علي كنعان: الإنسان ذو البعد الواحد.. وكارثة التشظي الاجتماعي
2020.07.29
يوم نشر الفيلسوف الأميركي كتابه (الإنسان ذو البعد الواحد) في الستينات من القرن الماضي، كنا نتصور أنه نذير مشؤوم سوف يقتصر على العالمين الشيوعي والرأسمالي، بينما سوف تظل مجتمعاتنا المتخلفة سليمة طاهرة ومعافاة من أخطار ذلك الداء تحت قناع (الدول النامية) الأيقونة التي كان يتغنى بها العباقرة من أصحاب (المزارع) الإقطاعية المتوارثة من السلطنة العثمانية. لكن النزعة الاستهلاكية الطاغية، والتي تحولت إلى سعار وبائي جارف بفعل ثورة الاتصالات وهوس التقليد الأعمى، سرعان ما هيمنت علينا، أفرادا ومجتمعات وجرفتنا جميعا بلا استثناء، وحل المجتمع السياسي المصنّع بقوالب ذات بعد قيصري واحد محل المجتمع المدني المتسامح وأفكاره الحرة ومشاوراته الجماعية العادلة. لقد التغى الحوار والتشاور حتى في البيوت وسادت الأوامر والنواهي الكهنوتية، ومن الحماقة المدمرة أن تفكر أو تحاور أو تعترض لأن (العباقرة) المحاطين بهالة سماوية مقدسة صاروا بديلا للشعوب والمجتمعات، ولا مكان للمفكرين وأساتذة الجامعات إلا بقراءة المقررات المعقمة... وطوبى لهربرت ماركوزه وكتابه المقدس (الإنسان ذو البعد الواحد).
كان الشعر ديوان العرب في النصف الأول من ذلك القرن، وكانت قصيدة الجواهري أو عمر أبو ريشة وأنشودة الشابي تحرك آلاف الجماهير، وتسقط الحكومات... يومئذ كان للفكر والثقافة دورهما المستنير والمنير الفعال في المجالس والمقاهي والمنتديات، ثم حشرنا داخل أسلاك المزارع (العصملِّية) وتحولنا، أفرادا ومجتمعات، إلى معلبات فردية زاهية في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي منابر للتسلية والاطمئنان أن الأهل والأصدقاء ما زالوا بخير ولم يرحلوا بعد، وإن كانوا مسحوقين في طواحين السوق وطغيان الغلاء...
لقد أمضيت سنة وبضعة أشهر بين دمشق وحمص، والدمار المرعب الذي شاهدته وعشت فظاعته الخانقة في هاتين المدينتين يكفيني حتى تتحول عظامي إلى رماد، حتى إني لم أجرؤ أن أزور الأحبة الأصفياء في حلب. ومما يزيد النفس قهرا أن الخراب جاء مصحوبا بوباء أفظع وأشد وبالا، وهو الفساد، بدءا من عائلتنا.. حيث صار الأخ عدو أخيه، والابن عدو أبيه، ولا يتنازل أن يتكلم معه! ولا شك أن الحالة الاجتماعية أفظع وأشد هولا وانهيارا...
هذا التفكك العائلي والاجتماعي الذي بلغ حالة مرعبة من التشظي هي التي دفعتني للفرار والعودة إلى أبوظبي، وخاصة بعد حظوتي بنيل البركة السامية والسماح لي بسفرة واحدة، وأرجو أن يأخذ الله أمانته قبل أن أغادر هذه البلاد التي تحلم آلاف الملايين، في مشارق الأرض ومغاربها، بزيارتها والعيش فيها...
هنا القانون سيد الجميع ويتساوى المواطن والمقيم تحت جناحه الإنساني الرحيم، وجميع المعاملات بالأرقام المتسلسلة، رغم وجود حوالي 200 جنسية، يعيشون جميعا بإخاء وتسامح وأمان لا مثيل له في العالم أجمع. عشت أكثر من عشرين سنة في هذه البلاد. وترى الصبية أو المرأة تسير، كما يسير الرجال، في الشوارع حتى بعد منتصف الليل.. ولم أشاهد ولم أسمع بأي حادثة تحرش أو إساءة تخل بالأدب، ولم أشاهد أي اعتداء أو تطاول على إنسان، لأن القانون هو السائد.. والأمان يشمل الجميع... وفي ظروف كوفيد، أكدت كافة الناس التزامهم بالإرشادت الصحية والإجراءات الوقائية، حتى داخل المساجد والمؤسسات.. ومسافة المترين مطبقة حتى في الشوارع وداخل الباصات.. ولا أحد يخرج بلا كمامة... ولا خوف من الجائحة ما دام القانون هو السائد والسلامة حاضنة الجميع... ومن أراد أن يعرف المدينة الفاضلة التي تحدث عنها الفلاسفة من أقدم العصور، فهي بالتأكيد هذه المدينة، جمالا ونظافة وأمنا واحتراما للذات وللآخر...