فؤاد غازي.. صوت لا تحتمله دار الأوبرا السورية
2020.08.03
مات فؤاد فقرو.. رحل فؤاد غازي.. مر موكبه الفقير من شوارع دمشق إلى قريته «المسحل» المطلة على سهل الغاب.
مرت العتابا من حي مزة جبل 86 إلى حقول البصل الأخضر و كروم العنب، مر فؤاد «كنجوم النهار» وفي حنجرته الفولاذية كانت العتابا تغني له على طول الطريق الواصل بين الشام وحماة هنهونته:
«قمر يلي الفرح لولاك مايتم..هجرتني وجعلت بالدار ميتم.. والله دجلة وفرا وسيحون ميتم.. مايوازو ربع دمعي اللي انسكب». هكذا على الأقل سنعرف كم كان ذلك الغناء فائضاً عن حاجتنا، وكم بالغنا في احتقار الشعبي وبخسناه حقه، كم أسرفنا في حفلات الميوزيكال والحجرة والسيمفوني، كم بالغنا في الاستماع إلى خامسة بيتهوفن، وكابدنا في قاعات الأوبرا السورية للبقاء في مقاعدنا حتى ينهي المايسترو وصلته العصابية؟ جرى ذلك تحت ضغط الثقافة، وتحت خوفنا الجماعي من ازدراء العالميين لنا،
نحن «المحليين» بغير وجه حق تركنا كل ما نملك من ملامحنا كبشر، تنكرنا لجملنا الصوتية التي أنتجها العمل السوري على مدى قرونه الطويلة، ألم نقل أن عمرنا الحضاري سبعة آلاف عام؟ ألم نتباه بقول مدير متحف اللوفر أندريه بارو بأن: «لكل إنسان متمدن وطنان؟ وطنه الأول وسورية» هذا سهل المقال، ويمكننا ترداده على الملأ في كل مناسباتنا السياحية, أما أن نعتبر العتابا نوعاً موسيقياً وشعرياً؟ فهذا لا يبدو إلا من قبيل الشطحات القومية المتشنجة، فقط رقصات المانويت النمساوية الشعبية التي أفاد منها بيتهوفن لصياغة حركته الثالثة من سيمفونيته «القدر» وحدها يحق لها أن تتحول من صيغتها الشعبية إلى أيقونتها كمقطوعة عالمية لا يمكننا مجاراتها، ولا يحق لنا أصلاً التشبه بها.
العتابا أيضاً ذلك الوزن الثلاثي الرائق المموسق على نحو شعري يمتزج فيه الخرافي بالأسطوري، والعاطفي بالصوفي، سبقت بقرون تحفة الشعر الياباني المسمى «بالهايكو» هذا النوع المعترف به عالمياً كأصغر وحدة مقطعية شعرية في العالم منذ بدايات القرن الثامن الميلادي تتغلب عليه وتسبقه أناشيد الابتهال الأوغاريتية السورية التي تعود للنصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد، والتي كانت في مواقع كثيرة منها تمفصل الصوت وفق منظومة ثلاثية أو وفق نظام التأليف الستيني البابلي، لكن أحداً لا يريد الاعتراف بذلك، لا نريد أن نرى فؤاد غازي سوى مطرب شعبي، مغني عتابا قدم من الريف السوري مطلع ثمانينيات القرن الفائت ليغني للبسطاء في مهاجعهم البعيدة، أما أن نقترب أكثر من هذه العتابا، أن نضمها إلى برنامج حفلات الأوبرا السورية، فماعاذ الله، ماذا تقول يا رجل؟ وهل العتابا عالمية؟ أية خدعة هذه العالمية؟ أيُّ فخ؟.
