أراضي الجفتلك في (عين حسين) بين الفلاحين والمتنفذ الاقطاعي
2020.09.07
كتب الدكتور عبد الله حنا:
تجمع في "عين حسين" قبل الحرب العالمية الأولى عدد كبير من الفلاحين، الذين حصل كل منهم على مساحة من الأرض تراوحت بين نصف فدان إلى فدانين، حسب قوة الفلاح وعدد أفراد عائلته. وكان هؤلاء يدفعون أجرة هذه الأرض نسبة من محصول الحبوب تراوحت بين 17% و25% من الغلة المقدرة إلى صندوق السلطان عبد الحميد الخاص قبل 1909 ثم إلى الدولة العثمانية حتى 1918 وبعدها إلى دولة الانتداب الافرنسي، وكانت دائرة أملاك الدولة ترسل سنويا لجنة تقدر المحاصيل في أراضي الجفتلك ويدفع الفلاحون الأجرة نقدا إلى خزينة الدولة. وأيام الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) المعروفة بـ "سفر برلك" حدث تخلخل في البنية الاقتصادية والاجتماعية لعين حسين. فمصادرة الغلال والمجاعات والخوف والفوضى ومن ثم سوق الرجال إلى ساحات القتال أفرغ الأرض من فلاحيها. وهنا استغل توفيق القاضي (الرفاعي)، الذي ملك قبل الحرب خمسة أفدنة فقط ، ظروف الحرب وعمد إلى التسلط والهيمنة على أراضي الفلاحين الذاهبين إلى ساحات الحرب. وعندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها وعاد من بقي حيا من الجنود إلى عين حسين تمكن "من فك أرضه" واسترجاعها من توفيق الرفاعي، أما من مات في الحرب أو لم يعد بعدها إلى القرية، فاستولى الرفاعي على أراضيهم التي بلغت 17 فدانا. ومعنى ذلك أن الرفاعي صار مستأجرا لاثنين وعشرين فدان من أصل 52 فدانا من أملاك الدولة. والمتنفذ المستأجر لأملاك الدولة سرعان ما يستولي عليها وينقلها من ملكية للدولة إلى ملكية خاصة.
يتبين مما تقدم أن فلاحي عين حسين توزعوا بعد الحرب العالمية الأولى إلى فئتين:
- فئة تعمل في أرض الرفاعي – وهي في معظمها أرض جفتلك – بالأجرة أو على أساس الحصة وتسكن في بيوت ملك للرفاعي. وسنتكلم، لاحقا، بالتفصيل عن هؤلاء الفلاحين المحاصصين والاجراء، الذين سرعان ما كانوا يهربون من جحيم الاقطاعي بعد مرور سنة أو أقل. ومعنى ذلك أن هذه الفئة لم تكن مستقرة اجتماعيا وغير متماسكة. وهناك تحرك اجتماعي مستمر، فثمة فلاحون يهاجرون أو يهجرون، وآخرون يحلون محلهم وهكذا... فلم يكن هناك تماسك اجتماعي فلاحي بين هذه الفئة المضطهدة الفقيرة، وهم "يشكلون" من قرى ومناطق مختلفة بعكس فلاحي الفئة الثانية، التي أطلق عليها اسم "فلاحي الجفتلك".
- فئة الفلاحين مالكي، والأصح مستأجري، أرض الجفتلك، الذين كانوا يدفعون أجرة الأرض للدولة، ونظريا لم يكن لتوفيق الرفاعي ومن ثم لابنه محمد توفيق الرفاعي المعروف بالقاضي علاقة بهذه الفئة من الفلاحين. أما في الواقع فإن الرفاعي تمكن من استثمار واستعباد هذه الفئة – المستقلة نظريا عن طريقين: علاقته الوثيقة بالدولة واستخدامه لجهازها في سبيل اخضاع الفلاحين واستغلالهم، واعتماده على جماعة من البدو (زلم الاقطاعي) المسلحين والمقيمين في القرية بصورة دائمة، لخدمة الاقطاعي وحراسة أرضه ومراقبة فلاحي الفئة الأولى والسيطرة على فلاحي الفئة الثانية ووضعها في خدمة الاقطاعي محمد توفيق الرفاعي (القاضي).
كان زلم الاقطاعي هؤلاء يجبرون الفلاحين المالكين (المستأجرين) لأرض الجفتلك على العمل بالسخرة في أرض الاقطاعي، وكانت معظم الأعمال الزراعية من فلاحة وبذار وحصاد وتذرية تقع على كواهل الفئة الثانية. ويعود سبب ذلك إلى تهجير أو هروب فلاحي الفئة الأولى بعد انقضاء مدة وجيزة هربا من المعاملة البربرية، التي مارسها الاقطاعي وزلمه. يضاف إلى ذلك أن زلم الاقطاعي أخذوا في أيام المواسم يقتطعون جزءا كبيرا من محاصيل فلاحي الجفتلك ويحوشون عنبهم ويسلبون الخضرة، التي زرعها الفلاحون بعرق جبينهم. وفي العشرينات لم يكن هناك امكانية أو ظروف تساعد الفلاحين على المقاومة والتصدي للاقطاعي صاحب الكلمة النافذة في المدينة والدولة وزلمه من بدو النعيم وبني عز والعقيدات الذين بلغ عددهم حوالي عشرين مسلحا. ووراء هؤلاء المسلحين البدو، تقف عشائر برمتها مستعدة للثأر لابن العشيرة، في حال قتله من الفلاحين، فيما اذا جرت مقاومة.
ومعنى هذا، ان فلاحي الجفتلك في تلك العهود كانوا بين نارين: نار الدولة الاقطاعية التي تقف وراء محمد توفيق الرفاعي، ونار التخلف العشائري، الذي يقف وراءه مرتزقة الاقطاعي من البدو. وفي الوقت ذاته لم تكن القوى الحليفة طبقيا للفلاحين في المدينة قد ظهرت بعد (الطبقة العاملة) أو أن وزنها السياسي كان لا يزال ضعيفا (البورجوازية الصغيرة الثورية أو المستنيرة). ولهذا لم يبق أمام فلاحي الجفتلك في عين حسين إلا أمران: إما الهرب من الجحيم الاقطاعي، أو اللجوء إلى متنفذ آخر وطلب مساعدته لقاء ثمن معين. وقد اختار فلاحو "عين حسين" الطريقين بالتتابع. ففي أواخر العشرينات هاجرت من عين حسين نحو أربعين عائلة فلاحية هربا من جحيم التسلط الاقطاعي، الذي مارسه البيك وزلمه. وهؤلاء هم فلاحو الجفتلك، الذين ملكوا – استأجروا – ثلاثين فدانا من القرية. وقد توزع الفلاحون في مناطق مختلفة بعضهم عمل في "الفاعل"* في طرابلس الشام وحمص، وبعضهم انتقل إلى قرى أخرى وبخاصة في قرية المشرفة ومزارعها، التي آلت ملكيتها إلى آل ثابت اللبنانيون. وبعد رحيل الفلاحين بقيت أراضيهم بورا. أما بساتين الكروم فكان زلم الاقطاعي يحوشونها (يجنون ثمارها) ويأكلونها.
***
استقينا هذه المعلومات من فلاح الجفتلك محمد حمدو العبد الله (مواليد 1910)، هاجر من عين حسين إلى عين الدنانير التابعة لآل ثابت. وهناك أخذ أرضا بالحصة وقدم لآل ثابت ربع محصول البعل وثلث محصول الأرض المروية. وكان يملك عام 1930 لدى مغادرته عين حسين 17 بقرة و20 رأس غنم وماعز وزوج خيل لجر عربة أربعة دواليب وأربع أو خمس فرشات.
معنى ذلك أن فلاح الجفتلك في الأراضي الماطرة والمروية كانت حالته المادية مقبولة بالنسبة لذلك العهد. ولكن التسلط الاقطاعي أجبر الفلاحين على الهجرة. ويقول الفلاح محمد حمدو العبد الله أن الفلاحين الهاربين معه كانت أوضاعهم المادية متفاوتة، بعضهم أحسن منه وبعضهم أسوأ. ونقدر أن الفلاحين الفقراء الذين ملكوا عددا ضئيلا من الماشية هم الذين انتقلوا إلى العمل في المدن، في حين بحث الفلاحون المالكون للماشية والخيل عن عمل في الزراعة في قرى أخرى. فاضطر الفلاح محمد لبيع 15 بقرة خلال سنوات الهجرة الثلاث حتى يطعم عائلته ويسير أموره.
ولم تكن هجرة معظم فلاحي الجفتلك في عين حسين في مصلحة الاقطاعي محمد توفيق الرفاعي (القاضي). فقد خسر أيدي عاملة كان يجبرها على العمل بالسخرة في أرضه. كما أدت هجرة معظم فلاحي الجفتلك إلى خوف الفلاحين الآخرين من العمل لدى البيك، الذي ذاع صيته وانكشفت معاملته السيئة لدى الفلاحين. ولهذا فإن البيك الحمصي ضغط على آل ثابت لكي يهجروا فلاحي عين حسين ويجبروهم على العودة إلى حظيرة مملكته. من جهة أخرى خاف الفلاحون على ضياع أراضي أملاك الدولة، التي يستغلونها، أن تذهب منهم في حال عدم حراثتهم للأرض. وفي الوقت نفسه كانت لجان التحديد والتحرير المُشلكة بموجب قرار المفوض السامي لعام 1926 قد أصبحت معروفة. وقانون تأجير أراضي أملاك الدولة مع الوعد بالبيع أصبح عام 1930 نافذ المفعول. ولهذا أصبح للفلاحين مصلحة في العودة إلى عين حسين بعد غياب دام ثلاث سنوات.
قال فلاح الجفتلك محمد حمدو العبد الله: "دخلنا {تعني هنا طلبنا المعونة} على خليل بك الأتاسي – شقيق هاشم الأتاسي – الذي كانت أملاكه قليلة، وهو الى جانب الفقير، وضد مكرم وحلمي الأتاسي المؤيدين لمحمد توفيق الرفاعي". خليل بك قال: "أريد أن أساعد الفقير وأفرز له الأرض". وفعلا تمكن خليل بك من فرز أفدنة فلاحي الجفتلك عن أراضي وأفدنة محمد توفيق الرفاعي القاضي. وقامت لجنة "الكادسترو" (المساحة) بتخصيص الأرض الشمالية من عين حسين لفلاحي الجفتلك وإبقاء الأرض الجنوبية المحيطة بالقرية لمحمد توفيق القاضي. وفي عام 1934 قام فلاحو الجفتلك وبالتدريج ببناء بيوت لهم في الأرض الشمالية المخصصة لهم وأطلقوا على قريتهم الجديدة اسم العامرية، ودلالة الاسم ليست بحاجة إلى تعريف. أما في السجلات الرسمية فأطلق على قريتهم الجديدة اسم عين حسين الشمالية مقابل عين حسين الجنوبية مركز "امبراطورية" محمد توفيق القاضي.
ومقابل مساعدة خليل بك الأتاسي لفلاحي الجفتلك ولقاء نفقات الفرز، دفع كل فدان لخليل بك مئة ليرة سورية، حيث كانت الليرة الذهبية تساوي 5,5 ل. س. فإذا علمنا أن الفلاحين الذين انتقلوا إلى عين حسين الشمالية (العامرية) ملكوا 24 فدانا. معنى ذلك أن خليل بك حصل على 2400 ل. س عدا ونقدا لقاء مساعدته للفقراء.
االحلقة القادمة: البنية الاجتماعية لفلاحي عين حسين التابعين للاقطاعي