تصرفات العقلية الاقطاعية العثملية المملوكية في عين حسين شمال حمص
2020.09.10
كتب الدكتور عبد الله حنا:
من هو هذا الاقطاعي، الذي حكم مع أبيه عين حسين مدة تزيد على السبعين عاما؟.. لمعرفة ذلك رجعنا إلى اضبارة المذكور في مديرية الزراعة والاصلاح الزراعي بحمص (دائرة الاستيلاء) لمعرفة شيء عن هذه الشخصية، التي حكمت عين حسين ردحا من الزمن: بوفاة محمد توفيق الرفاعي (القاضي) في 28 / 3 / 1960 وأثر صدور قانون الاصلاح الزراعي كان يملك في الريف ما يلي:
1 – ملك في قرية عين حسين مساحة 7111 و262 هكتارا من الأرض البعلية. و800 هكتار من الأرض المسقية.
2 – ملك في قرية دير بعلبة 1875 و23 هكتارا سقيا تروى من شبكة ري حمص وحماة.
3 – ملك في قرية المشرفة مساحة 4485 و5 هكتارا سقيا. وكانت بسبب الجفاف عام 1959 تحولت إلى أرض بعلية. وعندما تقدم المالك محمد توفيق الرفاعي بإقرار بين ملكيته احتفظ لنفسه بمساحة تعادل 38,00 هكتارا بعلا ولم يتنازل لزوجته وأولاده. لماذا؟.. هذا أمر نجهله.. علما أن قانون الاصلاح الزراعي أعطى الحق للمالك أن يتنازل لزوجاته وأولاده عن مساحة معينة خارجة عن سقف احتفاظ المالك.
اخراج القيد الصادر بتاريخ 24-4-1965 من دائرة نفوس محلة باب الدريب بحمص يقدم المعلومات التالية:
الاسم اسم الأب اسم الأم مكان الولادة تاريخ الولادة
محمد الرفاعي توفيق فاطمة حمص 1890 توفي 28 / 3 / 1961
جهيدة المطرجي محمود بدوية حمص 1911 أرملته على قيد الحياة
فطيم شامي حسين فضة الرقة 1926 أرملته على قيد الحياة
توفيق الرفاعي محمد فطيم حمص 1951
فاطمة الرفاعي محمد فطيم حمص 1953
نزهة الرفاعي محمد فطيم حمص 1956
نزهة النحاس متري هيلانة حمص 1899
شفيقة ناصيف علي ناصيف رهيجة حمص 1932
من هذا القيد يتبين أن محمد الرفاعي ولد عام 1890 وتوفي عام 1961 عن عمر يناهز السبعين عاما. ويتبين أيضا أن الرفاعي لم ينجب من زوجاته الثلاث جهيدة ونزهة وشفيقة، وأنجب من زوجته فطيم، التي يكبرها 36 سنة، في عام 1951، أي عندما كان عمره 61 سنة.
أخبرنا الفلاحون في عين حسين أن محمدا الرفاعي كان مزواجا، وهم يقولون أنه تزوج تسع نساء. وكان بيته في عين حسين حسب رواية الفلاحين عامرا بالضيوف من مختلف الأجناس والألوان وما زالت الحفلات العامرة التي كان يقيمها في بيته، عالقة في ذاكرة الفلاحين. في أوائل عام 1961 وأثناء تقسيم ارث محمد الرفاعي ادعت زوجته الأولى جهيدة المطرجي أمام المحكمة أن محمد الرفاعي لم يتزوج من نزهة النحاس وشفيقة ناصيف. لكن قرار المحكمة الشرعية الصادر في 30 كانون الأول 1961 أثبت ما يلي:
"ان المدعوة شفيقة بنت علي ناصيف، محلة الحميدية، زوجة شرعية لمحمد الرفاعي، بقيد صحيح شرعي، تم بتاريخ 23 مايس 1953 على مهر معجل مقبوض ألف ليرة سورية ومؤجله ثلاثة آلاف ليرة سورية. ومنذ يوم العقد دخل لها الدخول الشرعي وعاشرها معاشرة الأزواج، وتوفي وهي على عصمته وعقد نكاحه وما زالت في بيته".
وردّت المحكمة ادعاء جهيدة المطرجي من ناحية زواج المدعية من المدعي محمد بن درويش الأحمد لعدم ثبوته. كما ردت دعوى الشخص الثالث شحادة نايف العز الدين من ناحية زعمه الزواج من المدعية. وفي الوقت نفسه أثبتت المحكمة أيضا ثبوت العقد الجاري بين نزهة النحاس ومحمد الرفاعي وردت ادعاء جهيدة المطرجي من زواج نزهة النحاس من شخص ثالث هو علاء الدين سفور.
هذه الوقائع تقدم لنا صورة عن حياة أحد الاقطاعيين في النصف الأول من القرن العشرين. ونحن لا تعنينا الحياة الشخصية للاقطاعي الا بقدر ارتباطها بعلاقته مع الفلاحين واستعبادهم وممارسة أساليب الضغط والارهاب والقتل والتعذيب التي سمعناها عن تصرفات الاقطاعي في عين حسين. وفما يلي بعض الوقائع:
- أجبر في عام 1929 الاقطاعي، فلاح الجفتلك محمد حمدو العبد الله على القيام بالبذار، أي رش القمح أمام الفدن عدة أيام بالسخرة في أرض الاقطاعي. وبعدها قام بضربه وصادر له زوج كدش وزوج بقر. فاضطر الفلاح للالتجاء إلى ابن عم الاقطاعي في حمص سعد الله الجندلي مصطحبا معه ثلاثة ديوك حبش، كهدية حتى استطاع "فك" الكدش والبقر.. وعملية المصادرة هذه كانت تجري باستمرار وهي جزء من التسلط الاقطاعي وارهاب الفلاحين واخضاعهم.
- ذات مرة قرر الاقطاعي تأديب أحد المرابعين بعد أن أشبعه ضربا أغلق عليه باب الدار التي يسكن فيها – وهي ملك للاقطاعي – وأخذ المفتاح، وعندها قرر المرابع الهرب من جحيم اقطاعية عين حسين، ولم يكن أمامه منفذ إلا طاقة سقف المتبن فخرج منها مع عائلته وولى هاربا تاركا أجرته وما يستحقه.
- ذات مرة، اعتدى الاقطاعي على امرأة البستاني المشهور برجولته. ولكن ما حيلة الرجولة الفردية أمام جبروت الاقطاعي، التجأ البستاني إلى بيت النبهان وهم من فلاحي الجفتلك، وفي الوقت نفسه كانوا من زلم الاقطاعي، فلم ترق زيارة البستاني لآل النبهان، للاقطاعي فأمر عائلة النبهان بالرحيل من القرية مهددا اياهم بحرقهم بزيت الكاز. وبعد أن نفذوا امره أرسلوا وسطاء من قرية "الغنطو" لارجاعهم وفي تلك الأثناء كان الاقطاعي قد زور بأسمائهم وتواقيعهم سندات دين بمبلغ مئة ليرة ذهب على الشخص. وطلب الاقطاعي من الوسطاء ايفاء الدين حتى يسمح لهم بالرجوع إلى أرضهم. وعندما قال آل النبهان أنهم لم يوقعوا على هذه السندات، صاح الاقطاعي: "شو أنا بكذب"؟ فأجابوه: محشوم. وذهبوا للبحث عن عمل في مكان آخر، تاركين أرضهم (أرض الجفتلك) له!
- وذات مرة، أمر الاقطاعي المرابع أحمد سعدى، الذي كان يعمل عنده مع أولاده الثلاثة ونسائهم، أن يرسل الحريم لتنظيف بيته استعدادا لاستقبال عدد من ضيوف حمص؟؟ فتلكأت الفلاحات، وهن من جب الجراح بالمجيء لانشغالهن بالأعمال الزراعية. وفي صباح اليوم التالي استدعى الاقطاعي زوجة الفلاح وقام بتعريتها من ثيابها وسط هرج الحاضرين ومرجهم، ثم أتى بحمار وساقه باتجاه المرأة العارية محاولا اثارة شبق الحمار، "فيشب" على المرأة ويجامعها. ولكن أحد الفلاحين الخماسة واسمه عبد الرحمن نعسان، رمى "المزوية – العباءة" على المرأة العارية لسترها، وتقدم من الاقطاعي قائلا: اذبحني بدلا عنها. وفي الوقت نفسه انتخى أحد زلمه "اتباعه" المدعو "نزال" من عرب النعيم كان يصب القهوة، وألقى بسترته على المرأة راجيا من الاقطاعي العفو والمعذرة. هذه الحادثة، التي سيستغرب حدوثها كثير من القراء، وقعت في أواخر الأربعينات وهي معروفة في سائر أنحاء حمص الشرقية وليست من بنات الخيال.. بل هي أحد افرازات ذلك النظام العثملي المملوكي في منتصف القرن العشرين.
***
ملاحظة: معظم المعلومات المتعلقة بعبن حسين والواردة في الحلقات السابقة أخذناها من: فلاح الجفتلك محمد حمدو العبد الله، الوارد ذكره سابقا.
وهكذا نكون قد ختمنا تاريخ قرية عين حسين منذ قيامها كأراضي سُجّلت باسم السلطان عبد الحميد إلى دخول أحد متنفذي حمص على خط الاستيلاء على الأراضي واستخدام الفلاحين للعمل فيها.