهالي كفر تخاريم، ليكون ضابط الارتباط بين الحكومة العربية في دمشق والمجاهدين في المناطق المحتاة في انطاكية وإلى الغرب من حلب. فتولى الشغورري أمر تدريب الثوار على استعمال القذائف اليدوية، ووضع الخطط الحربية لضرب المواقع العسكرية الفرنسية، فكان هذا الضابط مخلصا في تطبيق ما عهد إليه من أعمال ثورية خطيرة. ولهذا اصطفاه الزعيم ابراهيم هنانو لمرافقته وجعله أمين سر قيادة الثورة، وظل وفيا لواجباته متفانيا في خدمة الثورة وزعيمها حتى النهاية .
ومن العمليات التي قام بها ابراهيم الشغوري أنه قاد في / 18 / نيسان / 1920 / خمسين فلاحا مجاهدا (أربعون من كفر تخاريم وعشرة من سلقين) وحاصر قلعة حارم التي تحصن فيها مئتا جندي فرنسي.
وقد أدى هذا الحصار إلى انتشار لهيب الثورة في المناطق المجاورة. حيث سارع عدد كبير من المسلحين للالتحاق بالثورة و احكام الحصار على القلعة. ولم يتمكن الفرنسيون من فك الحصار المضروب على القلعة مدة تزيد على الشهرين إلا بعض وصول النجدات الفرنسية من الساحل المحتل من الفرنسيين.
والملاحظ هنا أن الثوار بقيادة الشغوري قاموا بالمحافظة على دار الحكومة وسجلاتها الرسمية تفاديا من النهب والاتلاف. وقد حاول بعض العربان المخيمين في المنطقة المجاورة انتهاز الفرصة والأوضاع السائدة، والتعدي على السكان بالنهب والسلب فمنعهم المجاهدون وحالوا دون التعديات والفوضى أثناء حصارهم لقلعة حارم وسيطرتهم على المنطقة في فترة النهوض الوطني الذي عم سورية بعد اعلان الاستقلال في / 8 / آذار / 1920 / وقبل هزيمة ميسلون تموز / 1930 /.
***
الأجواء الثورية المناهضة للاحتلال الاستعماري الفرنسي دفعت بنواة المقاومة إلى تشكيل "حكومة" في أرمناز لتنظيم الشؤون الادارية والمالية. وقد أمرت هذه "الحكومة" باسقاط جميع الضرائب عن المواطنين إلا اثنتين:
- ضريبة العشر: على المنتوجات الزراعية وتؤخذ عينا.
- ضريبة المواشي: وتؤخذ بمعدل خمسة قروش عن كل رأس من الماشية.
الأمر الهام، الذي يستدعي الانتباه، هو سير هنانو على خطة دعوة زعماء ووجهاء مناطق الشمال (ادلب – كفرتخايم – جسر الشغور – حارم) والتداول في أمر اشعال الثورة وتويسع نطاقها، وهذا مما أضفى على الثورة الوطنية الفلاحية في الشمال طابعا ديموقراطيا يحمل سمات الشورى المتلائمة مع ظروف ذلك العهد ومفاهيمه ونسبة القوى الطبقية السائدة في الريف. ويعود أحد أسباب هذه الشورى إلى حقيقة أن ابراهيم هنانو لم يتزعم الثورة من منطلق عشائري أو طائفي. فهو لم يكن صاحب عصبية قبلية أو طائفية، على الرغم من تحدره من فئات ملاك الأرض كما أن إتمام دراسته وجولاته في المدن كوّنت لديه مفاهيم جديدة وجعلته على اتصال بالأفكار القومية العربية، واطلاع على بعض جوانب الحركات الثورية العالمية.
ومن أجل تأمين الدعم العسكري والمعنوي للثورة سافر ابراهيم هنانو إلى تركيا في أواخر شهر آب / 1920 / واتصل في مرعش بممثلي القيادة الكمالية (نسبة إلى كمال "أتاتورك") وعقد معهم اتفاقا في 6 أيلول 1920 من أجل دعم الثورة بالأسلحة والذخيرة.
من جهة أخرى كان لإبراهيم هنانو اتصالات خطية مع لينين قائد ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا. وكان هنانو يحتفظ برسائله مع لينين حتى وفاته، وقد تحدث بشأن هذه الرسائل إلى العلامة اللبناني يوسف ابراهيم يزبك، الذي ذكرها في كتابه: "حكاية أول نوار في العالم وفي لبنان" بيروت 1975 , ص 23".
ويبدو بوضوح أن ابراهيم هنانو كان عن طريق تركيا على اطلاع على مجريات ثورة أكتوبر في روسيا وأهدافها. يدل على ذلك بيانه المؤرخ في أيلول / 1920 / والموجه إلى قناصل الدولة الأجنبية والذي جاء فيه:
" اننا لانقصد من قيامنا هذا إلا حفظ استقلالنا ليمكننا تأسيس موازنة عادلة على أسس الحرية والمساواة بين جميع الطوائف... هذا وإنّ لا ننفك ندافع عن أوطاننا حتى الموت، فلسنا بمسؤولين عما يسفك من الدماء في غايتنا المشروعة نحن السوريين نموت ونتبلشف (أي نصير بلاشفة نسبة إلى ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا / 1917 / ) ونجعل البلاد رمادا ولا نخضع لحكم الظالمين".
هذه العوامل المتعددة والظروف، التي أحاطت بابراهيم هنانو جعلت منه قائدا ثوريا يتميز كثيرا عن معظم – ان لم نقل جميع – قادة الثورات الوطنية الفلاحية في سورية في فترة الكفاح المسلح (1918 – 1927) فهو بعيد عن العصبية العشائرية والطائفية مثقف على اطلاع واسع على أحوال البلاد السورية والمناورات السياسية، وعن طريق تركيا أمسى على معرفة بالحركات الثورية في العالم وفي مقدمتها ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا 1917. كما أن ابراهيم هنانو لم ينس أمر الاتصال بالبورجوازية المحلية في مدينة حلب وطلب يد المساعدة من العناصر الوطنية الواعية داخل تلك البورجوازية...
ولكن.. ثمة أمر حد من نشاطات وامكانات ابراهيم هنانو وهو القاعدة الاجتماعية، التي اشتركت في الثورة والمؤلفة عموما من فلاحين غارقين آنذاك في غياهب الجهل والأمية وخاضعين لجملة عوامل كانت تتحكم في الريف السوري في عهد السيطرة الاقطاعية العثمانية، وتفرض على الفلاح نمطا من الحياة والتفكير والمفاهيم الغيبية، التي تعرقل انتشار الروح الثورية وتهيء أرضية صالحة للعناصر المتخاذلة والفوضوية أو الراغبة في التعاون مع المستعمر المحتل.
كما أن ضعف أو هامشية البورجوازية المحلية في المدينة (المقصود هنا حلب) لم يساعد على انتشار أفكار التنوير والنهضة وأبقى الأكثرية الساحقة من السكان على جهل مطبق بما كان يجري من ثورات تحررية في العالم، وبالتالي تقلص انتشار الأفكار الليبرالية في فترة النهوض الوطني المسلح في عشرينات القرن العشرين.
ومعنى ذلك أن ابراهيم هنانو ومن التف حوله من نواة وطنية فلاحية واعية نسبيا لم تكن قادرة رغم نضالها المستميت، على تنظيم الثورة تنظيما دقيقا صارما يمنع أعداءها من استغلال نواقصها لضربها من الداخل.
وعلى الرغم من ذلك فإن هنانو كان يجوب المناطق الداخلة ضمن نفوذ ثورته للاشراف على تنظيم الحركات والتنقلات وتمهيد السبل أمام القوات الوطنية وتهيئة الوسائل لتأمين الغذاء والعتاد الحربي، وألف محكمة للثورة للنظر في حسم الخلافات والحوادث التي تقع في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ومحاكمة الخونة والجواسيس. كما اهتم بأعمال اللجنة الوطنية التي كانت تجمع الضرائب من الأهلين.
والبادرة النادرة، التي قام بها هنانو، حسب ما ترويه الكتب، هي اقدامه على احراق أثاث بيته ومحتوياته المنقولة وغير المنقولة، والمطحنة الكائنة في احدى قريتيه (الست عاتكة والحامضة) وجميع أدوات الفلاحة
كيلا تقع غنيمة بأيدي المحتلين ولكي يقدم نموذجا ثوريا للمجاهدين ويدفعهم إلى التضحية والفداء.
ومع الأسف فاتني أن أسأل عن حرق أثاث بيته عندما زرت بيته في عداد المشاركين في ندوة ادلب عن ثورة هنانو، كما سيأتي فيما بعد.
***
الحلقة القادمة: الثورة، تنظيمها، حلفاؤها، وأوضاعها