معن حيدر: قيس وليلى في يبرود ...
كان والدي يحدّثنا في ساعات الصفاء، خاصة تلك التي تعقب قيلولته وهو يحتسي المتة، عن ذكرياته أيام صباه وشبابه كلما وجد مناسبة لذلك، وكانت إحدى تلك المناسبات عندما ذكرتُ له أننا في نادي الإخاء في يبرود سنقوم بعرض مسرحية توفيق الحكيم (نهر الجنون) على مسرح سينما يبرود، وأنني سألعب فيها دور القاضي، وهو الدور الرئيسي في المسرحية، وكنتُ في المرحلة الثانوية آنذاك...
ويبدو أنّ حديثي أثار مكامن ذكرياته، فراح يحدّثنا مستمتعًا، وابتسامته المعهودة ترتسم على وجهه، كيف قام هو وثلة من رفاقه الشباب بتمثيل مسرحية (قيس وليلى) في يبرود في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم ضحك من كل قلبه وهو يروي لنا ما حصل معهم من طرفة أثناء أحد العروض..
وقبل أن أكمل لكم يا سادة يا كرام ما حصل، سأحدثكم ما علق بذهني عن يبرود ثلاثينيات القرن الماضي، مما سمعته منه
+كان الجميع من جيل والدي، ومن هم أكبر منهم أو أصغر يعرفون القراءة والكتابة، ومعظهم حصل على الشهادة الإبتدائية (السرتفيكا)، من مدرسة القلمون الإبتدائية ومقرها في مدينة النبك
تابع نسبة كبيرة منهم دراستهم الإعدادية والثانوية في دمشق في ثانوية التجهيز (جودت الهاشمي حاليا) أو (مكتب عنبر) أو دار المعلمين
وقسم كبير منهم تابعوا دراستهم الجامعية في جامعة دمشق، أو في جامعات بيروت، ومنهم: (صالح محمد خير عقيل)، والدكتور (أنيس دهبر)
+كان في يبرود آنذاك أيضًا مدرسة الأسقفية (ليس لدي معلومات دقيقة عنها)
+أتذكر من زملاء والدي في مكتب عنبر (عبد الحليم سويدان) الذي كان عضو مجمع اللغة العربية، وفي مرحلة لاحقة (الشيخ أحمد أمين كفتارو)...
وبعد عودة الدراسة تابع والدي دراسته.. وحين كان في سنته الجامعية الأخيرة في معهد الحقوق، وصلتْ إلى المكتبة في يبرود المسرحية الشعرية (قيس وليلى) للشاعر المصري أحمد شوقي، فتلقفها هو ومجموعة من رفاقه الشباب واتفقوا على عرضها في يبرود، في مغامرة تُعتبر آنذاك غاية في الجرأة
استأجروا منزلًا (بيت شاكر) وحوّلوه إلى مسرح، وتوازعوا الأدوار فأخذ والدي دور قيس، وعمي الأصغر (عبد الحميد) دور (ورد) زوج ليلى، أما ليلى فقد أخذ دورها شاب (زكي صوفان) أخفوا ملامحه بشال على وجهه.. وآخرون
وبعد انتهاء التحضيرات بدأتْ عروض المسرحية، واستمرتْ عدة أسابيع نظرًا للإقبال على عروضها من قبل الأهالي نساءً ورجالًا
وفي إحدى العروض وأثناء اندماج الممثلين بأدوارهم، واندماج الحضور بالعرض، وخاصة النساء اللواتي تعاطفن مع (قيس) كثيرًا، وبينما كان (قيس) في أحد المشاهد يندب حظه العاثر بعد زواج ليلى من (ورد)، والنساء الحضور المنسجمات يبكين حزنًا عليه، أجهشتْ إحداهنّ بالبكاء وقالت بصوت مسموع (يبعتلك حمّى نطف قلبنا من البكي)، قالتها على سبيل المدح، على مبدأ (يخرب بيته شو ذكي)
وكان بقربها اثنتان من أقرباء (قيس) فردّتْ عليها إحداهنّ: حمّى تحمّك... ولم تقصّر الثانية بها
وكادت أن تقع حرب ضروس ضمن الصالة، ويقول والدي إنه كاد للحظات أن ينزل من المسرح لفكّ الاشتباك، لولا تدخّل الحضور أنفسهم لفصل القوات وإنهاء الحرب بسلام... وتابعوا المسرحية...
رحمهم الله جميعًا ورحم أمواتكم وبارك بكم
وإلى اللقاء