كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 63

الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
وصل الزميل مصطفى عتيق إلى الجريدة في اليوم التالي. كان منتشيا بالنجاح الذي حققه في إنجاز التحقيق وفق الخطة المرسومة. هنأته على الحرفية التي ابداها أثناء عمله بالتحقيق. وهو بدوره اطلعني على بعض التفاصيل التي ميزت رحلته. كالاستقبال الحافل له من أبناء الخميسية وتنافس العائلات على استضافته في بيوتهم وتقديم خدمات 6 نجوم له حيث بقي." آكل. شارب نايم" طيلة إقامته لأن القرية بسيطة ومحرومة من كل الخدمات .
كما حكي لي عن تفاصيل لقائه بالمعلم الذي أرسل الرسالة والتي دفعتنا للتحقيق في القضية. مؤكدا بأنه - أي المعلم - ارسل ذات الرسالة إلى عدد من الزملاء في الصحف الأخرى دون أن يتحرك أحد للاطلاع على ما يجري رغم خطورة القضية.
كذلك أخبرني مصطفى بأن القاضي العقاري على حسب ما رواه سكان الخميسية مرهوب الجانب في منطقة الجزيرة كلها وأنه يتمتع بنفوذ كبير في الأوساط الحكومية والحزبية . ولذلك لم يتجرأ السكان البسطاء على الاحتجاج أو الشكوى. وانتظروا افتتاح المدارس وعودة المعلم الى المدرسة حيث اقترح عليهم ان يعرض قضيتهم على وسائل الاعلام. على اعتبار انهم غير واثقين من أن الجهات الحزبية والحكومية ستنصفهم بسبب نفوذ القاضي المشهود له في هذه الأوساط.!؟
بعد انتهائه من سرد هذه التفصيل. طلبت من مصطفى ان ينجز كتابة التحقيق باسرع وقت ممكن. وبالفعل تمكن من إنجازه خلال يومين ودعمه بالصور والوثائق التي حصل عليها من سكان الخميسية ومن المحكمة العقارية. وقدمه لي قائلا:
- انتهت مهمتي آلان وجاء دورك لتقوم بمهمة لا تقل عنها صعوبة.. كان الله في عونك.!؟
كان مصطفى وبقية الزملاء قد خبروا صعوبة نشر مثل هذه المادة الفضائحية . خاصة في مثل هذه "الأيام الفضيلة". وأقصد بها أيام الاحتفالات ب "الحركة التصحيحية المباركة" !؟؟..
أعددت التحقيق للنشر ووضعت عناوينه الرئيسية والفرعية . ورتبت صوره ووثائقه كما يستحق.
كان التحقيق موسعا ومفصلا بحيث يحتاج الى صفحتين كاملتين من صفحات الجريدة لاستيعابه مع صوره و وثائقه، لذلك قسمته إلى جزأين وحملته إلى رئيس التحرير عميد خولي. .
اخبرت رئيس التحرير أن مصطفى عاد من الرقة بعد أن أنجز التحقيق المتعلق بفضيحة الأستيلاء على أراضي الفلاحين. وقدمته له. وتمنيت عليه أن يقرأه بهدوء قبل أن ادفع به للنشر. ولما سألني عن التحقيقات المتعلقة بإنجازات الحركة التصحيحة. اخبرته أن التحقيق في قضية الأراضي استغرق كل مهمته ولم يترك له مجالا لإنجاز تحقيقات الحركة التصحيحية.!؟
ابتسم رئيس التحرير وهو يرمقني بطرف عينيه وقال:
- لم يعجبني التبرير.. هناك قطبة مخفية في القضية. بكل الأحوال اترك التحقيق حتى اطلع عليه. ومتى فرغت منه ساخبرك.. !؟
قابلت ابتسامة عميد بضحكة فيها بعض الخبث وتركته بعد أن تمنيت عليه أن ينهي القراءة بالسرعة الممكنة وخرجت من مكتبه وانا شبه متأكد من اني ساواجه الكثير من الصعوبات لاقناعه بنشر التحقيق.!؟
كانت تأثيرات وصول القاضي ( ا . ص ) إلى دمشق قد بدأت بالظهور قبل لقائي برئيس التحرير بيوم واحد. أي من قبل أن ينجز مصطفى التحقيق..
فقد أخبرني موظف الاستعلامات في الليلة الفائتة أن القاضي ( ا . ص ) يريد مقابلتي فطلبت منه السماح له بالدخول. .
وصل القاضي الى مكتبي ومد يده لمصافحتي. فلم أمد يدي وبقيت جالسا خلف الطاولة . بلع الإهانة وراح يحدثني عن المظالم التي تطاله وستطاله من جراء نشر هذا التحقيق الظالم..
لم ادعه يسترسل في بكائياته فعاجلته بالقول:
- كل ما تقوله وما تشكو منه غير مهم بالنسبة لي ولن يفيدك في شيئ. ما يهمني ان اطلعك - كما يفعلون في البلدان المتقدمة - على حقوقك وعلى الخيارات المتاحة لك. وعليك الاختيار.
قبل نشر التحقيق. يحق لك ان تدافع عن نفسك وان تسرد لنا وجهة نظرك بالقضية ونحن مجبرون أن نضمها الى التحقيق . وأنا على استعداد الآن وفورا أن أسجل اقوالك لأضمها لمتن التحقيق. .أما بعد النشر فيحق لك ان تنشر ردك على ما تضمنه التحقيق في ذات المكان وفي نفس المساحة التي شغلها التحقيق. كما لديك خيار آخر يتمثل بأن ترفع علي دعوى ذم وقدح وتشهير بشخصكم الكريم وانت قاضي وتعرف ذلك جيدا. وغير ذلك لا استطيع خدمتك بشيئ. وعليك الاختيار الآن. فهذه هي فرصتك الأخيرة.
اجابني القاضي. يا استاذ ما لنا ومال المحاكم والفضائح . تعال لنحلها حبيا ولن تكون إلا راضيا عن النتائج.
وقفت وصرخت في وجهه طالبا منه الخروج من مكتبي والجريدة فورا والا سيتعرض لاهانات لم يعتد على تلقيها من قبل.
غادر القاضي المكتب وهو يتصنع التماسك واللامبالاة ولكنه لم يتمكن من إخفاء معالم الإهانة والصغار التي بدت جلية على ملامحه.!؟
في اليوم التالي لزيارة القاضي كنت اعمل في الفترة المسائية عندما اتصل بي ابن بلدي وأستاذي في المرحلة الثانوية و عضو قيادة فرع ريف دمشق للحزب مرعي مليسان.
كانت المرة الأولى التي يتم فيها التواصل بيني وبينه منذ كنت في الصف الثاني الثانوي. عندما كان يدرسني مادة الجغرافيا..
بعد أن تبادلنا عبارات المجاملة الاعتيادية. أخبرني بأن القاضي أياه موجود عنده في فرع الحزب وقال لي بالحرف:
ابو تمام ان القاضي ( ا . ص ) يحظى باحترام الرفاق والجميع شهدوا له بالنزاهة ونظافة اليد واللسان، وأنه يشكو من انك ستظلمه من خلال نشر أكاذيب روج لها خصومه وكارهوه. وطلب مني أستاذي السابق أن أخذ شهادته في القاضي بعين الاعتبار وان أفكر أكثر من مرة قبل نشر التحقيق.
عندما انتهى الأستاذ مرعي من إبداء رايه قلت له:
- يا استاذ مرعي.. انت أستاذي وابن بلدي ولا أعرف أن كنت تعرف المذكور شخصيا أن لا، ولذلك لا أريدك أن تورط نفسك بشهادة لست متأكدا منها أو منقولة لك من آخرين. . يا استاذ مرعي المخلوق الذي أمامك لا يعدو أن يكون لصا تافها يجب أن يزج به في السجن وبسرعة لأنه بشكل خطرا على العدالة وعلى ارزاق الناس.!؟
ما أن أنهيت قولي حتى لفلف الأستاذ مرعي مكالمته وقطعها بصورة مفاجئة قائلا لي:
- طيب طيب ابو تمام. شكرا على استجابتك. وأنهى المكالمة.
بعد ربع ساعة عاد السيد مرعي للاتصال بي وقال بدون مقدمات:
- أبو تمام بصراحة، انا لا أعرف شيئا عن القاضي المذكور ولم التق به سابقا ولكن رفاقا كثر بعضهم من مستويات عالية اتصلوا بي وأشادوا به وبمناقبيته وتمنوا علي أن اتوسط له عندك حرصا على سمعته التي وصفوها بالعطرة.. ولذلك اعتذر عن تدخلي الذي لم يكن مناسبا. وأسحب شهادتي التي أدليت بها وارجو ان تعتبرها وكأنها لم تكن لاني أثق بك أكثر مما أثق بهم.!؟
شكرت الأستاذ مرعي على تفهمه. واضحيت متأكدا من أن اتصاله هو المرحلة الأولى من حملة الوساطات والضغوط التي سينظمها القاضي ( ا . ص ) للنفاذ بريشه. ؟!
مساء اليوم التالي استدعاني رئيس التحرير إلى مكتبه وأفادني - كما توقعت - ان نشر هذا الموضوع في مثل هذا التوقيت سيكون من سابع المستحيلات.. وطلب مني عدم التفاؤل بنشره حتى بعد انتهاء الاحتفالات. !؟
حاولت بكل الوسائل المتاحة إقناعه بتغيير رأيه واغرائه مؤكدا له ان نشر هذا التحقيق في الوقت الحالي سيدفع المسؤولين للتحرك من أجل إعادة الحق والأرض لأصحابها. الأمر الذي سيعتبره الناس هدية ثمينة من الحكومة لمزارعي الخميسية بهذه " المناسبة التاريخية ". وسيرفع من رصيد الحكومة والحزب في كل محافظ الرقة. !؟
لم يقتنع رئيس التحرير بحججي وقال لي:
- تميم نحن لا نعيش في سويسرا.. لن انشر التحقيق..!؟
أمسكت ملف التحقيق وأنسحبت إلى مكتبي وانا أكثر إصرارا على نشره بالسرعة الممكنة. واكثر إيمانا بأني ساتمكن من الظفر في النهاية.
في اليوم التالي اتصل بي السيد محمد على خلف عضو قيادة فرع مدينة دمشق للحزب ونسيب أحد أقاربي. ودار بيني وبينه ذات الحديث الذي دار بيني وبين السيد مرعي مليسان عضو قيادة فرع ريف دمشق. وانتهت المكالمة كسابقتها بسحب أقواله وانسحابه من التوسط..!؟
لم يفقد القاضي الامل بالرغم من انتقاله من فشل لاخر وبقي مصرا على الاستمرار في مواجهتي بكل الوسائل الممكنة مستغلا الوقت الضائع الذي اتاحه له امتناع رئس التحرير عن نشر التحقيق في الوقت المناسب.. ولذلك انتقل لتغيير خططه واعتماد المغريات جنبا إلى جنب مع الوساطات. ولم يطل به الوقت حتى ارتكب خطاين كبيرين كنت انتظر حدوث واحد منهما لاقضي على آماله وأحلامه بالنجاة. واتمكن من نشر التحقيق قبل فوات الأوان..!؟
"يتبع"
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية