خالد محمد جزماتي: سقوط الدولة العثمانية (7)
2020.09.11
بعد انتحار أو قتل السلطان عبد العزيز الأول (1830- 1876) والذي استمر حكمه خمسة عشر عاما الا 25 يوما، قامت مراسيم تولية ولي عهده مراد الخامس (1840- 1904) خليفة وسلطانا على الدولة العثمانية، وهو ابن أخيه السلطان عبد المجيد الأول (1823- 1861)..
ولقد اهتم به والده بتعليمه، فاهتم بالأدب الفرنسي والفارسي والتركي، وكان فصيح اللسان اضافة الى شغفه بالموسيقى التي تعلمها وأتقنها على يد أساتذة ايطاليين، وأيضا اهتم بعمارة القصور وزخرفتها، ولكن من حوله كانوا يلاحظون عليه بعض الشرود والذذهول المفاجىء من دون سبب معين..
وكانت علاقة السلطان عبد العزيز الأول بابن أخيه وولي عهده مراد الخامس غير جيده لأسباب كثيرة، مما أدى الى فرض اقامة شبه اجبارية علىه، وخاصة بعد ابداء الاعجاب الكبير به من قبل امبراطور فرنسا نابوليون الثالث لثقافته وتمكنه من اللغة الفرنسية، مما تسبب في زيادة حنق السلطان على ولي عهده وتشديد الإجراءات عليه، فمنعه من الخروج سيراً على الاقدام، وحدد له عربة مغلقة يستخدمها للنزهة فقط...
و لما اشتد الخلاف بين التجمع الذي يتزعمه مدحت باشا وبين السلطان عبد العزيز الأول، توجه فجر 30 أيار ثلة من الضباط الى قصر جراهام حيث يقيم ولي العهد مراد الخامس وبايعوه على تولي الخلافة بدلا من عمه الذي خلعوه، وأصبح سلطانا وانتقل الى وزارة الحربية، وكان بانتظاره الوزراء والمفتي العام الذي تلى فتوى خلع عمة وتوليته بدلا منه، وكانت الدولة في منتهى الضعف الاقتصادي ومثقلة بالديون وشبه مفلسة... و كان أول فرمان أصدره هو تثبيت الصدر الأعظم محمد رشدي باشا في منصبه وكذلك جميع الوزراء، ثم أصدر بيانا أعلن فيه تقييد سلطات الدولة، واصدار قوانين تضمن حريات المواطنين وعدم التمييز بينهم، ثم قام بالتبرع ببعض أمواله لدعم خزينة الدولة، و أكد التزامه بالسلم الأهلي وبجميع المعاهدات والمواثيق الدولية.
وبتاريخ 16 تموز أصدر وزير الحربية حسين عوني باشا أمرا بنقل حسن باشا وهو من زعماء الشراكسة الى بغداد، وهو من المقربين الى السلطان المخلوع عبد العزيز الأول ومن ابنه يوسف عز الدين، وقبل أن ينفذ أمر النقل الى بغداد توجه الى منزل مدحت باشا حيث كان الوزراء يجتمعون معه، ولما دخل صالة الاجتماع انقض بشكل جنوني على وزير الدفاع حسين عوني باشا وطعنه بخنجره عدة طعنات، فأرداه قتيلا، ثم أطلق النار من مسدسه على وزير الخارجية محمد راشد باشا فقتله أيضا، وبعد ذلك تمكن الحراس من اعتقال حسن باشا وعزله وتقييده ثم أسرعوا بمحاكمته في اليوم نفسه، وكان الحكم صريحا بالاعدام، وفي اليوم التالي تم اعدام حسن باشا شبقا حتى الموت.....
وفي أعقاب تلك الحادثة بدأت تظهر على السلطان مراد الخامس مظاهر الاعياء والشرود المستمر، وكأنه يتهم نفسه بأنه السبب في مقتل أو انتحار عمه السلطان عبد العزيز الأول، ووصل الى حالة متقدمة بأمراضه النفسية، وأصبح لا يستطيع التمييز بين شخص واّخر وخاصة القائمين على أعمال الدولة، بل لم يعد يستطيع استقبال الدبلوماسيين الأجانب.. فاجتمع أركان الدولة من الوزراء مع شيخ الاسلام خير الله أفندي وأقروا عزله ثم أجمعوا أمرهم على مبايعة أخاه عبد الحميد الثاني (1842 - 1918) الذي تريث قليلا ثم فبل تولي الخلافة بعد أخيه مراد الخامس..
وقد نقل السلطان مراد الخامس بعد خلعه الى قصر "جراهام" وتم تطبيق الاقامة الاجبارية عليه في القصر المذكور حتى وفاته فيه عام 1904، ولقد تزوج السلطان المخلوع تسع مرات في حياته أولها عام 1857...
و للحديث بقية