هل فكر أحد من خريجي المعهد العالي للموسيقا أن يشتغل على هذا النمط الموسيقي الشعري الهائل في لغويته وصوتيته؟ هل تجرأ أحد من عازفي الهارب والبيانو والتشيللو على الاقتراب من تراثه الوطني المتروك على قارعة الأركيولوجيا؟. في ديوانه «حزن في ضوء القمر» يقول محمد الماغوط: «إن أي فلاح عجوز, يروي لك ببيتين من العتابا, كل تاريخ الشرق, وهو يدرج لفافته أمام بيته» اليوم وأكثر من أي وقت مضى أشعر بقوة هذا القول، وبشفافيته، أسمع فيه روح رسول حمزاتوف تردد.. «العالمية تبدأ من عتبة بيتي».
فؤاد غازي الراحل عن 56 عاماً هو أيضاً كبيتهوفن «1770-1827» الذي مات في فيينا عاصمة الموسيقا عن 56 عاماً، مفارقة العمر الذي عاشه كل من الرجلين لا تكفي للمقارنة، أعرف ذلك، لكنها ربما تكفي للتذكير بداء ألمّ بهما، تشابه العلة على الأقل, ففؤاد السوري الذي عانى من حنجرته وقف عبر الزمن ليمسك يدي بيتهوفن واضعاً إياهما على أذنيه المتألمتين. هو السؤال من جديد يطرح نفسه وفق تجاوز المعاناة التي دهمت صاحباها، فالأول كان لا يحتاج إلا لحنجرته وربطة بصل أخضر وشيئاً من ماء العناقيد كي يعانق صوته القالع أعالي السماء، أما الثاني فلم يكن يحتاج إلا لأذنيه وأصابعه كي يرتب صمت العالم وصخبه وعبثيته في دفتر نوطاته. اللافت أن غازي لم يحتج إلى جيش من آلات الأوركسترا في فروقاته، كان يؤمن بشكل عفوي أن الحنجرة البشرية هي أقدم آلة موسيقية على وجه الأرض، ولذلك أرهقها عندما عوّض بها عن جوقة النحاسيات والوتريات والطبول، لقد آثرها، فضّل حبالها وتمسك بها، مشى عليها كبهلوان صوتي، وحاذر دائماً من استعمال الكهرباء في أناشيده، أساساً لم تكن أية آلة موسيقية قادرة على مجاراة تلك الحنجرة الجبلية السورية، حنجرة قادرة على التحليق فوق سهل الغاب، وبوادي حمص والجزيرة ودرعا، حنجرة غرفت من مياهها الخاصة، وتركت للسان مزمارها عنان تراتيلها على طول مداها، فغنّت لعنين نواعيرها، واستقت من مياه عاصيها مقاماتها السرمدية، من هناك بدأ فؤاد ريعان صباه قافزاً من مواويله إلى حقول التين والزيتون، تاركاً في قلوب مستمعيه ذلك الوجد الصوفي العالي، فالرجل منذ نعومة أظفاره لم يكن يعرف شيئاً إلا أن يرخي صوته في بريات ليل الغاب، كانت أوفه الطويلة المشدودة الحنونة والرجولية مدوزنة على سلالم روحه الخفيفة المرحة، ولم يكن ليبيعها لأحد، كان فقط، أو ربما فكر ذات أغنية بأن تقوم دار الأوبرا السورية بجمع أغنياته وطباعتها على أسطوانة، أو هكذا تخيل أن تستضيف الدار عتاباه يوماً، لكن الأوبرا السورية لم توجد لهذا النوع من الغناء المحلي! إنها مكان للعالمية والعالميين، مكان لدراما إنكليزية ولموسيقا قصور فيينا، وحدائقها، أما فؤاد غازي المتحدر من زجله وسجاله الغنائي الخاص فأعتقد جازماً أنه لم يسمع بهذه «الأوبرا السورية» إذ لم يكن الرجل محتاجاً إلى تعلم قواعد التينور، بل إلى بشاشة خبز التنور كي ينشد له بيتاً في مديحه ورثائه في آنٍ معاً.
سامر محمد إسماعيل- نشرت في جريدة تشرين 8/ 8/ 2011