حياة السلطان عبد الحميد الثاني
2020.08.19
كتب الدكتور عبد الله حنا:
1842 - 1917
هو السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية. والده السلطان عبد المجيد، الذي سعى للإصلاح وسار في اتجاه الأخذ من منجزات الحضارة البورجوازية الأوروبية محاولا تحديث الدولة.
وعبد الحميد سار على نهج مخالف لنهج أبيه وعمه السلطان عبد العزيز وقبلهما السلطان محمود. أمه الجارية الشركسية تيرمزكان جاءت من قفقاسيا مع قافلة السبايا، وبِيعت للقصر السلطاني ، ودخلت بين زوجات السلطان عبد المجيد عام 1839، وحازت بفضل زواجها من السلطان لقب قادين.
{نقلا عن : والدي السلطان عبد الحميد.. "مذكرات الأميرة عائشة عثمان اوعلي". نقلها إلى العربية صالح سعداوي عمان 1991. ص 374. والملاحظ ان ابنة السلطان تتحاشى ذكرعملية خطف تجار الرقيق للجواري وبيعهن لسوق النخاسة أو للقصور السلطانية، وتترك كيفية وصول أمّها إلى قصر السلطان غامضا. وعموما كانت أمهات السلاطين من السبايا الجواري العائشات في القصور السلطانية }
1
ولد عبد الحميد عام 1842 وتوفيت والدته ولم يتجاوز من العمر سبع سنوات فقامت برعايته الجارية بيرستون قادين إحدى زوجات والده السلطان عبد المجيد. فنشأ، كغيره من السلاطين في احضان الجواري ملازما للخصيان ومعزولا عن المجتمع في القصور السلطانية.
والملاحظ، حسب الروايات، ان ابن القصور الشاب عبد الحميد لم يشتط كأكثرية ابناء السلاطين نحو اللهو ومعاقرة الخمرة ومعاشرة الجواري، بل سار في طريق معتدل واستعان على نوازع الشباب بالكتمان. وهذا مما ساعده في إخراج سيرته وكتابتها بصورة تخالف سيرة معظم ابناء السلاطين.
2
ما ذكره عبد الحميد عن طفولته يلقي ضوءا على حياته. جاء في مذكراته: "أكثر من مرة تعرّضت للانتقاد بسبب عيشي عيشة انزواء أحسست فيه دائما بالراحة... كان أبي يعاملني معاملة سيئة وقاسية لأسباب أجهلها. لم يعطف عليَّ سوى أخي مراد المسكين... وعندما اعتليت كرسي الحكم وجدت نفسي محاطا بأناس يريدون تقييدي بشباك من المؤامرات والدسائس... انني رجل لين طيب القلب كما أن حياتي العائلية تثبت أنني رحيم القلب ومحتاج للحب والعطف."....
هذه السيرة التي رواها عبد الحميد عن نفسه تتقاطع مع تقييم هرتزل، الذي صدّه عبد الحميد ورفض عروضه في الاستيطان اليهودي في فلسطين، جاء في يوميات هرتزل: "انطباعي عن السلطان انه رجل ضعيف وجبان ولكنه طيب القلب. لا أعتبره داهية ولا صارما، بل سجينا تعيسا ترتكب بطانة طمّاعة رديئة سيئة السمعة باسمه أقبح رجس"
ويروي أنصاره انه كان يمارس الرياضة وركوب الخيل والمحافظة على العبادات والشعائر الاسلامية والبعد عن المسكرات والميل الى العزلة. ويلفت النظر اهتمامه بالنجارة التي تعلمها من النجار الالماني كارل باتسن، وكان له مشغلا للنجارة في حديقة القصر.
تعلم عبد الحميد بالإضافة الى التركية اللغة العربية والفارسية. وهناك أقوال كثيرة حول مدى تعمقه بالعربية وفهمه لأسرارها..
3
وكان متدينا – حسب المظاهر وما أشيع عنه - وسط جو خلاعي منفلت يعيشه أمراء القصر السلطاني بين الجواري والغلمان. كما كان حريصا – حسبما أشاعه عبد الحميد عن نفسه – على أداء الصلاة في أوقاتها، لا يشرب الخمر، ويمنع تدخل النساء في السياسة".
وكان للمنجمين تأثير كبير على عبد الحميد، وكان يدس الطلاسم في معطف أخيه مراد. وجاء يوم أنبأته العرافة الغجرية بأنه سيعتلي العرش، فاخذ يستشير العرافين والمنجمين، الذين أجمعوا على انه سيصبح سلطانا، فاشتدت به رغبة الحكم بعد هذه النبؤات.
4
تزوج السلطان عبد الحميد الثاني، مثل أغلب أسلافه و أخلافه من نساء الجواري، فمنهن من حصلت على رتبة "قادين أفندي" ومن حصلت على رتبة "إقبال"، ورزق من اثنتي عشرة منهنّ بسبعة عشر مولودا ثمانية منهم ذكور وتسعة إناث. ولم يُرزق بمولود بعد خلعه عن العرش. وعندما نُفِيَ السلطان الى سالونيك صحبه نساؤه وأربعة من الخصيان وتسعة من الخدم وولديه الصغيرين.
5
كان السلطان عبد الحميد حين اعتلائه العرش يقيم في قصر "دولمة بغجة" على ساحل البوسفور. ثمّ انتقل إلى سراي يلديز (النجم) القائم على قمة رابية بشيكطاش في ضواحي العاصمة ومطلّا عليها وعلى البوسفور وحاويا العديد من القصور والأبنية والحدائق مما يكفي لسكنى أكثر من عشرة آلاف نسمة بينهم رجال ديوان المابين الهمايوني والحرس الخاص بالإضافة إلى الحرم السلطاني ومئات السراري اللواتي كان تجار الرقيق يأتون بهنّ بواسطة أخصاء السلطان المقربين فيقوم بخدمتهنّ والعناية بهنّ فريق من الخصيان حسب تعليمات قائدهم المسمى آغا الحريم.
وكان لآغا الحريم صولة ودولة تتحدث روايات القصر عن احدهم نديم آغا. وهو حبشي المولد كان صاحب حظوة لدى عبد الحميد يستخدمه في مجلسه لتنفيذ ما يشاء السلطان، فشجعه ذلك على التسلط على بقية زملائه. وكان خصيّا آخر حبشيا وهو فيروز آغا يعتبر نفسه أعلى منزلة من نديم آغا عندما كانا في الحبشة قبل خطفهما من قبل تجار الرقيق وخصيهما وبيعهما لقصور السلطان في استنبول. وهذا مما ولّد العداء بين الخصيين الذين اصبحا من آغوات الحريم. وفي لحظة جنون وحقد من الحياة التي وصل اليها الخصيان قام نديم آغا بقتل فيروز آغا، مما دفع السلطان عبد الحميد لشنق نديم آغا لإرهاب أغوات الحريم الآخرين وجعلهم يسيرون على السكة السلطانية في قصر الحريم.
ويرى عبد الحميد في مذكراته:
"انه لا يجوز تسمية العلاقة الحميمة بين السيد والخادم بأنها رق. فالقرآن يأمرنا بمعاملة الخدم معاملة حسنة. والواقع أن الخدم تبع لسادتهم, حياتهم محدودة, لكن قوانيننا الصارمة تحول بين السيد والمعاملة السيئة للخادم. وليس هناك رق في امبراطوريتنا بمعناه الحقيقي. ولا شك أن الجواري عندنا اسعد حالا من الخادمات الأوروبيات".
ويذكر عبد الحميد في مذكراته حول آغا الحريم انه "فوجئ بطلبات ثلاثة رجال احدهم موسيقي من باريس والثاني صيدلي من ألمانيا والثالث تاجر من سكسونيا. لا شك انهم لا يعرفون الحياة الأليمة التي يحياها آغا الحريم بعد خسارتهم عضو من جسمهم... لقد اخبرني طبيبي ان 70 بالمئة من الذين تجري لهم العملية الجراحية من هؤلاء يموتون...".
6
ويمضي عبد الحميد راويا حياته في مذكراته بقوله:
"أنا أعلم أن بعض الناس ينعتوني بالشح, فلا أحتد لهذا النعت بل أعتبره مدحا لي... وأنا في السنوات الأولى من عمري شهدت حياة البذخ التي كان يعيشها عمي, وشاهدت عن قرب النتائج المؤلمة لهذا التبذير... الحقيقة ان تكاليف القصر كبيرة لكن البعض يبالغ كثيرا في هذه التكاليف... يتهمني أعدائي بجمع ثروة طائلة والحقيقة أنني جمعت مبلغا كبيرا بفضل الاستثمار الجيد، ووضعته في الخارج في مكان أمين. و أعتقد أن هذا التصرف صحيح إذ ليس في استنبول مصرف يمكن الاعتماد عليه حاليا".
7
أثّرت الأحداث المتتالية في نفسية عبد الحميد تأثيرا عميقا وجعلته يخاف على عرشه, وعلى حياته خوفا مرضيا, وحملته على اتخاذ سلسلة طويلة ومعقدة من التدابير لمقابلة جميع حالات الخلع والاغتيال.
وأدى الإفراط في الخوف والحذر إلى حمله على اصطناع شبكة دقيقة وواسعة من الجاسوسية أطلق عليها اسم "الخفية". وكل واحد من كبار رجال المابين (البلاط الملكي) كان مرجعا ورئيسا لجماعة من الخفيات. و لم يكتف السلطان عبد الحميد برجاله من "الخفية" في استنبول، بل كان له في كثير من مراكز الولايات عملاء يتصلون به مباشرة.
فالمعاصر للأحداث فخري البارودي يذكر في مذكراته أن
أحمد باشا الشمعة من أعيان دمشق "منحه السلطان امتيازا عن سائر رجال الخاصة إذ أعطاه آلة برق (تلغراف) مرسلة ولاقطة في داره ليخاطب بها السلطان رأسا".
واستهلكت نفقات القصر والجيش المرابط حول العاصمة وحرس السلطان والخفية (الخفية من المتخفين يرصدون مجاري الأمور لنققلها للسطان، وهم مخابرات هذه الأيام) قسما كبيرا من واردات الدولة. وأدى الاستبداد الحميدي الى استشراء الفساد في جميع الأمور والميادين.
ومع ذلك كان لعبد الحميد حسنات كثيرة ولكنها لم تقوَ على سيآته. النزاهة والاخلاص غطت عليهما أمواج الرشوة وفساد الإدارة.
الحلقة القادمة: الآراء المختلفة في السلطان عبد الحميد