كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 47- عن الماغوط و زكريا تامر

الجزء الثاني - في "تشرين"
منذ ان عينت محررا في القسم الثقافي في جريدة تشرين، بدأت بالتعرف على عدد من الكتاب والفنانين والصحفيين السوريين. وخاصة على الذين تربطهم بالجريدة والقسم التقافي تحديدا روابط عمل..
كان كل من زكريا تامر ومحمد الماغوط من أوائل الكتاب الذي تعرفت عليهم.
كان من الطبيعي بداية أن تكون هذه المعرفة شكلية. فالرجلان كانا يأتيان إلى مبنى الجريدة يوميا. حيث يقوم احدهم بكتابة زاويته بينما ينتظره الآخر حتى ينتهي ويغادرا سوية كما حضرا. وبين حضورهم والذهاب تدور بيننا ومع من حضر أحاديث ومناقشات وتتدحرج قصص ونكات وتعلو ضحكات.
اذن تعرفت عليهما من خلال ترددهما على القسم الثقافي وبقيت معرفتي بهما محصورة في هذا الحيز الضيق مكانيا والارحب فكرا وظرفا وأدبا وإنسانية..
أكثر ما أثار انتباهي في الرجلين أثناء الجلسات الأولى التي حضرتها كانت البساطة المتجذرة فيهما. سلوكا وحديثا وأسلوب كلام.
قبل تناوبهما على الكتابة في جريدة تشرين كان الماغوط وزكريا معروفين ومشهورين كمبدعين في مجال الشعر والقصة القصيرة. ولكن شهرتها ككتاب زوايا ساخرة طغت إلى حد ما وإلى فترة زمنية محدودة على إبداعاتهما الأدبية أثناء وبعد كتابتهما زاوية" عزف منفرد" في تشرين. وبسرعة تحولا إلى أيقونة ومثل يحتذى في كتابة الزوايا الصحفية الساخرة وتربعا على عرشها الفارغ منذ أيام مجلة " المضحك المبكي"!؟
بعد مضي عدة أشهر على بداية كتابتهما في زاوية "عزف منفرد" أي في أواخر عام 1977، وكالعادة حضر زكريا والماغوط مساء إلى الجريدة. كان يومها دور زكريا. فكتب الزاوية وغادرا سوية.
ظهرت الزاوية صباحا.. كان جزء كبير منها يتناول شاه ايران بطريقة فسرها المسؤولون بانها مهينة للشاه.. يومها وبالصدفة المحضة كان الرئيس الاسد قد استقل الطائرة صباحا وتوجه الى طهران في زيارة رسمية مصطحبا معه وفدا يضم عددا كبيرا من المسؤولين.
طبعا لم يكن أحد في الجريدة على علم بالزيارة. فقد كانت كثيرة تلك الزيارات التي يقوم بها الرئيس ولا يتم الإعلان عنها إلا يوم حصولها. وعلى الرغم من ذلك فقد اتصل وزير الإعلام حينها أحمد اسكندر أحمد برئيس التحرير وطلب منه إيقاف زكريا عن الكتابة. فمن الضروري أن تعلم السلطات الإيرانية أن من تجرأ على الذات الفارسية الشاهنشاهية قد لقي جزاءه..!؟
ولأن الماغوط وزكريا كانا متقاطعين كشفرتي مقص. متلازمين كالبرق والرعد. فقد تؤقف الماغوط عن الكتابة تضامنا مع زكريا.
بعد فترة قصيرة من هذه الواقعة اعفي رئيس التحرير جلال فاروق الشريف من منصبه. و انسحب معه رفيق دربه عادل أبو شنب رئيس القسم الثقافي فكلفت بإدارة القسم ثم عينت رئيسا له كما ذكرت في حلقة سابقة..
بعد تسلمي القسم كان من أول اولوياتي محاولة إعادة الماغوط وزكريا إلى كتابة "عزف منفرد". لان غيابهما شكل ضربة مؤثرة للجريدة التي ما زالت تتلمس طريقها في الزواريب الاعلامية الوعرة.
كنت مقتعا بأن المهمة صعبة. ولكني لم اياس لأني كنت أعرف أن الدكتور غسان الرفاعي الذي كلف برئاسة تحرير الجريدة قد وضع إعادة الثنائي المبدع للكتابة في الجريدة ضمن قائمة أولوياته.
بالفعل تحدث الدكتور غسان مرارا مع الوزير. كما تحدثت معه أكثر من مرة. وكان الوزير يؤكد لنا في كل مرة بأنه لم يوقف محمد الماغوط ولا مانع لديه أن يعود للكتابة. أما بالنسبة لزكريا فقضيته أكثر تعقيدا ومن المبكر البحث في عودته للكتابة.
هنا قرر الدكتور غسان أن يحل الأشكال خطوة خطوة.. حاول بداية إقناع الماغوط بالعودة للكتابة على أن يلحق به زكريا في وقت لاحق وبعد أن يتم تناسي موضوع زاوية الشاه.. وكان محمد يرفض ويصر على أنه لن يعود للكتابة إلا بصحبة زكريا.. ولكن وتحت إلحاح غسان المستمر اجابه يوما..
- دعني أفكر.
اعتبر الدكتور غسان إجابة الماغوط ضوءا أخضر خافتا يحتاج إلى بعض الطاقة ليأخذ مداه. فطلب مني مشاركته في ترتيب مقلب للماغوط يحرجه ويدفعه للعودة للكتابة.
بعد رسم الخطة. اتصلت بالماغوط ودعوته للقدوم لمبنى الجريدة في الحلبوني صباحا لأنني سأتحدث معه في قضية هامة. فعلا جاء الرجل ليجد اني قد رتبت له وجبة أفطار مكون من جاط فول مدمس مع كامل مستلزماته من مخللات وحشائش تكفي لطرح عشرة مصارعين أرضا.زكريا تامر
في البداية استغرب الرجل وقال:
-الله يعطيني خير هالافطار.
أجبته:
- اكيد خير.. كل ما في الأمر اني أريد إجراء حديث معك للجريدة. وأحببت أن لا يكون الحديث "على الريق". لأن الحديث "على زفر" يكون أكثر متعة وفائدة.. وضحكت.
قال:
- أشعر ان وراء الاكمة ما وراءها.. و على الرغم من ذلك انا موافق على اجراء الحديث!؟
أجريت معه حديثا طويلا عن الشعر والمسرح والكتابة الصحفية الساخرة.
كان الحديث ممتعا و يحمل رؤى لم يسبق للماغوط أن طرحها..
فرغت الحديث ودفعت به إلى رئيس التحرير الذي قرأه وطلب مني أن انشره على كامل الصفحة الأخيرة. بعد أن أختمه بالجملة "المقلب" التي اتفقنا على أن نختم بها المقابلة. والتي كانت على الشكل التالي.
"اعتبارا من يوم غد سيعود محمد الماغوط لكتابة زاوية "عزف منفرد" فكونوا على الموعد"!؟
ارسلت نص المقابلة للمطبعة وفي اليوم التالي "بكرت" في الذهاب إلى الجريدة وبمجرد جلوس خلف مكتبي رن جرس الهاتف. رفعت السماعة. كان محمد الماغوط على الخط وبدون مقدمات صاح بي.
- والله لألعن "........" عملتوها فيي؟!
كان هو يشتم وانا اضحك وأخيرا قلت له.. لقد وعدنا القراء. ونحن بانتظارك مساء لكتابة الزاوية التي ستصدر في عدد الغد..
حضر الماغوط مساء وكتب زاويته التي روى فيها للقراء تفاصيل المقلب الذي رتبناه له وشتمني فيها أكثر من مرة باعتبار اني قد ضحكت عليه و أعدته للكتابة بثمن بخس هو عبارة عن "صحن فول".. مدمس!؟
"يتبع"
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية