نصر شمالي: عن سوريا المجتزأة من بلاد الشام.. هكذا نهضت
نواصل الحديث عن سورية المجتزأة من بلاد الشام الطبيعية، يقول الأستاذ أكرم الحوراني، في مذكراته: "إن عدد سكان مدينة حماة، عام ١٩٢٠، بعد "سفر برلك"، كان في حدود العشرين ألف نسمة! وكان فيها مدرستان فقط، إعدادية وابتدائية، واحدة حكومية والأخرى أهلية!"، ولكم أن تتصوروا حال المدن السورية عمومآ في تلك المرحلة، في العشرينيات، وعلى مدى العقدين التاليين، الثلاثينيات والأربعينيات !.. كيف نهض الشعب السوري من شبه العدم؟.. كيف قاوم قوات الاحتلال الفرنسي الشرس على مدى ربع قرن، وهو شبه المعدم بشريآ وماديآ، وشبه الأعزل؟ إنها لمعجزة حقآ!..
وعلى مدى الثلاثينيات، والأربعينيات، أفرز الشعب السوري نخبآ قيادية، متقدمة جدآ قياسآ بأوضاعه البائسة، غطت متطلبات الحياة السياسية الحديثة كما في أي بلد أوروبي متقدم، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار!..
وإنه ليفترض بنا، نحن اللاحقون، أن ننحني، احترامآ وإجلالآ، لتلك القيادات الرائدة جميعها، بجميع اتجاهاتها، وبلا استثناء، وهي التي صنعت شيئآ من اللاشيء!..
وأغرب وأعظم ما في الأمر، هو أن تلك القيادات الرائدة كانت تتطلع بإصرار، وبثبات، إلى حياة سورية حديثة عصرية، ديمقراطية برلمانية، وتتطلع في الوقت نفسه إلى أمة عربية موحدة، ووطن عربي واحد!..
وعندما تحقق "الاستقلال" السوري، المنقوص، كانت النخب السياسية عمومآ، مدعومة من قطاعات شعبية واسعة، تتطلع إلى نهوض شبه فوري لدولة ديمقراطية من الطراز الحديث، على غرار الدول المتقدمة ! وبالطبع، كان ذلك ممنوعآ، منعآ باتآ، من قبل الأنكلوسكسون الصهاينة، الساهرين على دويلاتهم السايكسبيكوية التي صنعوها، والتي ينبغي أن تبقى تحت سقف معين من التطور لا تتخطاه، وأن تبقى متكاملة مع الكيان الإسرائيلي، وفي خدمته وخدمتهم، كماأشرنا سابقاً، فكانت بداية سلسلة الانقلابات العسكرية!