تميم دعبول: شاهد على الصحافة 56- العودة إلى جريدة تشرين
2020.09.05
الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
بعد عامين ونصف عدت الى جريدة تشرين بعد أن أديت الخدمة الإلزامية. وصلت إلى المبنى باكرا، وزرت أحد الزملاء القدامى الذي اصطحبني بجولة ميدانية، تعرفت من خلالها على المبنى والاقسام المستحدثة، ريثما يحضر رئيس التحرير.
كان مبنى الجريدة الجديد الواقع في كورنيش الميدان قد اكمتل. وكان الدكتور غسان الرفاعي ثاني رئيس تحرير عملت معه قد ارتحل وحل معه رئيس التحرير الثالث عميد خولي منقولا من جريدة البعث. وكان المبنى قد أصبح أكثر ازدحاما بالزملاء الصحفيين والموظفين الإداريين..
هذه هي التغيرات الاوضح التي لمستها أثناء تجوالي في مبنى الجريدة. اما بقية التغيرات فساكتشفها تباعا.
وكما تقتضي الاصول كان اول مكتب ازوره هو مكتب رئيس التحرير.
لم اكن قد التقيت الاستاذ عميد من قبل. فكان من الطبيعي ان نتحدث عن بدايات الجريدة. وان يستفسر مني عن الشهادات التي احملها وعن المهام التي كلفت بها في فترة التأسيس وما بعدها. ولما استفسرت منه عن المهمة التي سيكلفني بها. طلب مني أن اتحلى بالصبر وان ارتاح قليلا من عناء الخدمة الالزامية . كما طلب مني أن أسجل مباشرة في الشؤون الإدارية. حتى يتخذ قرارا في اقرب فرصة ممكنة!؟
قلت له:
- خذوا وقتكم. انا ذاهب إلى البيت وعندما تتخذون قرارا سأكون جاهزا!؟
ودعت رئيس التحرير وغادرت الجريدة . كنت فعلا بحاجة إلى مرحلة انتقالية استعيد فيها توازني واستعد لمرحلة جديدة من العمل في الصحافة..
بعد حوالي عشرة أيام امضيتها بين ديرعطية ودمشق انطلق الدخان الابيض من مكتب المدير العام. الذي استدعاني واقترح علي أن اتسلم قسم التحقيقات مؤقتا على أن أعود إلى موقعي في القسم الثقافي في الوقت المناسب.. قبلت العرض..
أولا. لانني كنت مغرما بكتابة التحقيقات والزوايا القصيرة. فمساهماتي الأولى في القسم الثقافي كانت تحقيقات ثقافية واجتماعية. وقد حققت قبولا ولفتت نظر الزملاء والقراء.
وثانيا. لأن رئيس التحرير عميد خولي أخبرني بأن زميلنا إبراهيم ياخور رئيس قسم التحقيقات انتقل للعمل في مؤسسة الإسكان العسكرية. وإن خبرتي كفيلة بالمحافظة على مستوى القسم بل والدفع به إلى الامام. وان الاجراء مؤقت ريثما تتاح له فرصة اعادة ترتيب أوضاع القسمين.
وثالثا. لاني لا أملك رفاهية اختيار الموقع الذي سأعمل به. خاصة وأنه لم يسبق لي العمل مع رئيس التحرير الجديد.
باشرت العمل في قسم التحقيقات مع مجموعة مكونة من حوالي ثمانية محررين كان بعضهم زملاء دراسة في قسم الصحافة والأغلبية لم أكن أعرفهم من قبل. ولكن ذلك لم يحل دون أن تسود روح التعاون والزمالة في القسم. وان نعمل جميعا كفريق عمل منسجم ومتعاون ومتفاهم.
كان قسم التحقيقات يعنى بالقضايا المحلية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والخدمي، ويركز بشكل أساسي على الأسلوب الاستقصائي في طرح القضايا المستجدة على هذه الصعد. ولذلك سعيت للاطلاع على الدراسات الاقتصادية النظرية والمدارس والمذاهب الاقتصادية التقليدية لاتعرف على المذهب او المدرسة التي ينتمي لها الاقتصاد السوري. وعلى الاتجاهات الاقتصادية المعتمدة في سورية. كما اطلعت على الكثير من الدراسات التي عنيت بالقضايا والمشكلات التي يعاني منها الاقتصاد السوري..
رويدا رويدا بدأت اكتشف أن اقتصادنا لا ينتمي الى اي مدرسة أو مذهب اقتصادي معروف. بل هو خليط من الاجتهادات الارتجالية الساذجة المتلطية وراء شعارات لامعنى لها اقتصاديا. والتي حاول الجهابذة من المسؤولين البعثيين عن الملف الاقتصادي تغطية جهلهم وفشلهم الاقتصادي بها..
هل تذكرون عبد القادر قدورة نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. وهل تذكرون توصيفه للاقتصاد السوري في خانة "اقتصاد التقدم والاشتراكية". هذا التوصيف الذي راحت وسائل الإعلام المختلفة تتغتى به وبابداعاته وقدرته على تحقيق المعجزات. مع أنه - اقتصاديا وعمليا - لا يعدو كونه شعارا خادعا وساذجا لايغني ولا يسمن من جوع.
أذكر انه وبعد أشهر من إطلاق هذا التوصيف سافر نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية اياه إلى تونس لحضور أحد اجتماعات الجامعة العربية المعنية بالشأن الاقتصادي، وكان رئيس التحرير عميد خولي عضوا في الوفد المرافق. فاستغليت الفرصة ونشرت زاوية سخرت فيها بشدة من هذا التوصيف الساذج والمخادع والذي يعكس العقلية الاحتيالية التي يدار بها الاقتصاد السوري السائر قدما باتجاه التعثر والفشل..
في تلك الأيام لم تكن الموبايلات قد ظهرت ولم يكن الانترنيت قد وضع في الخدمة.. ورغم ذلك تلقيت اتصالا هاتفيا مساء ذلك اليوم من تونس كان رئيس التحرير غاضبا. لان مكتب السيد قدورة بدمشق ارسل له نص الزاوية إلى تونس بواسطة الفاكس. فقراها فارتفع ضغطه على ما يبدو وأرغى وازبد لأنه اعتبر ما جاء في الزاوية من سخرية مرة وحقائق مسكوت عنها إهانة شخصية له ولما يمثله في الحكومة الرشيدة. الأمر الذي اضطر الأستاذ عميد للاتصال بي ومعاتبتي لاني استغليت فرصة غيابه لاتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها لقسم التحقيقات!؟
لم اهتم للأمر كثيرا. فقد مضى نهار كامل على نشر الزاوية. ولم يتصل أحد من أولي البأس، والأمر والنهي، والحساب والعقاب من داخل سورية ليحتج على ماجاء في الزاوية. وهو ما جعلني متاكدا من ان "الرقابة" على النشر من ذوي القربى. أشد واظلم!؟
"يتبع"