تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 58
2020.09.09
الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
ذكرت في الحلقة الماضية، أن الآلية المتبعة في تعيين المدراء العامين للمؤسسات والشركات السورية كانت واحدة من أهم الأسباب التي أدت إلى فشل هذه المؤسسات وانتشار الفساد فيها.
كانت القيادة القطرية لحزب البعث هي المسؤولة عن تعيين أو ترشيح الأشخاص لتولي مناصب الدرجة الأولى ومن ضمنهم المدراء العامين الذين يتولون مهام إدارة الشركات والمؤسسات والهيئات الحكومية في مختلف القطاعات ومنها القطاع الاقتصادي.
كانت القيادة مجتمعة تعين "الرفاق" في هذه المناصب بشكل مباشر أو عبر الطلب من فروع الحزب وشعبه اقتراح أسماء لتعيينها في المواقع الشاغرة،. وفي أحيان نادرة وخاصة كانت تطلب الترشيح من الوزير المختص، ثم ترسل الترشيحات إلى الأجهزة الأمنية المختصة لتبدي رأيها في المرشح من الناحية السياسية ومن ناحية ولائه و "التزامه" بخط ونهج الحزب. أي أن التعيينات كانت تصدر عمليا من جهتين غير مؤهلتين لإعطاء تقييمات فنية ومهنية متعلقة بكفاءة الاشخاص المقترح تعيينهم في هذه المواقع وأعني تحديدا، القيادة القطرية للحزب والأجهزة الأمنية.
تركت هذه الالية المتبعة في التعيينات آثارها السلبية على مختلف المؤسسات الحكومية - اقتصادية أم غير اقتصادية -وتسببت في فشلها وفي انتشار الفساد فيها للأسباب التالية:
أولا - كان أغلبية المدراء العامين ان لم نقل جميعهم من الرفاق البعثيين الذين بمجرد تسلمهم مهامهم يرتبطون بالقيادات الحزبية التي عينتهم ويسعون للحصول على رضاها وياتمرون بامرها وينفذون توجيهاتها و"يطنشون" الوزير المختص الذي يتبعون له. ولذلك أصبح الوزراء محدودي التأثير على المؤسسات والمدراء سواء لناحية التوجيه أو لناحية تنفيذ الخطط الموضوعة، أو تطبيق سياسات الثواب والعقاب التي يفترض أن تكون من مهام الوزير. فمدير المؤسسة كان يعتبر نفسه ندا للوزير باعتبار كليهما معينان من ذات الجهة. بل إن الكثيرين من مدراء المؤسسات كانوا يعتبرون أنفسهم أهم من الوزراء أنفسهم.
كان مدراء المؤسسات وخاصة الكبيرة والهامة منها يمتلكون الكثير من الإمكانيات التي يستطيعون من خلالها إرضاء اشخاص من القيادات الحزبية والأمنية ورد الجميل لهم، وكسب ودهم، والحصول على حمايتهم، عن طريق توظيف أقاربهم وأصدقائهم وأبناء قراهم و أحيائهم. حتى في حال انتفاء الحاجة لهم أو حتى في حال لم يكونوا مؤهلين لشغل هذه الوظائف. الأمر الذي أدى إلى تضخم مريع في عدد العاملين في هذه المؤسسات.
لكن هذا لايعني اني أعطي شهادة حسن سلوك وكفاءة ونزاهة للوزراء أو اعتراف بتفوقهم مهنيا وأخلاقيا على المدراء العامين. او اعتراف بأنهم أحرص على نجاح المؤسسات ومحاربة الفساد.
ما أردت قوله أن اعتماد هذه الالية التي تسببت باضعاف صلاحية الوزراء تجاه مدراء المؤسسات، أبقى هؤلاء المدراء خارج نطاق الرقابة الفعلية التي يفترض أن يقوم بها الرؤساء المباشرون لهم وهم الوزراء المعنيون بمؤسساتهم. كما أعفى الوزراء بالضرورة من تحمل مسؤولياتهم الأدبية والعملية عن فشل هؤلاء المدراء أو فسادهم، باعتبار انهم لم يساهموا في تعيينهم ولا يملكون الصلاحيات والنفوذ الكافي للسيطرة على سلوكهم أو التأثير على القرارات التي يتخذونها.. ولذلك وجد الوزراء أيضا المبرر والحجة الكافية لإبعاد أنفسهم عن تحمل مسؤولية فشل المؤسسات التابعة لهم أو فسادها إذا سئلوا عن ذلك. وهو أمر لم يكن يحدث على الإطلاق.
ثانيا - ساهمت هذه الآلية في اقتصار وصول البعثيين إلى قيادة المؤسسات الحكومية. وتجاهلت الكفاءات من غير البعثيين. وهذا الأمر لم يؤد فقط لتقليص الخيارات المتاحة لانتقاء الأشخاص الأفضل لشغل هذه المناصب. بل ان الكثيرين ممن شغلوا المواقع الادارية المهمة كانوا قد اوفدوا للدراسة في الدول الاشتراكية بموجب منح وصلت لهم بقوة الواسطة، ولم تراع على الاطلاق شروط التفوق والاهلية والحصول على معدلات عالية في امتحانات الشهادة الثانوية أو الشهادة الجامعية.
كما أن الكثيرين من هؤلاء الموفدين درسوا في جامعات مشهود لها بفساد إداراتها وضعف خريجيها. وعادوا ليتسلموا إدارة مؤسسات سورية هامة ايضا بقوة الواسطة..!؟
والانكى من كل هذا وذلك أن المدراء عندما يباشرون عملهم كانوا يجدون في انتظارهم داخل المؤسسات فرق حزبية ولجان نقابية مرتبطة بالاجهزة الامنية وجاهزة لمشاركتهم في إدارة المؤسسة وتقاسم الغنائم والا سيتحولون الى حجر عثرة تحرم المدراء من الاستقرار وتنغص عليه رغد العيش..
فهل يوجد بيئة أفضل من هذه البيئة لتعثر المؤسسات وانتشار الفساد وتضييع المسؤوليات. والقضاء على أي أمل في تحقيق الإصلاح.. هذا إذا توفرت نوايا الاصلاح.. أصلا.
بعد اطلاعي على خفايا هذه الآلية أدركت لماذا كانت الأزمات تضرب القطاعات الاقتصادية والخدمية والإدارية الواحدة تلو الأخرى. ولماذا انتشر الفساد بمتوالية هندسية. ولماذا بقي المواطن يئن تحت وطأة الأزمات والفساد. ولماذا كانت الامور تزداد سوءا عاما بعد اخر. وطبعا لم تستطع الصحافة عمل شيء على هذا الصعيد لان المساس بهذه الآلية، كان من المحرمات. ولذلك بقيت الصحافة تعالج فقط المشكلات الناتجة عن اعتماد هذه الآلية وهو ما قامت به وفق المتاح...
كان الشرط الأول الواجب توفره للتخلص من هذه الأزمات ومكافحة الفساد. هو استبدال هذه الآلية بالية أخرى في التعيين والتوظيف والمحاسبة. يقودها الخبراء وأهل الاختصاص وتتيح الفرص أمام الجميع وتكسر احتكار الحزبيين للمواقع الهامة وتنهي إقحام الشروط والعوامل السياسية والأمنية في القضايا الاقتصادية والخدمية والإدارية.. وهذا أمر لا يمكن تحقيقه إلا بقرارات حاسمة تصدر من أعلى المستويات السياسية. التي يبدو أنها لم تكن راغبة او جاهزة للقيام بذلك..!؟
"يتبع"