خالد محمد جزماتي: سقوط الدولة العثمانية (2)
2020.08.27
ان الحروب التي جرت في العالم في عصر ما يسمى بعصر النهضة تكاد لا تحصى، وهي بمعظمها ظالمة للإنسان أينما كان، ومن تلك الحروب مايتعلق بأوربا بعديد دولها وبروسيا القيصرية والدولة العثمانية ومختلف الامارات والممالك في الشرق الأقصى ومن ضمنها الامارات المتخلفة في الطريق من أوربا الى الشرق الأقصى عبر المحيط الأطلسي والمحيط الهندي، وأيضا حروب الابادة في القارة الأمريكية الجديدة...
وحتى نجد مدخلا نتعرف من خلاله على الأسباب الجوهرية لسقوط الدولة العثمانية وتفكيكها في أوائل القرن العشرين، لا بد لنا من المرور بشكل مقتضب على بعض محاولات الاصلاح التي جرت على يد السلطان سليم الثالث (1761-- 1806) بهدف استعادة قوة الدولة كسابق عهدها.. فقد تسلم السلطة بعد تتويجه في القسطنطينية عام 1203 هجري الموافق عام 1789م حيث ورث تركة ثقيلة من التراجع أمام الحروب المتكررة من روسيا القيصرية، ومن ثورات شعوب البلقان المدعومة من الدول الأوربية وخسارة الأراضي تباعا.. و استغل السلطان سليم الثالث الهدوء النسبي مع الدول الأوربية وخاصة النمسا فقام بمحاولة جدية لاصلاح الجيش، فقام بتعيين كوشك حسين باشا قائدا عاما، وطلب منه القيام باجراءات اصلاحية في الجيش، فقام بمحاولات جدية لضرب القرصنة البحرية و اعادة تأهيل القلاع المتناثرة في أراضي الامبراطورية، وقام باستجلاب مهندسين مهرة من السويد وفرنسا لتطوير سلاح المدفعية، ومن جهة أخرى قام الخليفة سليم الثالث بتحسين العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأوربية بافتتاح المزيد من السفارات والقنصليات لبلاده في تلك الدول...
و في عهده جاء الفرنسيون بقيادة نابليون بونابرت وغزو مصر وانتصروا على المماليك، وقد اصطحبوا معهم 122 عالما في مختلف العلوم وادعى نابليون بونابرت أنه حليف لدولة الخلافة الاسلامية، ولكنه فشل في كل مشاريعه أمام صمود عكا وقائدها ومعونة العثمانيين له والانكليز عن طريق البحر، وما لبث ان فتك مرض الطاعون بجيشه فتراجع عن مشروعه نهائيا وخاصة بعد تدمير اسطوله قي خليج أبي قير من قبل الأسطول البريطاني بقيادة الأميرال نيلسون..
و في عهده أيضا قام السعوديون بالاستيلاء على مكة وأرسلوا له رسالة تتضمن مطالبهم الخاصة بالحج.. وأيضا جرت اشتباكات كثيرة وفي مناطق متعددة من البلاد بين قادة الانكشارية القدماء وبين الأفواج العسكرية المشكلة حديثا مما أضعف الدولة، وخاصة في مناطق البلقان الأوربي..
و في زمان حكمه قام حلف قوي بين بريطانيا وروسيا القيصرية للوقوف أمام جيوش فرنسا بقيادة نابليون بونابرت، واستغلت روسيا هذا الحلف فقامت بالهجوم على ولاية رومانيا واحتلتها، بينما طلبت بريطانيا من السلطان سليم الثالث فك ارتباطه وتحالفه بشكل كامل مع فرنسا وطرد الضباط الفرنسيين من بلاده، فتظاهر السلطان بدراسة الأمر ليكسب الوقت، ولكن الانكليز عاجلوه وتجاوز اسطولهم مضيق الدردنيل بعد معارك شديدة وحطموا كثيرا من السفن العثمانية في بحر مرمرة، وكاد السلطان أن يطلب التفاوض لولا شجاعة قادة أفواجه الحديثة، حيث قاموا بالتعاون مع الفرنسيين المتواجدين كخبراء عسكريين بتحصين مداخل البوسفور وقلاعه، وهب المدنيون كبارهم وشبابهم بالتطوع بالعمل على التحصين.. و كانت استخبارات الانكليز ترصد ما يجري على الأرض فقرروا سحب اسطولهم من بحر مرمرة ومن الدردنيل الى بحر ايجة... ولكن حظ السلطان كان سيئا بموت مفتي الديار العثمانية الداعم له بشدة وكان متنورا يدعو الى الاصلاح.. فجاء بديله على عكسه تماما، فتحجج عليه بأمور كثيرة قال عنها إنها غير شرعية ويعني بذلك كل أعمال التحديث التي قامت بعهده وعلى رأسها تحديث لباس الجنود الذي أصبح كلباس الجنود الأوربيين، وأفتى بأن كل خليفة يقوم بادخال النظم الغربية ويجبر رعاياه على اتباعها لا يصلح أن يكون خليفة للمسلمين، وهكذا تم عزل السلطان سليم الثالث ومبايعة ابن عمه مصطفى الرابع (1779 - 1808)، ولكن الأمر لم يستتب له طويلا لحدوث فتنة كبيرة وكثر قتل المسؤولين والوزراء، فتوجه جيش بقيادة مصطفى باشا البيرقدار الى القسطنطينية لإعادة السلطان سليم الثالث الى العرش، ولكن السلطان مصطفى الرابع سارع بقتل ابن عمه السلطان سليم الثالث ثم رمى بجثتته الى المنشثين، ولكن حكمه لم يدم طويلا، حيث تم اعدامه بعد ثلاثة عشر شهرا من حكمه، وتم تتويج محمود الثاني (1785 - 1839) خليفة للدولة العثمانية...
وللبحث صلة..