العودة الى الديار… حين يقتل الإستبداد الحب!
2020.09.08
صفير قطار متواصل يختلط بصخب عجلاته…، فيما الكاميرا ترصد لنا من بين العجلات المتسارعة حركة رجل خائف يحاول اخفاء وجهه وهو يختبىء في مكان مهمل من المحطة…يعرض لنا تيتر الفيلم أسماء صناع (العودة الى الديار)..، تقطع الكاميرا هنا وتتحول في لقطات قريبة لمجموعة من تليمذات احدى المدارس يتدربن على عرض باليه وهن يحملن البنادق ويستعرضن قوة السلطة الاشتراكية الصينية.. مع تأدية التحية العسكرية…!
العرض مسرحية راقصة تمجد قيادة البلد في ذروة ما يسمى الثورة الثقافية في الصين والتي تلاشت مع موت مطلقها ماو تسي تونغ عام 1976 …
قبل معرفتنا بهروب الزوج نرى مدير المدرسة يستدعي زوجة لو وابنته راقصة الباليه ويقول للام: لا نستطيع اسناد دور القائد لابنتك وهو الد
ور الرئيس في العرض المسرحي لأن والدها يميني ومعتقل، وهو هارب الان! والرفاق يبحثون عنه …تقول الأم : لكن ابنتي كان عمرها ثلاث سنوات حين اعتقل والدها وهي بالكاد تعرفه! ورغم براعة الابنة برقص الباليه وتميزها الا أن قصة الاب كانت سببا لمنحها دور الجندي في العرض وهو دورا ثانويا… و في مساء نفس اليوم يأتي اثنين من الحزب الشيوعي الصيني ليحذران الزوجة والابنة من التستر على اية معلومات تخص المعتقل الهارب.

…تدور أحداث الفيلم في السنوات الأخيرة من عهد الثورة الثقافية، ويتناول قصة الزوجين (لو يانشي) يؤدي الدور تشن داو مينج وفينج وانيو (جونج لي)، الذي يعشق أحدهما الآخر….خلال الثورة الثقافية يتم القبض على لو باعتباره (يميني) له بعض الآراء المختلفة ويحتجز بأحد معسكرات الاعتقال… يهرب لو من معسكر الإعتقال ويحاول رؤية زوجته وابنته راقصة الباليه…
لو المتخفي ينجح في الوصول الى بيته بمخاتلة المخبر المراقب لمدخل البيت، يطرق الباب ويهمس لزوجته لتفتح له لكن خوف الزوجة يطغى على الحب فلا تتمكن من فتح الباب! فيدس لها ورقة من تحت الباب مكتوب عليها مكان وموعد اللقاء المشتهى للحبيبين.. في هذه اللحظات تأتي الابنة الحزينة لفقدانها الدور الرئيسي في العرض وترى والدها فيهرب من على سطح البناء…
تقرأ الابنة قصاصة الورق وتتجادل مع أمها بشأن الاب الهارب.. وفي اليوم التالي تذهب الام الى الموعد المحدد وقبل لقائها بالزوج بمسافة قصيرة ترى الجنود يركضون الى مخبأ الزوج فتصرخ: اهرب اهرب…
وخلال التدافع في محطة القطار وركض الجنود للامساك بلو تسقط الأم على الارض ويتم القاء القبض على لو..
تسند ادارة المدرسة الدور الرئيسي لراقصة الباليه المراهقة وتغيب الأم عن العرض حيث نرى بلقطة مقربة كرسيا فارغا ونظرة حزن في عيون الابنة.. لقد كافأ الرفاق الابنة التي وشت بوالدها الآبق!

بعد عدة سنوات تنتهي الثورة الثقافية بموت ماو تسي تونغ ويعود لو من الاعتقال، يتوجه لو إلى بيته ليجد أن زوجته أصيبت بفقدان الذاكرة، لا تتعرف عليه، ولا تتذكر شيئا من الماضي وتطرده من البيت كونه ظنا منها أنه مغتصبها!
يحاول لو بشتى الطرق استعادة ذاكرة زوجته وتحفيزها على التذكر بكل السبل الممكنة، وإقناعها بأنه عاد، لكنها، لا تصدق، وتظل مصممة على رأيها بأنها ستظل تنتظر زوجها حتى يعود.
كما يتفاجأ لو بتخلي ابنته عن الباليه وعملها وسكنها في مصنع بائس بعد أن طردتها أمها، الزوجة كما قال الطبيب مرضها نفسي أولاً، هي تذكر الماضي وتتعرف على ابنتها وعلى الصور التي التقطت لزوجها قبل اعتقاله، لكن لديها ذاكرة هشة فيما يتعلق بالحاضر. هي تعجز عن التعرف على زوجها بعد أن تقدم في السن، وكلما حاول التقرب منها صرخت به حيث يترائى لها أن زوجها هو الضابط الذي اغتصبها بعد أن لجأت إليه لإعفاء زوجها من عقوبة الإعدام. الزوج يتواصل مع امرأته من خلال رسائل يقرأها لها مدعياً أن زوجها (أي هو نفسه) كلفه بإيصال هذه الرسائل لها. يقنعها بالغفران لابنتهما وإعادتها إلى البيت، لكنه يفشل في إعادتها إلى الحاضر وجعلها تتعرف عليه.

على هذا المنوال، يظل الأب وابنته لسنوات طويلة يرافقان الأم في الخامس من كل شهر (اليوم الذي كان الأب ذكر في الرسالة التي أرسلها إلى زوجته بعد تحريره أنه سيعود فيه) إلى المحطة لانتظار عودة الزوج الشاب الذي سرقته الثورة إلى الأبد.
في المشهد الآخير نرى الزوجة وزوجها يرفعان لافتة في محطة القطار مكتوب عليها اسم لو بانتظار الافراج عنه …ورغم أنه يرافق زوجته الا أنه عجز عن جلب الحاضر لها وأنه عاد من سجون الثورة الثقافية..
قصة بسيطة وعميقة تكثف من خلال هذه الشخصيات الثلاثة كيف دمر الاستبداد هذه العائلة ومزقها ومحى ذاكرة عاشقين مضمخة بالحب والانسجام …فالافراج عن المعتقل لم ينه المأساة …فلو ضحية الثورة الثقافية سيكرس ما تبقى من عمره لترميم ذاكرة الحب التي شوهتها ثورة ثقافية لم يكن ضمن برنامجها الحفاظ على أية مشاعر انسانية…
الفيلم مقتبس من رواية (المجرم لو يان شي)للكاتبة يان جلينغ-
إخراج: تشانغ يي موو
بطولة: جونغ لي، وتشين داو مينغ
رابط الفيلم
https://www.youtube.com/watch?v=Ds8IvvmwXrg
أحمد خليل.. كاتب سوري
نواة سوريا