كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 45

الجزء الثاني - في "تشرين"
أكثر ما كان يعجبني في نشرات الأخبار التي يبثها التلفزيون العربي السوري. هو مواظبة معدي النشرات وإصرارهم على بث الأخبار التي تفضح فساد وفشل "الكيان الصهيوني" على كافة المستويات.
والذي كان يعجبني اكثر هو تعمد وحرص المذيعين على إذاعة هذه الاخبار بطريقة شامتة متشفية توحي لنا نحن المشاهدين البسطاء بأن هذا الكيان على وشك الانهيار اقتصاديا وعسكريا وأخلاقيا.
ومن جملة الأخبار التي سمعتها في إحدى ليالي عام 1977 خبراً يفيد بأن الكنيست الصهيوني سيحقق مع وزير الزراعة في حكومة "الكيان المصطنع". وقد يسحب عنه الثقة ويطالب باحالته إلى المحكمة العليا.
أما السبب فيتلخص في أن الوزير طلب من المزارعين ايقاف تشغيل العدادات المركبة على ابارهم واستجرار المياه بشكل حر وبالكمية التي يرغبون كون الشتاء الفائت شهد هطولات مطرية غزيرة يمكن ان تعوض اي فاقد من منسوب المياه الجوفية. لكن وبعد أشهر تبين ان مستوى المياه الجوفية في الأراضي المحتلة انخفض 70 سم. الامر الذي اعتبره أعضاء الكنيست تهديدا للأمن المائي والغذائي في الكيان وطالبوا بإحالة الوزير الى لجنة تحقيق برلمانية لسحب الثقة عنه وإحالته إلى المحاكمة.
كما علمت من مجريات الخبر أن الكيان الغاصب كان ومنذ فترة طويلة قد أمر أصحاب الآبار من "شذاذ الافاق" ان يركبوا عدادات على ابارهم ليتقيدوا بكميات المياه التي تسمح الوزارة باستجرارها موسميا. وتمكن الوزارة من مراقبة تنفيذ قراراتها المتعلقة بهذه القضية بغرض تجنب الهدر والمحافظة على مخزون المياه الجوفية في الأرض المحتلة.
فور سماعي النبأ سرت في جسدي رعشة لذيذة من الشماتة المنكهة بالكراهية لهذا الوزير وكيانه الغاصب تماما كما يامل معدو نشراتنا الأخبارية. ولكنني وفي الوقت نفسه تذكرت أن ينابيع منطقتنا - منطقة القلمون - قد جفت أو كادت وان منسوب المياه الجوفية في هذه المنطقة قد انخفض بشكل خطير. فقلت في نفسي:
- يا ولد. بما انك أصبحت صحفيا فلماذا
لا تقوم بإجراء تحقيق صحفي عن مياه المنطقة وينابيعها تسلط من خلاله الضوء على الأسباب التي أدت إلى تدهور المخزون المائي وجفاف الينابيع فيها. وتحدد المسؤوليات عن أي تقصير محتمل. عسى أن تقوم احدى الجهات الرقابية المسؤولة - كمجلس الشعب الموقر - بمعاقبة المهملين والمقصرين ليكونوا عبرة لمن يعتبر. أو إحالتهم للقضاء بسبب العبث بالأمن المائي والغذائي لأبناء منطقتي.
توجهت إلى المنطقة بصحبة المصور المرحوم نصري عقيل وكان هدفي المنطقة الممتدة بين رأس المعرة ورأس العين مرورا بيبرود والبنك وديرعطية وصولا إلى الحميرة وقارة. كنموذج لما حصل في كل مناطق ريف دمشق بل وكل الريف السوري
كانت المنطقة تحوي مجموعة من الينابيع الدائمة الجريان التي كانت تروي أراضيها الزراعية وفق نظام فريد مبني على تقاسم المياه زمنيا وفق حصص معلومة. وينتقل بعضها من المنبع الى اراضي المزارعين بواسطة اقنية رومانية او ما شابهها لها من العمر مئات السنين
كانت هذه الينابيع تشكل المصدر الرئيسي للمياه المستخدمة بسقاية المزروعات ومياه الشرب في المنطقة
وبسبب شح الهطولات المطرية في المنطقة فقد صنفت الحكومات السورية التي أعقبت الاستقلال هذه المنطقة ضمن مناطق الاستقرار الثالثة. وهذا يعني ان وضعها المائي هش. لذلك فرضت على أصحاب الابار تركيب ما اصطلح على تسميته "دواليب الهوا" على ابارهم لاستخراج المياه الجوفية بشكل رشيد وببطئ ومنعت بشكل مطلق استجرار المياه باستخدام المضخات التي تعمل على مشتقات البترول. كما منعت حفر آبار جديدة للمحافظة على مخزون المياه الجوفية وعلى استمرار تدفق الينابيع وحمايتها من الجفاف..
من خلال التحقيق والتحدث الى اناس كثيرين علمت أن المنطقة عانت من القحط وانخفاض معدلات هطول الأمطار والثلوج بشكل ملحوظ بدءا من أواخر الخمسينيات وكامل عقد الستينيات وهذا ما أدى إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية وبالتالي إلى انخفاض تدفق مياه الينابيع. الأمر الذي أدى إلى قيام بعض المزاعين بحفر الآبار وتركيب مضخات عليها لسقاية مزروعاتهم وإنقاذ محاصيلهم على الرغم من قرار منع حفر الآبار.
في تلك الفترة ايضا تصادف أن الكثيرين من شباب المنطقة غادروا بلداتهم وقراهم متجهين إلى دول الخليج العربي التي فتحت أبوابها للكفاءات والعمالة العربية معلنة بدء مسيرتها النهضوية والتنموية. وكان القلمونيون من أوائل الشباب السوريين والعرب الذين توجهوا إلى هذه الدول بحثا عن فرص عمل أفضل تؤمن لهم مداخيل مجزية تغنيهم عن مغالبة الارض الكلسية الصعبة والمناخ القاسي والدخل المعتمد على الزراعة والذي بالكاد يسد الرمق.
وقد ادى توجه شباب المنطقة لدول الخليج وتحسن مستوى معيشتهم بشكل مباشر او غير مباشر الى تسريع جفاف الينابيع وانخفاض مستوى المياه الجوفية ودخول المنطقة في عوز مائي حتى بالنسبة لمياه الشرب.. أما العامل الأهم فكان انتشار الفساد والرشوة واللامبلاة على كافة المستويات وفي كل الاتجاهات. عند المسؤولين عن الملف المائي في المنطقة والإدارات المركزية المختلفة.
كل ذلك سيتوضح من خلال مقابلات أجريناها مع مسؤولين ومواطنين من سكان المنطقة.
"يتبع"
الصورة من صفحة الصديق bachar khleif
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية