جمانة طه: ذكريات من زيارة الصين.. متحف تاريخ شنغهاي
2020.09.06
تجد نفسك في هذا المكان أمام تحفة تراثية تتجسد فيها الروح الإنسانية بأعمق أبعادها، من حيث جمال المكان ونظافته وحسن تنظيمه وترتيب محتوياته.
يضم المتحف مقصورات عديدة تمثل كل واحدة منها بشخوصها الشمعية التي تكاد تنطق، مشاهد اجتماعية مختلفة. فأنت في بيت يضم أسرة مكونة من أب وأم وولد، وأمام محكمة تعقد فيها قاض ومتهم وشهود وحضور، وسجن ومساجين ، وتاجر أقمشة يقف في دكانه، وخياط يجلس أمام ماكينة الخياطة وحوله كل مستلزماتها، وصندوق الفرجة وحوله الأطفال. هذا غيض من فيض هذا المتحف، المشغول بدقة عالية. أما الأكثر إدهاشًا لي فكانا، صاحب البقالية وما فيها من أصناف وأنواع، وصاحب دكان البهارات والأعشاب، لدرجة ظننت فيها أنهما شخصان ينبضان حياة، جاءا من سوق البزورية الدمشقي. من أجمل الأمسيات في شنغهاي، تلك التي أمضيناها في مشاهدة فرقة الأكروبات. ومع أنني كنت قد حضرت في دار الأوبرا بدمشق عرضا مشابهًا، أما أن تراه في موطنه فله نكهة خاصة لبراعة التمثيل وسحر التعبير وبهجة الألوان.
حديقة تشو تشن أو
حاول الشاعر (وان شيان تشيان) أن ينشر أفكاره الإنسانية التقدمية في بلاده، لكن الإمبراطور منعه خوفاً من أن تتفتح العقول وتتغير المفاهيم، فالناس عندما تفهم وتدرك تثور على الظلم والاستعباد.
وفي لحظة يأس سار في الحقول هائماً على وجهه، فصادفه فلاح سأله عن سبب حزنه واكتئابه فروى له حكايته. فقال له الفلاح: انظر إلى المياه العكرة في هذا النهر، هل تستطيع أن تحولها إلى مياه صافية نقية وتغسل ثيابك فيها؟.
الإمبراطور أيها الشاعر مثل هذا النهر، دواخله فاسدة ولا يمكنك إصلاحها أو تنقيتها. عندما سمع الشاعر مقوله الفلاح، عاد إلى بيته في مدينة سوتشو وصمم على إقامة حديقة على أرض يملكها. فولد هذا المكان العجيب بامتداده ومبانيه وبحيراته المغطاة بنبات أزهار اللوتس، وحدائقه المنوعة الأشكال والمزروعات والألوان.
ولأن صاحب الحديقة شاعر، تجلت أحلامه الكبيرة في بناء مقصورة على شكل سفينة، ًزينها بخمسة وطاويط جلبًا للحظ وتخيل نفسه مبحرًا فيها. ومن أبهى الأبنية في الحديقة، مكان زيَّن الشاعر واجهاته الخشبية بقطع هندسية من الزجاج النيلي اللون، الذي إذا نظرت من خلاله تبدو لك الحديقة وكأنها مكسوة بالثلوج. وذلك ليبعد عن نفسه الشعور، بوطأة الحر والرطوبة في أيام الصيف.