كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 60

الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
اصدقائي المتابعين انشر اليوم الحلقتين اللتين تحملان الرقمين 59 و60 لارتباطهما الوثيق ببعضهما وتعذر نشرها في حلقة واحدة بسبب طولهما وحرصا على صبركم من النفاذ..
مع المعذرة والمحبة
ابراهيم الطيبي كان زميلنا في قسم الصحافة . كان أكبر منا سنا أو هكذا يبدو.. منذ أيام الدراسة كان موظفا في وزارة التموين بإلاضافة لكونه طالبا مجدا.. بعد تخرجه بفترة. عين مديرا للمؤسسة العامة الاستهلاكية في دمشق وريفها. أي أن كل صالات بيع التجزئة في دمشق وريفها خاضعة لصلاحياته.
كان الموقع حينها من أهم المواقع الجاذبة لتنافس الراغبين بالسرقة والاثراء غير المشروع. كانت المؤسسة تحرك مبلغ هائلة من الأموال طبعا قياسا على الاقتصاد السوري. وتشغل اعدادا كبيرة من الموظفين. فمنافذ المؤسسة كانت أكبر مسوق للمواد التموينية ومنتجات القطاع العام في القطر على الإطلاق.
كانت لقاءاتي بزميل الدراسة محدودة فهو وانا لا نملك الوقت الكافي للقيام بالواجبات الاجتماعية ومقتضيات الزمالة والصداقة.. كان - بين الفترة والأخرى- يقوم بزيارتي في الجريدة بعد انتقالي لمبنى كورنيش
الميدان القريب من مبنى المؤسسة العامة الاستلاكية الواقع قرب دوار كفر سوسة والمجاور لمبنى جريدة الثورة.
في يوم ما اتصل بي هاتفيا على غير عادته ليتأكد من اني موجود في الجريدة، وأخبرني بأنه سيقوم بزيارتي.. استغربت اتصاله. فقد جرت العادة أن يمر دون اتصال لأنه يعرف أنني لا أغادر المبنى إلا نادرا.
المهم جاء الرجل وفورا بادرني بالقول:
- جئتك اليوم بطلب وارجو ان لا تردني خائبا. فالموضوع جد هام بالنسبة لي..؟
قلت له مازحا:
- هات يا أخا العرب.؟
قال: أريد أن استقيل من منصبي وارجو ان تساعدني في ذلك.. !؟
ظننت أن الرجل يمزح ولكنه أكد لي جديته. فقلت له:
- وهل يحتاج الأمر إلى مساعدة تقدم بطلب استقالة للوزير وأعتقد أنه سيقبلها على الفور . فهناك المئات من المنتظرين لهذه الفرصة والمستعدون لدفع الملايين من أجل أن يشغلوا هذا المنصب الحلم !؟
قال لي: تقدمت بثلاث طلبات للوزير رفضت جميعها بحجة انه يريد تأمين البديل أولا. ومنذ ثمانية أشهر وحتى الآن لم يتامن البديل.. ولذلك جئت اطلب مساعدتك.
بصراحة لم أعرف الأسباب التي دعته للاستقالة من هذا الموقع الذي هو حلم بالنسبة للكثيرين. ولخشيتي من أن يندم لاحقا حاولت إقناعه بالتريث . ولكنه أصر بشكل حاسم . وبتأثر واضح قال لي :
- تميم.. لقد تعبت. هذا أول وآخر طلب اطلبه منك فأرجو أن تأخذ الأمور بجدية وان لا تخذلني. واعدك اني ساطلعك على دافعي للاستقالة لاحقا..انا تعبان يا صديقي. تعبان
كنت أعرف أنه يعرف اني غير قادر شخصيا على فعل اي شيئ له. وأنه يقصد من اللجوء الي أن اعرض قضيته على أحد المسؤولين الكبار ..
في اليوم التالي اتصلت بالمسؤول الكبير ليضرب لي موعدا لزيارته في المنزل كما أخبرته أني ساصطحب ابراهيم معي.
أعطاني الرجل موعدا في مساء اليوم نفسه، فأخبرت إبراهيم وتوجهنا سوية إلى بيت المسؤول الذي استقبلنا بترحاب.
- قدمت إبراهيم للمسؤول الذي تبين أنه يعرف عنه وعن ادائه الكثير وان كان لم يلتقيه قبلا. وسأل إبراهيم أن كان يواجه مشكلات في عمله أو أنه يريد خدمة ما..
قال ابراهيم:
- نعم . أريدك أن تساعدني على الاستقالة من منصبي.. وقد توسطت تميم من أجل أن أصل إليك. !؟
ضحك الرجل وقال لإبراهيم :
هل أنت جاد في طلبك. هذه أول مرة يطلب مني أحد هذا الطلب. كل الناس يتوسطون لشغل مناصب وانت تطلب التوسط لتترك منصبك.. هناك الكثيرون الذي يتمنون أن يحلوا محلك.. لماذا تريد أن تستقيل..
قال ابراهيم:
- لسبب وحيد وأعذرني للجواب. . إن من يشغل هذا المنصب في ظروف بلدنا يجب أن يكون أحد اثنين. أما حرامي. وأما حمار.. وأنا "حرامي" ما قدرت اصير. و "حمار" شبعت حمرنة. !؟
فوجئ المضيف بإجابة إبراهيم واطرق لحظة ثم قال له:
- فهمت عليك!؟
ترك المضيف كرسيه باتجاه الهاتف واتصل بوزير التموين المسؤول محمد غباش. وقال له بعد تحية مختصرة:
- عندي إبراهيم الطيبي وأخبرني بأنك لا توافق عل طلبه بالاستقالة. انتظر ان توافق على طلبه وان تنقله بالسرعة الممكنة إلى الإدارة المركزية..
وعد الوزير مضيفنا أن يجد البديل بسرعة وان ينقل إبراهيم سريعا..!؟
خرجنا من بيت المضيف في الطريق إلى البيت قال لي إبراهيم هل عرفت الآن لماذا أريد أن أترك المؤسسة. إنهم يريدون أن يشركونني في سرقاتهم أو أن يمرروها تحت سمعي وبصري دون أن إنبس ببنت شفة..
بالفعل بعد فترة قصيرة قبلت استقالة إبراهيم ونقل إلى الإدارة المركزية. ولكن قصته بقيت بالنسبة لي تعبيرا صارخا عن الحالة التي وصلت اليه البلد من انتشار للفساد ومن تضييق على من تبقى ممن يحملون صلبان النزاهة فوق ظهورهم..!؟
بعد فترة ليست طويلة غادرت البلد إلى البرازيل وانقطعت أخبار إبراهيم كليا عني لمدة ثلاثين عاما..
قبل يومين وانا اكتب الحلقة السابقة تذكرت إبراهيم. فاتصلت بالزميل والصديق المشترك نادر مكانسي وسألته عن إبراهيم. وأنا اخشى أن أتلقى خبرا سيئا كنت أتوقعه. فأخبرني بأن إبراهيم انتقل الى رحمة الله قبل سبع سنوات .
لم أعرف بماذا أجيب الزميل نادر ولكن قصته بقيت تلح علي خلال اليومين الماضيين الى ان تمكنت من كتابتها
طيلة اليومين الماضيين تمنيت أن أكون التقيت بابراهيم للمرة الأخيرة لأقول له:
- جلجامش يا إبراهيم ترك كل شيئ وراح يبحث عن سر الخلود. وانت تركت كل شيئ ورحت تبحث عن النقاء. كان جلجامش يبحث عن خلوده. وانت خرجت باحثا عن نقائك. كانت مهمتك -اخلاقيا -أنبل من مهمته. لكن احدا لم يسمع بك لأنك لم تكن ملكا مثله. بل كنت مواطنا عاديا أدرك أن عدد الحرامية في بلده يفوق عدد الحمير . ولو كان العكس صحيحا لما اضطررت للقيام بهذه المهمة الصعبة.
جلجامش يا ابراهيم فشل في مهمته وابتلعت الأفعى سر الخلود الذي اكتشفه. اما انت يا إبراهيم فقد نجحت في مهمتك ووصلت إلى النقاء الذي كنت تبحث عنه.
النقاء يا صديقي إبراهيم
النقاء يا إبراهيم
النقاء
انت النقاء..
"يتبع"
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية