خالد محمد جزماتي: شخصية من مدينتي حماة.. الدكتور محمد بكري السراج
2020.08.22
عندما ننظر الى صورة كشاف العاصي المأخوذة عام 1917 ونقرأ أسماء من فيها من المنتسبين الى هذه المنظمة التي أسسها الوطني الحموي عبد الله المشنوق، ندرك الواقع الاجتماعي والوطني في ذلك الزمان، وكيف أن الأكثرية من هؤلاء الكشافة لعبوا دورا كبيرا في الحياة السياسية منذ الصغر، وحتى مفارقتهم للحياة الدنيا.
وفي مجال اّخر نستطيع استعراض أسماء كثيرة هم أكبر سنا من اولئك الكشافة الصغار، والذين نسميهم رواد عصر النهضة في حماة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وعلى رأس هؤلاء:
الشيخ سعيد النعسان والشيخ أحمد الصابوني والمفكر الشهيد علي الأرمنازي والشيخ حسن رزق والمرحوم خالد البرازي والدكتور صالح قنباز والدكتور توفيق الشيشكلي والشيخ طاهر النعسان والشيخ سعيد الجابي والدكتور خالد الخطيب والدكتور محمد علي الشواف والأساتذة عثمان الحوراني وعمر يحيى وأحمد الوتار والشيخ بدر الدين الكيلاني وسعيد الترمانيني وعبد الرحيم الغزي وعبد القادر الكيلاني وغيرهم كثير وكثيرون جداً.
غير أنني سأعرج على بعض الرجال الأذكياء جدا الذين حصلوا على شهاداة الدكتوراه في الحقوق من أرقى وأصعب الجامعات الغربية، وبعد تخرجهم مارسوا العمل السياسي، وليتهم لم يفعلوا ذلك، لأننا سنستفيد منهم في التدريس في الجامعات وتأليف الكتب الغنية حتى تصبح مراجع مهمة في علم القانون ليس للعرب فقط ، بل للإنسانية جمعاء. ومن هؤلاء الدكتور محسن البرازي والدكتور أديب نصور والدكتور محسن شيشكلي والدكتور محمد بكري السراج.
بعد هذه المقدمة، سأتحدث قليلا عن أحد هؤلاء الرجال العظام في تحصيلهم العلمي وحظهم السيء في عالم السياسة الذي يكون أوقاتا قليلة جيداً، وأكثر الأحيان سيئاً.
سأحكي عن بعض ما وصل الي عن سيرة الدكتور محمد السراج.
هو محمد ابن بكري السراج، وُلد في حماة عام 1910م في بيت ينعم بالغنى وحسن الرزق لجده محمد أبي بكري السراج، الذي كفله بعد موت أبيه بكري المبكر، وأحسن تربيته وشجعه على العلم ومتابعة التعلم، و أغدق عليه المال، بل أرسله الى فرنسا لدراسة القانون، حيث نال شهادة الدكتوراة في الحقوق من جامعة "تولوز" الفرنسية.
وخلال حياته في مدينة حماة ثم في دمشق وبعدها في فرنسا كان نشاطه الوطني مشهودا بصدقه، فاشتهر اسمه في أوساط الطلبة، ثم أصبح رئيسا للجنة الطلاب العرب في جامعة تولوز الفرنسية، وبدأت الصحف العربية والسورية بشكل خاص تنقل نشاطاته الوطنية في فرنسا، ومن تلك الصحف "صحيفة القبس" لصاحبها نجيب الريس بن محمود الريس ابن حماة الذي توفي بشكل مبكر في الاسكندرية.
وكان الدكتور محمد السراج يلاحق الأحداث في بلاد الشام، ويقوم هو ورفاقه الطلاب بما يلزم من اتصالات مع الجهات الدولية وخاصة منظمة عصبة الأمم المتحدة في جنيف ، ومثال ذلك ما قام به السراج ورفاقه عندما قامت السلطات الفرنسية في دمشق باغلاق بعض الصحف الوطنية مثل جريدة "الأيام" و "القبس"، حيث أرسل يوم 6 أيار 1932 احتجاجا شديد اللهجة على تصرفات السلطات الفرنسية ضد حرية الصحافة في دمشق.
وكان الدكتور محمد السراج يأتي الى حماة ليقضي عطلة الصيف في حماة، وأثناء ذلك عُرف في الأوساط الشعبية الحموية وتعرف على جميع قيادات الكتلة الوطنية في حماة مثل الدكتور توفيق الشيشكلي والسيد نجيب البرازي ورئيف الملقي ومحمد البارودي ومصطفى الحوراني وعبد الحسيب الشيخ سعيد وعثمان الحوراني وجميل البارودي وغيرهم، وبدأ الدكتور توفيق الشيشكلي يقيم له الاستقبالات اللائقة في بيت الأمة الكتلوي المتوضع في "سوق الصاغة" (سوق الشيشكلي) المتفرع عن "سوق الطويل".
وعندما كان السراج يرد على كلمات المرحبين كانت خطاباته فصيحة سلسة تسحر السامعين وبذلك زادت شعبيته في جميع الأوساط الحموية، وأيضا في بعض الأوساط الدمشقية والحمصية. ولا بد لي من ذكر بعض الأفعال التي قام بها الدكتور السراج بعد عودته نهائيا من فرنسا الى سورية ونيله شهادة الدكتوراه في الحقوق عام 1935، حيث تابع نشاطة مع الكتلة الوطبية في حماة ودمشق.
وعندما قام الوطني الكبير فخري البارودي بقيادة التظاهرات ضد شبكة كهرباء دمشق، ثم تطورت الى ما يُعرف بالاضراب الستيني أوائل عام 1936، أراد زعماء الكتلة في دمشق تعميم الاضراب في سورية، فاتصلوا بالدكتور محمد السراج واتفقوا معه على السفر لحماة وحلب لتهيئة الظروف الملائمة لاضراب المدينتين وانضمامهما الى اضراب دمشق.
وخصصوا له سيارة لسفره الفوري، وقام بتلبية ما طُلب منه واجتمع في حماة مع الدكتور توفيق الشيشكلي وبقية رجال قيادة الكتلة في حماة، واتفقوا على القيام بالاضراب انطلاقا من سوق الخميس، وهكذا كان وبدأ الاضراب وانضمت حماة الى دمشق.
ثم سافر السراج الى حلب وقام بما نفذه في حماة، وانضمت حلب الى دمشق وحماة في الاضراب الستيني الشهير. والقراء الكرام يعلمون أن الخيانة والعمالة هما السبب الرئيسي للأذى المطلق أحيانا، وللفشل الذريع أحيانا أخرى، فقد بلغ بعض جواسيس الفرنسيين المحليين القذرين عن دور الدكتور محمد السراج في حدوث الاضراب الجماهيري الوطني في حماة وحلب، فتم اعتقاله بمنتهى القسوة ونفوه الى "تل أبيض".
وبعد اتفاق الكتلة الوطنية مع سلطة الانتداب الفرنسية على التفاوض في باريس لبحث العلاقة مع فرنسا والاستقلال الوطني، قام زعيم الكتلة الوطنية في سورية المرحوم هاشم الأتاسي بزيارة حماة يرافقه المفوض السامي الفرنسي، فقامت الجماهير الحموية ووفود أهل الريف الحموي بعراضات ضخمة صاخبة، وبدأ الذي على الأكتاف يهتف والجماهير تردد بحياة الدكتور محمد السراج وتطالب بعودته من منفاه، فاستُجيب لطلب الجماهير وتم العفو عنه ، وعاد السراج الى حماة غانما مكرما.
وذهب الوفد السوري برئاسة هاشم الأتاسي الى العاصمة الفرنسية "باريس" وفاوضوا الفرنسيين لمدة ستة أشهر، ووقعوا المعاهدة الشهيرة (لا مجال للخوض في شرحها في هذا المقال)، وعاد الوفد الى سورية، وتم استقبالهم في مختلف المدن السورية استقبال الفاتحين المنتصرين.
وهكذا بدأت الدعوة لانتخابات نيابية وطنية، فشكلت الكتلة الوطنية في حماة بأمر من رئيسها بعد التشاور قائمة تضم ثلاثة مرشحين من الكتلة هم: الدكتور توفيق الشيشكلي، السيد نجيب البرازي، السيد محمد البارودي، ولكن أكثر الأوساط الشعبية الشبابية في الكتلة وفي البلد بشكل عام طالب بترشيح الدكتور محمد السراج بدلا عن محمد البارودي (ذو السمعة الطيبة).، واعتصموا في غرفة من بيت الأمة وهو منزل الدكتور توفيق الشيشكلي رئيس الكتلة الوطنية .
ودب الخلاف واشتد، وبعد أيام قليلة وجدت قيادة الكتلة الوطنية حلا باستبعاد السراج والبارودي، وترشيح الدكتور عمر الدلال بديلا عن الاثنين، فحزن السراج وجماهيره حزنا شديدا وعميقا، وهذا سيكون أحد الأسباب المستقبلية بانشقاق المرحوم عثمان الحوراني عن الكتلة، وتأسيسه لحزب الشباب عام 1937 - 1938.
ومن الصدمة الشديدة غادر الدكتور محمد السراج سورية الى لبنان غير منفذ لأي انشقاق، بل بعث ببرقية وطنية بعد المغادرة هذا نصها:
"انسحبت باختياري احتراما لقرار مكتب الكتلة الوطنية العام، أرجزكم التصويت لقائمة الكتلة بكاملها ، المصلحة الوطنية فوق الجميع".
ويتابع الدكتور محمد السراج نضاله الوطني ضد المحتل الفرنسي بكافة الوسائل التاحة له ، وبما يقتنع به.
ففي دمشق اتصل به الوطنيون الدمشقيون واجتمع بهم واتفقوا على تشكيل تنظيم شبه عسكري للوقوف أمام الصلف الفرنسي سموه "القمصان الحديدية" كان قائده العام "نزهت المملوك"، والمراقب العام "سيف الدين المأمون"، والدكتور محمد السراج "عضو"، والدكتور أحمد السمان "عضو"، وقد امتد هذا التنظيم الى مختلف المدن السورية كحماة الذي كان مسؤولا عنه سعيد الترمانيني يعاونه عثمان الحوراني، وكان في حماة له شعبية منقطعة النظير لوضوح أهدافه.
وتم رصد هذا التنظيم وملاحقته من أجهزة الاستخبارات الفرنسية، ومن تلك الملاحقات اعتقال الدكتور محمد السراج وسجنه في سجون لبنان وتعذيبه بشكل وحشي كعادة الاستعمار وأذنابه ومريديه.
وجاءت فترة الاستقلال الوطني، وتابع السراج النشاط الوطني مع مختلف الوجوه السياسية في حماة، وكانت الكتلة الوطنية فقدت بريقها وملامح الانقسام بدأت بتفكيكها، وكان يمثلها في حماة المحامي القدير "رئيف الملقي" بعد وفاة رئيسها الدكتور توفيق الشيشكلي عام 1940 وكثير من جمهور الكتلة وحزب الشباب كان يتعاطف مع الدكتور السراج.
وبتاريخ 7 تموز 1947 تمت الانتخابات النيابية في حماة ونجح فيها كل من السادة مرتبين حسب عدد الأصوات التي نالها كلا منهم وهم: أكرم الحوراني (نال 10856صوتا)، عبد الرحمن العظم (نال 10416 صوتا)، الشيخ محمود الشقفة، (نال 9484 صوتا)، وفي الانتخابات التكميلية نجح الدكتور محمد السراج والدكتور أديب نصور.
وفشل كلا من السادة رئيف الملقي وفريد مرهج وخليل كلاس. ولقد بقي هذا المجلس يمارس أعماله التشريعية حتى انقلاب حسني الزعيم بتاريخ 31 اّذار 1949 حيث حله بشكل فوري.
ولقد مارس الدكتور محمد السراج نشاطه السياسي كنائب في المجلس بشكل فعال وخاصة في التصدي للحكومة عند تعطيلها الصحف السياسية، وكان الهجوم عليها من قبله شديدا تتناوله أجهزة الاعلام المختلفة في ذلك الزمان، ومن جملة نشاطاته المعروفة اقتراحه لقانون التركات الذي يتيح للدولة المشاركة في وراثة المتوفين من المواطنين، ولقد أمر باعتماد هذا القانون حسني الزهيم بعد قيامه بانقلابه.
بعد انقلاب الزعيم عاش الدكتور محمد السراج زمنا عاديا في حماة، وبعد 137 من حكم الزعيم للبلاد قام العميد سامي الحناوي بانقلابه الشهير على الزعيم، ثم عادت الحياة السياسية الى عهدها وبدأ السياسيون بالاعداد لانتخابات جديدة، والتي جرت في أواخر عام 1949.. و دب النشاط الانتخابي في حماة هادئا ثم اشتعل، وفيها رشح طبيب الفقراء وجيه البارودي نفسه، ففشل فيها، أما القائمتين الرئيسيتين فكانتا على الشكل التالي: 1-- عبد الرحمن العظم - رئيف الملقي - حسني البرازي - بدر الدين الحامد - فريد مرهج، وقد نجحت كلها ما عدا بدر الدين الحامد الذي طلق السياسة بعدها طلاقا بائنا بالثلاثة وقال لزوجته "يبدو أني خُلقت شاعرا"... أما القائمة الثانية فقد ضمت كل من السادة: أكرم الحوراني - عادل العلواني - محمد السراج - خليل كلاس ..وقد فاز منها أكرم الحوراني فقط... وبعد فنرة من الزمن من انتهاء تلك الانتخابات غادر الدكتور محمد السراج حماة الى دمشق، حيث مارس بعض النشاطات الاجتماعية العادية، ودخل في فقر مدقع بعد أن كان جده غنيا كبيرا يملك قرية "بيصين" الواقعة غرب حماة وكان ايرادها عظيم.
توفي الدكتور السراج في العام 1982 عند أحد أقاربه وحيداً، فهو لم يتزوج، وحسب بعض الروايات، أنه خطب فتاة لبنانية، ولم يتم الزواج، فكان ذلك سببا رئيسيا في عدم الزواج لردة فعل شديدة حدثت له بسبب ذلك.
رحم الله الدكتور محمد السراج الوطني الكبير وطيب ثراه.
المراجع:
مقالة لابن خالي الدكتور موفق أبوطوق في مجلة الفكر السياسي - اتحاد الكتاب العرب عدد 34- 35 عام 2009، بعنوان "الدكتور محمد السراج" وهي أفضل المراجع.
مذكرات أكرم الحوراني: صفحة 200 - 2001.
معلومات شخصية من الدكتور فيصل الركبي.
مذكرات مدينة، للمحامي عثمان عدي.