كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أُبي حسن: بين بشار الأسد ومحمد علي باشا.. وفي التآمر الغربي عليهما

صدق من قال إن "الغرب لا يحارب الرئيس السوري بشار الأسد للسلبيات التي اعترت حكمه, بل يحاربه للإيجابيات التي حققها لشعبه"(1) في العقد الأوّل من تسنمه منصب الرئاسة..

في هذه العجالة, لن نتطرق إلى أهداف الغرب ومراميه من هذه الحرب, ولا إلى أطماعه في المنطقة. وكذلك الأمر, سنغض النظر عن دواعي العثمانيين الجدد, وأعراب النفط وغاياتهم من النار التي يؤججونها في حاضرة بلاد الشام.

الآن, وبمعزل عن مشروعية السؤال: "متى كان الغرب ينزعج لوجود أنظمة متخلّفة سمتها الاستبداد والفساد وهلم جرا؟" بدليل محاباته لأكثر الأنظمة قروسطية في المنطقة, أي نظام آل سعود, نجد أن هذا الغرب يتكالب على سوريا في حرب لم يشهد التاريخ نظيرها, تكاد تكون –في نهاية المطاف- للأسباب ذاتها التي حورب لأجلها محمد علي باشا, إذ لم يُحَارب الاخير كونه كان "مستبداً" ولعله لم يكن كذلك إذا ما أخذناه في سياقه التاريخي ووفق الظروف التي برز في خضمها (فترة حكم محمد علي امتدت من 1805م- 1848م), ولم يحشد الغرب جيوشه وطاقاته لتقويض حكمه وطموحه لاعتباره متخلّفاً, بل على العكس من ذلك, إذ سارع الغرب للقضاء على محمد علي نظراً لطموحه في جعل مصر دولة مرهوبة الجانب على الصعد كافة (عسكرياً واقتصادياً وعلمياً وإدارياً.. الخ) باعثاً فيها نهضة بعد طول خمود, فخلال فترة حكمه، استطاع أن ينهض بها عسكريًا وتعليمياً وصناعياً وزراعياً وتجارياً، مما جعل منها دولة ذات ثقل وازن في تلك الفترة، إلّا أن حالتها تلك لم تستمر بسبب ضعف خلفائه وتفريطهم في ما حققه من مكاسب. ناهيك أنّ جيشه هدد بالقضاء على السلطنة العثمانية وإسقاط عاصمتها بعد أن كاد يصل تخومها, وطموحه ذاك, كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير(2).

الأمر ذاته, يتكرر –الأن- في سوريا, مع فارق أنّ دول العدوان ازدادت أضعافاً مضاعفة, وأدواته تعددت, وأساليبه تنوعت, عما كانت عليه في عهد باني نهضة مصر.

وقبل الوغول في الفرق بين حرب الأمس –على محمد علي- واليوم –على بشار الأسد-, لا بأس أن نذكّر ببعض انجازات الرئيس السوري خلال عقد من الزمن, دون أن نغفل الاشارة لبعض السلبيات التي تلطى خلفها المتآمرون مطلع الحرب.

-كانت ديون سوريا الخارجية, في عهد بشار الأسد, تساوي صفراً.

-بناء مصنعين للسيارت في سوريا, إحداها في مدينة عدرا العمالية (ريف دمشق), والثاني في المدينة الصناعية بحسياء (ريف حمص). وكان بمقدور أي موظّف اقتناء سيارة خلال أقل من عام!

-إشادة عدد من الجامعات الخاصة بأسعار تعتبر مقبولة نسبياً في ظل ارتفاع معاشات الموظفين. وكذلك توفير فرص التعليم الجامعي للمتقدمين في العمر ممن فاتهم التحصيل الجامعي (التعليم المفتوح, مثالاً).

-الزيادات شبه المستمرة التي كانت تشهدها معاشات الموظفين, في القطاعين العام والخاص, قبالة ضبط معقول لأسعار السلع الاستهلاكية والغذائية وسواها.

-زيادة عدد المستشفيات الوطنيّة التي تقدّم الطبابة والعمليات الجراحية, بمختلف أنواعها ومسمياتها, مجاناً للمرضى, وإن تقاضت أجراً في بعض الحالات الخاصة, فيكون رمزياً. إذ تكاد لا توجد مدينة في سوريّا, مهما ضؤل حجمها, إلّا وفيها مستشفى!أ محمد علي باشا

-اتساع هامش الحرية والنقد السياسيين بشكل ملحوظ, ولنا أن نتذكّر هنا ظاهرة المنتديّات التي كانت تحفل بنقاشات وانتقادات حادة (بعضها موضوعي, وبعضها مبالغ فيه, وآخر منها دافعه الحقد والشخصنة) للنظام والحزب الحاكم والحكومة. ولا ضير أن نؤكّد هنا, أنّ عدد سجناء "الرأي" الذي شهدتهم تلك المرحلة لم يكن يتجاوز 15 معتقلاً, وللأمانة فإن أغلبهم سُجن لأسباب لا علاقة لها بالرأي, بل لارتباطات مشبوهة تُفضي لتنفيذ أجندة خارجية, وهذا ما برهنت عنه الأحداث الراهنة. وفي الحالات كافة, كانت الأحكام القضائية التي طالتهم دون الجرم الذي ارتكبوه بكثير.

-الانفتاح الاقتصادي, وكان له سلبياته قبالة ايجابياته.

-دعم الرئيس السوري لحركات المقاومة (وإن كانت هويتها إسلامية) ضد العدو الإسرائيلي, وهذا ما زاد من نقمة الغرب عليه, ولعلنا نتذكر لائحة المطالب التي قدمها له كولن باول وزير الخارجية الأمريكية بُعيد احتلال العراق وسقوط بغداد ربيع 2003, وهي لائحة رفضها الرئيس السوري في ظل ظرف جيوسياسي شديد الحساسية والتعقيد, ومناخ دولي مشحون على خلفية 11 أيلول 2011. ومثل هذه الضغوط والمناخات السياسية المتلبدة لم يعرف شبيهها محمد علي باشا في مصر خلال فترة حكمه, لاسيّما العقد الأوّل منه.

أمّا في الجانب السلبي, الذي شهده العقد الأوّل من القرن الماضي في سوريّا, فنشير إلى أنّ القضية الكوردية لم يتم حلّها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا, وبذلك بقي العربي السعودي الوهابي مُفضلاً لدى دمشق ومرحباً به أكثر من بعض السوريين الكورد كأولئك الذين كانوا محرومين من الجنسيّة.

الثقة الزائدة, من قبل القيادة السياسية, ببعض أصدقاء الأمس (أعداء اليوم), مثال تركيا, وهذا ما صرّح به الرئيس السوري في إحدى حواراته الصحفية الأخيرة.

إفساح المجال لبعض الحلفاء الإقليميين لزيادة نشاطهم في سوريا, بطريقة استفزت أطياف واسعة من الشعب السوري (وللأمانة, كان ثمة تماد في ذلك النشاط الذي نعنيه, وكان استفزازياً فعلاً), ومثل ذلك النشاط كان من المحظورات في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد.

حكر الكتلة النقدية التي كانت تصرف كمنح من الرئيس السوري من حين إلى آخر, بفئة الموظفين فقط, دون أي مراعاة لمشاعر وحاجات جموع العاطلين عن العمل في سوريّا, وبالآتي عدم إيجاد حلول مجديّة بغية الحدّ من مسألة البطالة. وقد كان بالإمكان تخصيص تلك الكتل النقديّة, التي (كانت) تُوزّع منحاً, لإقامة مصانع وما شابه لامتصاص شرائح غير قليلة ممن يعانون البطالة.

بالانتقال إلى راهن الحرب على سوريّا, وباكورتها, وبشيء من التفصيل, نجد أنّ هذا الغرب استغل وجود "حمير طروادة" في الداخل السوري, بعد أن عمل على "تربيتها" وتدجينها والبذخ عليها سنوات عدة, وهذا لم يكن يوجد شبيهه خلال محاربته –الغرب- لمحمد علي. (تنويه: استبدال الميم علامة جمع الذكور العقلاء بالألف, ليس سهواً).

وظّف العدوان الراهن على سوريا, ومايزال, الإعلام (والتكنولوجيا) الذي يحتكر معظمه, لأجل تنفيذ غاياته الخبيثة, قبالة افتقاده لهذا الجانب زمن محاربته للوالي النهضوي في مصر.

استثمار الغرب ذاته, في راهننا, للخلافات المذهبية ضمن الإسلام, والعمل على تضخيمها مستغلاً الخيبات التاريخية المتراكمة للمسلمين, وإثارة النعرات الطائفية, وخلق جيوش جرارة من المرتزقة بقيادة تنظيمات طائفيّة متخلّفة وإرهابية تؤدي دوراً وظيفياً لهذا الغرب (داعش, جبهة النصرة, جيش الإسلام.. الخ), وهذا ما لم يمارسه الغرب ذاته إبّان محاربته لمحمد علي باشا.

أخيراً: عجز والي مصر أن يقسم العالم الغربي لأجلّه وأجلّ قضيته التي لم تكن عادلة في كثير من جوانبها (كطموحه في توسيع مساحة ملكه), فباستثناء فرنسا, كانت معظم الدول العظمى بجانب السلطنة ضده (بريطانيا, روسيا, بروسيا, النمسا), وفي نهاية المطاف, حتى "حليفته" فرنسا خذلته. في حين نجح الأسد السوري أن يقسم العالم الغربي (والمقصود بالغربي هنا, كل ما هو غير عربي), إذا أخذنا دول البريكس بعين الاعتبار, كاسباً ثقة ومعونة حلفاء دوليين وإقليميين –أقوياء- في صفه بما يساهم في كسبه لقضية شعبه العادلة في النهوض وردّ العدوان وردعه, وبما يمكّنه من مواجهة المحور الصهيو- أمريكي- وهّابي- عثماني. وإذا كان من شأن محمد علي أن أظهر ضعف فرنسا وعجزها أن تكون حليفا قويا له, فإن بشار الاسد أعاد –من خلال صموده- الاعتبار لعظمة روسيا ومكانتها على المسرح الدولي.

(1)- يأتي في طليعة القائلين بهذا الرأي, الدكتور بهجت سليمان, السفير السوري السابق في الأردن.

(2)- للمزيد من الاطلاع, في هذا الجانب, يمكن للمهتم, مراجعة كتاب "الفرعون الأخير- محمد علي بين 1770- 1849" لمؤلّفه: جيلبير سينويه. ترجمة: حافظ الجمالي.

في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته