كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جمانة طه: عن رواية بطل من هذا الزمان

تحياتي لكم أحبتي
اخترت لكم من المكتبة الروسية رواية: بطل من هذا الزمان "للكاتب ميخائيل ليرمونتوف 1841-1814" وقد ألفها في أواخر ثلاثينات القرن الماضي وهو في الخامسة والعشرين من عمره.
وهذا الكتاب هو واحد من سلسلةأعلام الأدب الروسي التي أهداها لي الصديق الجبلاوي نعمان ريحاوي رحمه الله.
جلبت الرواية نقمة القيصر على كاتبها، فحكم عليه بالنفي للمرة الثانية إلى القفقاس، بسبب استقلاليته واحتقاره للوجهاء الارستقراطيين، ولحضور مشاعر النضال والحرية ونقد عيوب المجتمع في مؤلفاته. والمرة الأولى التي نفي فيها ليرمنتوف كانت بسبب قصيدته "مقتل الشاعر" المخصصة لبوشكين.
ترجم الرواية "سامي الدروبي" ونشرتها "دار رادوغا" 1984
يقول ليرمنتوف عن روايته: "إن بطل من هذا الزمان لهو صورة حقًا، ولكنه ليس صورة رجل واحد. إنه صورة تضم رذائل جيلنا كله". ويقول: "لقد أحببت على سبيل التفكه أن أصور إنسان هذا العصر، كما فهمته، وكما اتفق لي أن لقيته في كثير جدًا من الأحيان، لسوء طالعي ولسوء طالعكم. وحسبي أن أشير إلى الداء، أما وسائل البرء فعلمها عند الله"
تشير القراءات إلى فرادة الرواية من حيث الشكل، لكونها تتكون من قصص توزعت فصولها على العناوين:
بيلا، مكسيم مكسيمتش، تامان، الأميرة ماري، ولكن ليس بحسب التسلسل الزمني.
يبدأ الفصل الأول مع سارد لم يُذكر اسمه وعلى الأغلب هو الملازم "غريغوري بتشورين" الذي قدم إلى مدينة "تفليس" في جورجيا، والتقى "مكسيم مكسيمتش" وترك لديه مذكرات ضاع معظمها. ومع مرور الصفحات نلحظ بأن مكسيم يروي لشخص ما عن لقائه بالملازم الروسي بتشورين وعن نشوء صداقة بينهما استمرت سنة كاملة كانت مليئة بمغامراته الخارقة والمثيرة للقلق. كان يقطن على قرب من القلعة أمير شركسي انعقدت بيني وبينه صداقة، وله ابن في الخامسة عشرة من عمره يزورنا في القلعة وكان حيويًا وعفريتًا ويحب المال كثيرًا. وكنا بتشورين وأنا نناكده أحيانًا فتحتقن عيناه بالدم ،فيمد يده إلى خنجره على الفور، فأقول له: يا عزمت، لن تحمل رأسك على كتفيك طويلًا!
وفي يوم دعانا أبوه إلى عرس ابنة له، وفي العرس رأى بتشورين أختها بيلا فأعجب بها وكانت فاتنة. ولكنه لم يكن الشخص الوحيد المعجب بالأميرة، فقد كان هناك القفقاسي "كازيتش" الذي تشير هيئته إلى من رجال العصابات. وكان يملك حصانًا يحسده عليه جميع الفرسان. حتى الفتى "عزمت" كان يحلم ويطمح إلى اقتنائه. وبعد مساومات مادية كثيرة قام بها مع كازيتش، وعده بأن يسرق أخته بيلا له مقابل الحصان.فكان جوابه أنه أنشد أغنية تقول: في قرانا كثير من حسان الصبايا/ تلمع عيونهن في الظلام كالنجوم.
ما أجمل أن نهواهن/ولكن الحرية أجمل..
بالذهب يمكن أن يشتري المرء أربع نساء/ولكن الحصان الجواد لا ثمن له:
فهو يسابق الرياح في السهوب/ لا يخون، ولا يخيب الظن.
أردتُ بكتابة هذا المقطع أن أشير إلى أن ليرمنتوف أراد أن يصور في هذا المشهد جانبًا من مساوىء جيله الذي كان يتعامل مع المرأة على أنها سلعة تُباع وتُشرى.
في الفصل الثاني، يحضر بتشورين ليصبح هو الراوي لمذكراته. كان بتشورين ذكيًا متصالحًا مع نفسه، يكره الصداقة ويرى فيها عبودية. يكره الزواج، لكنه يحب أن يوقع النساء في حبه حتى يشعر بلذة السيطرة عليهن ثم يتخلى عنهن. فيقول:
"إني أشعر بنهم في نفسي لا يشبع، يلتهم كل ما يصادفه ولا ينظر إلى آلام الآخرين وأفراحهم إلّا من ناحية صلتها بي. ثمة شيء أدهشني دائمًا هو أنني لم أكن في يوم من الأيام عبدًا للنساء اللواتي أحببتهن، بل على العكس كنت أسيطر على إرادتهن وعلى قلوبهن سيطرة لا سبيل لهن إلى دفعها دون أن أفعل من أجل ذلك شيئًا".
سعى بتشورين جاهدًا لتنمية الرغبة في نفس عزمت على امتلاك الحصان العائد لكازيتش، وصار يقول له إن لم تتعاون معي فلن تستطيع أن تراه أكثر مما ترى عنقك. فاتفقا على أن يؤمن له بتشورين الحصول على الحصان مقابل إحضار بيلا له. وفعلًا يتم لهما ما اتفقا عليه، عزمت هرب بالحصان وبيلا وصلت مقيدة إلى بتشورين. تصرف بتشورين أزعج صديقه مكسيم مكسيمتش وطلب منه أن يعيد بيلا إلى أبيها، فرفض.
أبدى بتشورين حبه لها، وطمأنها بأنه سيفعل كل ما يجعلها سعيدة. حاول التقرب منها فأخذت ترتعش وتبكي، وقالت له: إنني أسيرتك، أنا عبدتك وتستطيع أن تحملني على ما تشاء. وأجهشت بالبكاء.
اضطرب بتشورين، وقرر أن يستميلها ببعض الهدايا. فعجب عندما رأى أنها لم تتأثر بها ولم تنظر إليها. فقال له مكسيم:
"إنك لا تعرف الشركسيات. شتان بينهن وبين الجورجيات أو تتريات القفقاس، شتان. إن لهن قواعد أخرى في السلوك، وقد نشأن على تربية أخرى".
في الصباح التالي، أسرج بتشورين حصانه وحمل سلاحه، وقال لها: أحبك يا بيلا، واختطفتك لاعتقادي بأنك ستحبيني متى عرفتيني، والآن أدرك أني أخطأت التقدير. وداعًا، وكل ما أملك فهو لك. تستطيعين أن تعودي إلى أبيك، إن أحببت". ولأنها كانت تحبه كثيرًا، فلم تتركه يغادر.
لم تستمر حياة بيلا مع بتشورين كما كانت تتمنى، فبعد مدة فقد الرغبة فيها. وعندما عاتبه صديقه مكسيم على ذلك، قال: "إن لي طبعًا رديئًا، لا أدري إن كان يعود إلى تربيتي أم إلى أن الله خلقني هكذا. أعرف أني أسبب شقاء لغيري، وقعت في غرام عدد من حسناوات مجتمع الطبقة الراقية ووقعن في غرامي، لكن هذا الغرام ما كان يزيد على أن يذكي خيالي وحبي لنفسي. أما قلبي، فظل خاويًا".
مرضت بيلا مرضًا مميتًا، وتمنت قبيل وفاتها لو أنها كانت مسيحية مثل بتشورين لتكون معه في الجنة. ولأنها مسلمة، فلن تتحقق رغبتها. حاول مكسيم أن ينصّرها، فرفضت أن تغير دينها.
لو أننا تأملنا شخصية بتشورين لوجدنا أن مشاعره القاتمة وتصرفاته غير الإنسانية تعود إلى كونه بائسًا يائسًا من الحياة٠ فاليأس إن استقر في نفس امرىء أفقده الإيمان بالمبادىء والقيم،حتى لم يعد عنده أي معنى للخير أو للشر. فهو يقول:
لماذا عشت؟ ولأي غاية خلقت؟ ذلك أن ثمة غاية ولا شك في أنها غاية كبيرة، لأني أشعر بقوى هائلة في نفسي. ولكنني لم أفهم مصيري الذي خلقت له، بل كان يجرني سراب أهواء عقيمة عاقة. خرجت من بوتقتها صلبًا باردًا، كالفولاذ. كم مرة كنت كفأس في يد القدر، فانقضضت كالحسام على رؤوس الضحايا، دون كره في كثير من الأحيان.. ودون شفقة في جميع الأحيان.
قد أموت غدًا.. بعضهم يظنني أسوأ مما كنت، وبعضهم يحسبني خيرًا مما كنت. إنهم جميعًا على خطأ. وبعد، هل تستحق الحياة أن يعيشها الإنسان؟ ولكننا نعيش على كل حال، من قبيل حب الاطلاع".
تتبدى لنا عظمة الأدب في هذه الرواية من خلال استنطاق الأرواح الميتة ومن خلال الذين يعيشون في الظل. فالظل الذي اختاره ليرمنتوف لبطل الرواية كان مختلفًا وقاتمًا بدرجة لا يمكن فيها إخفاء قتامته مع كل الأضواء المسلطة عليه. فما تضمنته الفصول يمكننا من أن نصف "بطل من هذا الزمان" بأنها روايةسيكولوجية اجتماعية. فشخصياتها بحيواتها المختلفة والمتنوعة استطاعت أن تعبر عن واقع الحياة بكل تناقضاته،ولاسيما شخصية "غريغوري بتشورين"، الجامع في شخصه رذائل عصره كلها.
الرواية رائعة وماتعة، وتستحق القراءة أكثر من مرة للإحاطة بكل جوانبها.
أتمنى أن أكون قد وفقت إلى عرض بعض ما جاء فيها، وأنال الأجر من اطلاعكم عليه.
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية