تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 66
2020.09.19
الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
فوجئ الرفيق محمود الزعبي بإجابتي له والتي أكدت فيها أننا صحفيون ولسنا مخبرين. وفضل أن لا يستمر في النقاش بل اخذ الحديث الى اتجاه آخر. وطلب مني الذهاب إلى الجريدة لإنجاز عملي ومن ثم العودة إلى القيادة في الخامسة مساء، لانه استدعى محافظ الرقة محمد سلمان وأمين فرع الحزب إبراهيم هنيدي وأنهما في طريقهما إلى دمشق، ولا بد أنهما يحملان أخبارا مفيدة لنا. وانه بمجرد وصولهما سنجتمع سوية لنتداول في الأمر ونحدد الخطوات التالية الواجب اتخاذها لإعادة الأراضي إلى أصحابها والانتهاء من هذه القضية.
غادرت القيادة عائدا إلى الجريدة فاخبرني موظف الاستعلامات أن رئيس التحرير طلب منه أن يخبرني بأنه ينتظرني في مكتبه:
- توجهت الى مكتب رئيس التحرير عميد خولي. كان متشوقا ليعرف ماذا جرى في اجتماع القيادة القطرية. فأخبرته بتفاصيل الاجتماع وركزت على قول محمود الزعبي بأن الرئيس طلب متابعة التحقيق وإعادة الحقوق إلى اصحابها فورا قبل حلول ذكرى الحركة التصحيحية. كما قلت له بأن ما حصل اليوم اثبت اننا كنا نبالغ في مخاوفنا من ردات الفعل على نشر التحقيق. فالتقط المغزى الذي قصدته وهو التلميح لتأخير موافقته على نشر التحقيق فقال:
- لو لم يكن إلرئيس شخصيا هو الذي قرأ التحقيق ووجه بمتابعته فربما تسببوا لنا بمتاعب كثيرة.
كان عميد يترغل سعادة وهو يحدثني عن الاتصالات التي تلقاها والتي أشادت بجرأة التحقيق وجرأة رئاسة التحرير التي سمحت بنشره..!
عدت إلى مكتبي لاتلقى اتصالا من مراسلنا في الرقة فافادني ان أخبار التحقيق وصلت إلى كل أنحاء المحافظة ولكن الجريدة لم تصل إلى المحافظة ولم توزع حتى الآن.
وان الناس ينتظرون وصول اعدادها بفارغ الصبر. و ان بعض الأشخاص توجهوا إلى حلب لشراء ما يمكن شراءه من نسخ. لأن الجريدة تتأخر عادة حتى المساء لكي تصل إلى الرقة. وأحيانا تبقى حتى اليوم التالي..!؟
أنجزت عملي في القسم وفي الخامسة مساء عدت إلى القيادة القطرية. كان محمد سلمان محافظ الرقة وإبراهيم هنيدي آمين فرع الحزب في المحافظة قد إنضما للاجتماع المنعقد عند الرفيق الزعبي.
استقبلت من قبل المحافظ وأمين الفرع بوجوه صفراء باهتة. لذلك تحاشيت القيام بأية مصافحة. فقط ألقيت التحية وجلست على أول كرسي فارغ صادفته.
بمجرد جلوسي قدمني الرفيق الزعبي للحضور. وبدأ الجلسة بسؤال المحافظ وأمين الفرع عن المعلومات التي بحوزتهما عن القضية. فأكد المحافظ انه وأمين الفرع لا يعرفان شيئا ولم يطلعا على الموضوع إلا من الجريدة وبعد وصولهما إلى دمشق. ثم التفت نحوي وقال:
- سيد تميم. يعني ماكان أفضل انك تخبرنا عن القصة بدل هالشوشرة.. كنا حليناها ب 24 ساعة.
قلت له:
- بس انا خبرتكم!؟
قال مستغربا:
- كيف خبرتنا نحنا اليوم عرفنا من الجريدة!
قلت له:
- تماما.. أنا أخبرتك و أخبرت غيرك وكل المواطنين السوريين من خلال الجريدة.. الجريدة والكتابة هي وسيلة التواصل الوحيدة بين الجريدة وبين الآخرين. نحن لا نرفع تقارير لأحد؟
ظهرت علامات الغضب على وجهه من الإجابة. وقال وهو يقصد أن يحشرني..
- "مو بس هيك". لقد حضر محرركم الى مكتبي وكذب على مدير المكتب واخبره أنكم بصدد إعداد تحقيقات عن منجزات الحركة الصحيحة. من أجل ذلك فرزنا له سيارة ليستخدمها في مهمته. فاكتشفنا انه كذب علينا. ونشرتم هذا التحقيق المسيئ.
أجبته بأسلوب استفزازي..
- سيادة المحافظ. المحرر لم يكذب. إن أهم منجز للحركة التصحيحة هذا العام سيكون كشف جريدة تشرين لهذه الفضيحة وإعادة أرض الخميسية لأصحابها من الفلاحين. أم أن لك رأيا اخر..؟!
تدخل محمود الزعبي لينهي الجدل وقال:
- وماذا سنعمل الآن..
قلت له:
- دعني أتحدث اولا لأن لدي عمل وانا مضطر للمغادرة لأجهز الجزء الثاني من التحقيق. - للنشر!؟
سألني المحافظ مستنكرا:
- هل ستنشر الجزء الثاني.
أجبته:
- بالتاكيد؟!
قبل أن يجيني المحافظ تدخل الرفيق محمود الزعبي وطلب مني أن أقول رأيي بإجراءات الواجب اتخاذها لحل هذه المشكلة!؟
قلت له:
لم نعتد نحن الصحفيين ان نحل محل السلطات المختصة في مثل هذه القضايا. ولكن يجب القيام بخطوتين.
الاولى: قانونية تستهدف إبطال الحكم القضائي الصادر عن المحكمة والذي تم بموجبه الاستيلاء على أراضي الفلاحين. ثم ملاحقة القاضي والمتورطين قضائيا لينالوا جزاءهم.
والثاني.. فرض عقوبات وظيفية وإدارية على القاضي. الذي استغل وظيفته لتنفيذ فعله المشين هذا..!؟
كما دخلت خرجت من عند الرفاق دون مصافحة، وتوجهت إلى الجريدة حيث جهزت الجزء الثاني من التحقيق للنشر..
ليلا اتصل بي مراسلنا في الرقة وأخبرني أن الجريدة وصلت. وان التحقيق أصبح حديث الناس الذين راحوا يبحثون عن الجريدة التي ارتفع سعرها في السوق السوداء أكثر من عشرين مرة. كما طلب أن تزيد الإدارة مخصصات الرقة من النسخ المرسلة لها غدا والتي تحوي الجزء الثاني من التحقيق..
منذ اليوم الذي نشر فيه التحقيق. انقطعت عنا أخبار القاضي. (ا. ص) لم يعد يوسط أحدا ولم يعد يحاول رشوة أحد. لقد غاب عن الأنظار في دمشق ومنطقة الجزيرة كلها.
بسرعة اتخذت الخطوات القانونية اللازمة بحق القاضي والتي تم بموجبها أبطال الحكم الذي تم بموجبه الاستيلاء على أملاك الفلاحين واعيدت الأملاك لأصحابها. كذلك صدرت مذكرة بحث بحقه لانه اصبح مطلوبا للعدالة. كما عوقب إداريا ووظيفيا وسرح من عمله بموجب المادة 85 التي تحرمه من كل الحقوق والامتيازات..
انتابني شعور بالظفر استمر اسابيع فقد وفيت بوعدي للقاضي (ا. ص) وجعلته مقطوعا من شجرة..!؟
أما بالنسبة للرفيق المحافظ محمد سلمان الذي غضب لأننا نحن المقيمين في دمشق علمنا بالفضيحة قبله. وهي التي جرت على بعد أمتار من قصره. فقد ارسل تقريرا بحقي إلى القيادة فور عودته من دمشق إلى الرقة وصفني فيه بالشيوعي والماركسي والمعادي. و اعتبر إصراري على نشر التحقيق محاولة مكشوفة للإساءة للحزب والدولة.
والطريف في الأمر أن أحد أعضاء القيادة القطرية لم يكتف بتمرير المعلومة لي بل أرسل لي نسخة من التقرير!؟
والأكثر طرافة أن السيد محمد سلمان عين وزيرا للإعلام بعد هذه الحادثة بثماني سنوات.. و بعد تعيينه بأشهر قليلة نقلت من جريدة تشرين إلى المركز الثقافي السوري في البرازيل التابع لوزارة الثقافة. ليس بسببه فقط بل لأسباب كثيرة اخرى سأتحدث عنها متى حان وقتها وفق التسلسل الزمني المعتمد في نشر شهادتي عن الصحافة السورية.
"يتبع"