رسالة فخري البارودي إلى المشير عبد الحكيم عامر
بسم الله الرحمن الرحيم
سيادة المشير!
من نعم الله جلت قدرته – علي – أن مد لي في عمري حتى رأيت بأم عيني ما كنت أتمناه، منذ نشأتي الأولى، هذه الوحدة تتحقق في سورية ومصر كخطوة أولى في سبيل الوحدة العربية الكبرى.
واعتماداًعلى تأييدي المطلق لهذا العهد، وبوادر النجاح والفلاح رأيت من واجبي كجندي قديم في موكب القومية العربية أن أريح ضميري فأستلهمه بعض الملاحظات التي اعتبرها واجباً حتمياً لكل مواطن.
سيادة المشير... جاء في الأمثال أنه قيل لعنترة بن شداد: كيف تستطيع أن تضرب ألفاً من الرجال؟ فأجاب حين يكون ورائي ألف رجل.
والرئيس – مد الله في عمره – بحاجة لأن يكون جميع معاونيه مضافاً لهم جميع رجال الدولة، على غراره يعملون ضمن اختصاصهم وخبرتهم، بعون من إخلاصهم على تنفيذ رغباته وتحقيق أهدافه وتطبيق برامجه.
إن تغيير الحكومات بالانقلابات أو بغيرها لا يكفي إنقاذ الأمة من الرؤوس الفاسدة في الإدارات إذا ما بقي سائر الأعضاء في ركودهم وتقاعسهم عن أداء الواجب، فإذا بقي الأمر بين رئيس يأمر وموظفين لاينفذون أوامره، انتشرت الفوضى في البلاد وكم من عضو فاسد في جهاز الدولة غير مجرى التاريخ.
الدمقراطية كلمة محببة إلى الشعوب، ولكننا مع الأسف أصبحنا نشاهد كثيراً من الدول التي تدعيها على غير حقيقتها، تتخبط في مآزق حرجة لا يعلم إلا الله مدى ما ستحدث من أضرار، فالعبرة في تطبيق النظم والمذاهب الاجتماعية لافي طريقة تشريعها ووضع برامجها.
ياسيادة المشير!
نحن اليوم على أبواب مرحلة جديدة، في تأسيس كياننا الدولي، وغداً سيقتتح مجلس الأمة، ولست أدري تفهم أعضائه لنظام الاتحاد القومي بروحه وجوهره. ولست وحدي في حيرة من الأمر، مهما حاولت فهم الشروح والتفسيرات التي تصدر كل يوم عن شخص مسؤول أو عن أشخاص غير مسؤولين. وقد اجتمعت إلى الكثير من أعضاء الاتحاد وسألتهم فأجابوا أنهم لايعلمون شيئاً عما سيفعلون. وغالباً ماتكون قيمة الأعمال الباهرة على مقدار تفهم الرجال لهذه الأعمال.
سيادة المشير!!
نحن إلى الآن لن ندرك مدى مايفعله سلاح الدعاية فأهملنا هذا السلاح، ولم يعد لنا الأجهزة الكافية لرد دعايات أعدائنا بحقنا بدعاياتنا المضادة.
إن الدولة الناشئة عادة لاتخلوا سياساتها الانشائية من أخطاء وإنما تظهر قوة الدولة في تحري أخطائها، وابتكار الأساليب لتصحيح هذه الأخطاء. وإني أرى بعين مجردة مخلصة ونظرة بريئة من كل غرض، أنه من أكبر هذه الأخطاء، هو قانون الإصلاح الزراعي، وفي يقيني أن الواجب يقضي إزالة الممنوع بعد أن زال المانع، ذلك لأن النتائج السيئة التي نشأت عن تطبيق هذا القانون كانت أعظم مما نتصور، ولايطيق الشعب المناضل الكادح ان يتحمل سوء هذه النتائج أمداً طويلاً لأن في ذلك إرهاقاً لجسده وقتلاً لكل نشاط، وقضاء على كل أمل في مستقبل باسم.
إن الحالة الاقتصادية في البلاد تدعوا إلى التفكير العميق، فالمواسم الشتوية الثلاثة الأخيرة جاءت سيئة، وبدأ الفقر على بعض المناطق، وفي الوقت نفسه تسرب الخوف إلى قلوب الناس نتيجة القوانين الجائرة، كقانون إنشاء المؤسسة الاقتصادية، وقانون العمل الموحد وغيره من القوانين الجائة... أو من نتائج الاشاعات التي حاقت بالدولة فهذا يقول إن دولتنا اشتراكية ولن تبقى فيها ملكية صناعية أو زراعية أو عقارية لأي مواطن، وذلك يدعي بأنه سمع بأشكال وأنواع من استيلاء الدولة على اموال الناس، مما يشبه البلاد الاشتراكية المتطرفة كيغوسلافيا.
فهذ الاشاعات سببت القلق والخوف في نفوس أصحاب المشاريع والأموال فمنهم من يكتم قلقه إلى حين وقد هرب كثير من المواطنين قسماً كبيراً من أموالهم. ومنهم من أخذ يهرب أمواله إلى بلد قريب أو أطلق الحرية والربح إلى ما لانهاية، وتطرف في ذلك حتى طبق سرية الحسابات في المصارف وإعفاء فوائد الودائع من الضرائب.
وبين القلق والتخوف وعدم الطمأنينة وبين هذه المغريات من كل نوع يقف أصحاب المشاريع ورؤوس الأموال في معركة لن تكون خير لاقتصاديات بلدنا وقد تزول الثقة من النفوس. وإذا فقدت الثقة فالخطر لا سمح الله واقع. وفي ذلك تهديد لبرنامج التصنيع والتنمية الاقتصادية ولنقدنا ولمستوى معيشتنا وبالخلاصة تهديد لكياننا.
والحل بسيط وقد جربتموه أول يوم جئتم أول مهمتكم. فقد أعطيتم بعض التصريحات المطمئنة التي أزلت كل قلق وخوف وأصدرتم التشريعات المشجعة وأفهمتم الناس أن الدولة لا تريد أن تحل محل الأفرد في الشركات، وأنها تشجع رأس المال الخاص، فانطلق الناس في مشاريعهم بعد ركود.
وكانت نهضة وانطلاقة تستطيع أن نفخر بها اليوم، فطمئنوا الناس، وأرسلوا لجنة من علماء اختصاصيين في هذه الأمور، حياديين بعيدين النزعة الحزبية يعرفون الإقليم معرفة دقيقة ومطلعين على روح الأهلين في هذه البلد. وأعطوا اللجنة الصلاحيات اللازمة لبيان كل ما يتراءى لها من أخطاء وصواب.
يا سيادة المشير........
إن الرجوع عن الخطأ خير من التمادي فيه . وفقكم الله إلى مافيه الخير والصلاح والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من صفحتي: "سامر الموسى" و "حكايا من التاريخ السوري"