اقطاع عثملي وعقلية مملوكية وتصرفات لا تصدق في "اقطاعية" عين حسين (حمص)
2020.09.06
كتب الدكتور عبد الله حنا:
{كان من المقرر متابعة طبيعة الدولة العثمانية، ولكنني رأيت ان الحلقة، التي تناولت تحوّل السلطان عبد الحميد إلى أكبر إقطاعي في الدولة العلية العثمانية، أن ثمّة غموضاً في نظرة الناس إلى الدولة العثمانية بصفتها دولة مسلمة، ورؤية كُثر إلى اعتبار عبد الحميد يأتي في منزلة قريبة من منزلة الخلفاء الراشدين (والعياذ بالله)، ولذا نحوتُ إلى وقائع تستند إلى الوثائق من جهة و إلى ما قمت به من دراسات ميدانية في الأرياف السورية واخترت هنا زيارتي الميدانية لقرية عين حسين بالقرب من حمص شمالا في خريف 1984}
***
أرض الجفتلك السلطاني
تقع قرية عين حسين على بعد 25 كم إلى الشمال الشرقي من حمص. وكانت، شأنها شأن معظم الأراضي الواقعة إلى الشرق من حمص، أرضا خالية من السكان بسبب الفوضى وغزوات البدو وحروبهم المتواصلة. ومع استتباب الأمن في عهد ابراهيم باشا المصري (1833 – 1842) تراجعت الغزوات البدوية عن المعمورة، وأخذ فلاحوها يتجهون نحو الشرق لاعمار القرى المهجورة، وحرث الأرض المهملة في حوران وحمص وحلب. وفي تلك الفترة بدأت الحياة تعود إلى قرى المشرفة وشنشار والزعفرانة إلى الشرق من حمص. ولكن انسحاب ابراهيم باشا وعودة الحكم العثماني أدى إلى رجوع الفوضى وهجوم (البدو) من جديد على مناطق المعمورة.
بعد مجيء السلطان عبد الحميد (1876 – 1908) استغل منصبه لزيادة ثروته بمختلف الوسائل، ومنها تسجيل الأراضي الخالية باسمه، وسرقة الأراضي التي وضعت الحكومة يدها عليها بعد وفاة أصحابها بلا وريث أو عند استيلاء الحكومة على الأرض لقاء الديون التي عجز الفلاح المالك عن تسديدها نتيجة لكثرة الضرائب. وهكذا امتلك السلطان عبد الحميد مساحة في بلاد الشام قدرت بنحو 15 مليون دونم شملت 1114 قرية، عرقت باسم أرض الجفتلك، أي الأرض السلطانية الخاصة.
وقد قام السلطان عبد الحميد بعدة اجراءات لزيادة انتاج الأرض الخاصة به، أي الجفتلك. فهو، أولا، أعفى الفلاحين العاملين في أرضه من الخدمة العسكرية. وثانيا حمى القرى السلطانية (الجفتلك) من تعدي الأعراب (البدو الرحل) بواسطة جند سيار خاص من راكبي البغال المسلحين ببنادق حديثة بإمكانها التغلب على أسلحة البدو ودفعهم نحو البادية. وثالثا، أعفى الأرض السلطانية (جفتلك) من الضرائب الحكومية ومن تسلط الدرك وأوجد جباة تابعين لادارة خاصة بأملاكه مركزها حلب. وبفضل هذه الاجراءات الأمنية أولا، والمالية ثانيا، عمرت القرى الواقعة إلى الشرق من حمص وحماة، وفي أقضية الباب ومنبج وغيرها. كما أدت هذه الاجراءات إلى استقرار بعض القبائل مثل "الولدة" على ضفاف الفرات وتحولها إلى "فلاحين – بدو".
وبعد عزل السلطان عبد الحميد عام 1909 على أثر ثورة الأتراك الاتحاديين اضطر للتنازل عن أملاكه الخاصة، أي الأراضي الأميرية أو ما عرف بالجفتلك، لخزانة الدولة العثمانية وأصبحت ملكا للدولة. ومع فقدان الأمن أيام الحرب العالمية الأولى ساءت حالة فلاحي الجفتلك نتيجة هجمات البدو، عليهم وخسارتهم لبعض "امتيازاتهم" ومنها اعفاؤهم من العسكرية.
وبعد انهيار الدولة العثمانية (1918) ومجيء حكم الانتداب الافرنسي صارت أراضي الجفتلك، أي الأراضي المدورة، تحت اشراف سلطات الاحتلال الاستعماري الافرنسي والحكومات، التي أقامتها في سورية. وكثيرا ما جرى الخلط والالتباس لدى بعض الباحثين في عدم التفريق بين الأراضي الأميرية التي تكون رقبتها للدولة وحق التصرف فيها عائد للغير، والأملاك المدورة (الجفتلك) التي آلت إلى الدولة المنتدبة بعد عام 1920 وهي أرض (عقارات) رقبتها وحقوق التصرف فيها عائدان للدولة، التي استوفت أجرة هذه الأرض مقدرة حسب خصوبتها ونفوذ المستأجر، سواء كان فلاحا أو اقطاعيا. وفي عهد الانتداب الافرنسي استوفت الدولة من 17,5% إلى 22,5% من محاصيل المسـتأجرين لهذه الأرض بما فياه ضريبة العشر. وقد بلغت مساحة المزروع من أرض الجفتلك عام 1932 قرابة ستة ملايين دونم قامت عليها 854 قرية أو مزرعة اشتغل فيها نحو عشرين ألف أسرة فلاحية.
كانت الأراضي الأميرية ومن ضمنها أراضي "الجفتلك" سلعة في يد سلطات الانتداب الافرنسي تستطيع بواسطتها شراء زعماء القبائل وذوات المدن ومتنفذي الريف عن طريق "تمليكهم" هذه الأراضي، أما عن طريق الهبة أو عن طريق الشراء الاسمي. ووجدت السلطات الاستعمارية في هذا الأسلوب وسيلة هامة من أجل توسيع قاعدتها الاجتماعية في الريف و"ذوات" المدن. واستنادا إلى سياسة كسب الأنصار باعت سلطات الانتداب أكثر من 250 قرية من أصل 854 قرية بين سنتي 1926 – 1932 ووضعت – كما كتب رئيس مصلحة الزراعة الأمير مصطفى الشهابي – خطة لبيع 50 قرية سنويا من قرى الجفتلك. ومع أن المادة السادسة والعشرين من قانون 193 أقرت أن "التأجير مع الوعد بالبيع" لا يمكن إلا للفلاحين، إلا أن معظم الأراضي التابعة للدولة ذهبت إلى شيوخ العشائر وكبار الملاك ومتنفذي الريف وذوات المدينة وكبار الموظفين. وكانت لجان تحديد وتحرير أملاك الدولة الخاصة العوبة في يد المستشارين الافرنسيين "يهبون" الأرض لمن يرضى عنه المستشار أو ترجمانه ومن يقدم الرشاوى والهدايا لمفاتيح هؤلاء وأسيادهم. فقد طبق المستشارون الافرنسيون في مراكز الأقضية (حاليا المناطق) السياسة الاستعمارية الفرنسية الرامية إلى خلق طبقة من كبار الملاك ومن الفلاحين الأغنياء تدين بالولاء للحاكم الاستعماري الفرنسي وتقف ضد الحركة الوطنية.
***
كانت أراضي "عين حسين" المؤلفة من 52 فدانا في معظمها من أراضي أملاك الدولة (الجفتلك) التي امتلكها عبد الحميد وعرفت بعد عزله بالأراضي المدورة. ومن أصل 52 فدانا ملك في أواخر القرن التاسع عشر توفيق الرفاعي المعروف بالقاضي، خمسة أفدنة وسجلها (طوبها) باسمه، معتمدا على نفوذه في دوائر الدولة في حمص. أما بقية أفدنة القرية وهي 47 فدانا فقد عمل عليها فلاحون أتوا في معظمهم من وعرة حمص، هربا من جور ذوات حمص وحماة، وأغوات تلكلخ، الذين تملكوا القرى واستثمروا الفلاحين وحولوهم من فلاحين أحرار إلى فلاحين مستعبدين أي فلاحين محاصصين وأجراء، وكانت أراضي الجفتلك نظرا لما تحققه من "امتيازات" للعاملين عليها مراكز جذب لفلاحي المناطق الفقيرة ذات الملكيات الصغيرة أو الخاضعة للاستثمار الاقطاعي.
الحلقة القادمة:
أراضي الجفتلك في "عين حسين" بين الفلاحين والمتنفذ الاقطاعي