كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

خالد محمد جزماتي: سقوط الدولة العثمانية (4)

بعد وفاة السلطان العثماني محمود الثاني ( 1785- 1839) يوم 2 تموز عام 1839 تولى الحكم ابنه الأكبر عبد المجيد الأول ( 1823 - 1861) وعمره ستة عشر عاما وثلاثة أشهر، وكان يهتم بالاصلاح، وتابع مسيرة الاصلاح التي بدأها السلطان سلينم الثالث، وكان متعلما ويجيد اللغة الفرنسية، وفي عهده جرت أحداث كبيرة مع المصريين الذين تابعوا تقدمهم بعد انتصارهم على الجيش العثماني في معركة نصيبين عام 1839، فخشيت الدول الأوربية سقوط العاصمة العثمانية بيد ابراهيم باشا قائد الجيش المصري، فأنزلت النمسا وروسيا وانجلترا قوات لها في العاصمة استامبول لحمايتها، وأثناء ذلك حدث حدثا فريدا في التاريخ وهو انشقاق الأسطول العثماني بقيادة أحمد باشا عن الدولة العثمانية وانضمامه الى الأسطول المصري ورسو سفنه الحربية والمدنية في ميناء الاسكندرية، وفي العام 1840 قامت الاضطرابات والثورات المحلية في بلاد الشام على الحكم المصري، فاستغلت الدول الأوربية الحليفة والتي تخشى من قيام دولة قوية في الشرق تكون بديلة لدولة العثمانيين الضعيفة والهرمة، ففرضت حلا دوليا يقضي بانسحاب الجيش المصري من بلاد الشام وعودتها كولاية عثمانية كسابق عهدها، وجعل محمد علي باشا حاكما لمصر وجعل حكمه ورائيا لاأولاده من بعده، وكان ذلك عام 1841 بعد أن أعاد الأسطول الحربي العثماني المنشق الى الدولة العثمانية...
وفي عهده حدثت المشاكل الطائفية بين الدروز والموارتة في جبل لبنان والبقاع منذ عام 1840، و اشتدت عام 1845، فأرسل السلطان عبد المجيد الأول جيشا فرض النظام على الطرفين، ولكن الأحقاد تزايدت في الخفاء وتفجرت أحداث أليمة عام 1860 وبدأت بالتمدد الى أماكن أخرى كدمشق، وتم قتل حوالي 20000 مواطن مسيحي، فسارع أعيان دمشق وخاصة مشايخ حي الميدان الدمشقي والأمير عبد القادر الجزائري (سكن دمشق منذ العام 1856) ورجاله بحماية الأحياء المسيحية ثم فرضوا وقف أي عدوان، وفي لبنان أنزلت فرنسا 6000 جندي على السواحل اللبنانية لحفظ الأمن بالرغم من تمكن القوات العثمانية من السيطرة على الموقف وفرض الهدوء والسكينة..
أما في دمشق فقد تم تعيين محمد فؤاد باشا حاكما عسكريا مزودا بصلاحيات واسعة، فقام من فوره بحملة اعتقالات واسعة جدا للمتورطين بجرائم القتل وتخريب الممتلكات في الأحياء المسيحية، ثم قام بمحاكمتهم ميدانيا، و أعدم 111 متورطا رميا بالرصاص و57 شخصا شنقا حتى الموت، وحكم بالأشغال الشاقة على 325 شخصا وبالنفي على 45 شخصا. ومن نتائج هذه الأحداث الاتفاقية الدولية التي سميت بروتوكول القسطنطينية، والتي قضت باحداث متصرفية جبل لبنان عام 1860.
وفي هذا العهد جرت اصلاحات كثيرة وقام السلطان عبد المجيد بتقوية سلطته المركزية لتقليل الفساد الذي استشرى في الولايات، وأصدر القوانين المختلفة لتطوير عمل دوائر الدولة المختلفة وتحسين أدائها وخاصة ما يتعلق بالتحصيل الضريبي والقوانين العسكرية. وكان ما يسمى "بخط كالخانة" أول القوانين التي أصدرها السلطان عبد المجيد الأول بعد ثلاثة أشهر من توليه الحكم، وكان أهم مواده تقضي بمنح المواطنين الأمان على النفس والعرض والملك، ومنح الحرية الشخصية ومن مصادرة الأملاك ومنع فرض أعمال السخرة، ومنح حق المحاكمة قبل تنفيذ أي حكم قضائي، وتحسين التعامل مع التجنيد الاجباري وتحديد سقف الخدمة بخمس سنوات كأقصى حد، حسب ظروف الواقع الحربي للدولة، وأوامر أخرى كالأوامر التي تقضي بزيادة رواتب الموظفين، واستحداث مجلس الأحكام العدلية التي تقوم باقتراح القوانين والفرمانات لعرضها على السلطان من أجل توقيعها..
وفي عهد السلطان عبد المجيد الأول نشبت حرب القرم (1853 - 1856) وهي بمجملها امتداد للصراع القديم بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية، وسببها أن روسيا القيصرية كانت تهدف دوما الى اسقاط الدولة العثمانية والسيطرة على المضائق وبحر مرمرة والوصول الى المياه الدافئة أي البحر الأبيض المتوسط، وأيضا طموحها برئاسة الكنيسة الأرثوذكسية في البلقان وفلسطين وانطاكية، ولكن الغرب وخاصة بريطانيا كانت تمنع روسيا القيصرية من اسقاط الدولة العثمانية للحفاظ على مصالحها، وهكذا عندما قامت حرب القرم واحتلت روسيا ولاية الأفلاق والبغدان (رومانيا) واشتد القتال في القفقاس وفقدان العثمانين لكثير من سفنهم في البحر الأسود بعد تدميرها من قبل الروس، قام العثمانيون بعقد معاهدة دفاع مشرك مع انجلترا وفرنسا في شهر اّذار عام 1854، تمهيدا لاعلان الحرب على روسيا من قبل هذا الحلف...
وانتصر الحلف العثماني الفرنسي الانجليزي على الروس بسقوط مدينة "سيفاستوبل" مما أدى الى طلب الروس للتفاوض، وتم انهاء الحرب حسب اتفاقية باريس بين الأطراف المتنازعة والتي قضت بشكل رئيسي على عودة الأوضاع كما كانت قبل الحرب..
ويمكن القول أن الحرب كان من نتائجها عودة الأراضي التي احتلنها روسيا الى العثمانيين، و من نتائجها أيضا سيطرة الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية على الأماكن المقدسة المسيحية، والأهم من كل ذلك اضطرار البيت العالي الى الدخول لأول مرة في سياسة الاقتراض المالي من الدول الغربية، وهكذا تم انشاء أول مصرف مركزي بعد حرب القرم، ثم اصدار أول عملة ورقية..
و زادت الهموم على السلطان بعد حرب القرم وأصدر القانون الهمايوني الشهير الذي يساوي بين مواطني الدولة العثمانية بغض النظر عن الدين والمذهب والعرق وتفاصيل هذا القنون تدعو المهتمين الى معرفة تفاصيله وأسباب صدوره فهو مفيد جدا لمعرفة تسلسل سقوط الدولة العثمانية تباعا ودور الغرب والدولة نفسها ورعاياها في هذا السقوط.
وبحلول عام 1861 اشتد مرض السل على السلطان وبدأ يفتك به حتى وافته المنية يوم 26 تموز عام 1861..
 
وللبحث بقية
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية