تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 68
2020.09.23
الجزء الرابع - العودة إلى تشرين
لم يكن الفساد الموجود في المحافظات السورية المختلفة يقل انتشارا وخطورة عن ذلك الموجود في الوزارات والادارات المركزية في العاصمة.
كان المحافظون وأمناء فروع الحزب في المحافظات وازلامهم من المدراء التنفيذين طليقي اليد في التصرف بكل مقدرات المحافظة. وكان اغلب الموطنين في المحافظات وخاصة البعيدة منها يعتقدون أو مقتنعون أن قرارات هذا الثنائي وسلوكه ومشيئته عبارة عن قضاء وقدر لا راد له. ولذلك لم يكن الكثيرون من المواطنين يعترضون او يشتكون من ظلم لحق بهم أو من تجاوزات مورست بحقهم.. خاصة وأنه على مدى سنوات وسنوات لم يسمعوا ان أحدا من هؤلا المسؤولين تعرض لمساءلة او تأنيب أو عقاب.!
بل على العكس. كان الكثيرون من المحافظين الذين ينعمون برفاهية الفساد والرشوة ينقلون من محافظاتهم إلى محافظات أخرى أو يتولون مهام أخرى أهم وأبقى.
على سبيل المثال..
كان السيد دنحو داوود محافظ طرطوس واحدا من هؤلاء المحافظين الذين انتشرت قصص فسادهم في كل أنحاء سورية وخاصة في محافظة طرطوس. وقد زرت المحافظ حينها واستقبلني في "فيلته" حين كنت أحقق في بعض القضايا الخاصة بالمحافظة. وأذكر حينها انه نزل من الطابق الاول في "الفيلا" التي يسكنها. وهو يرتدي عباءة حريرية مطرزة بخيوط مذهبة ذكرتني بنزول عوالم وراقصات مصر من الطابق الأول إلى الأرضي عندما يقمن بزفاف العروس إلى عريسها في مشاهد الافلام المصرية.. كان الفرق الوحيد بين الحالتين -واقولها بصدق- أن نزول المحافظ لم يكن مصحوبا بالمصفقين ولا بالزغاريد.ولا بالعوالم. .!؟
في اليوم التالي لزيارتي للسيد المحافظ روى لي أحد أبناء المدينة من الناشطين والمطلعين على خفايا المدينة والمهتمين بالشأن العام الحادثةالطريفة التالية والتي تعطي صورة واضحة ودقيقة عن تقييم السكان للسيد دنحو وأداءه فقال..
- دخل السيد دنحو داوود إلى أحد المطاعم المشهورة في طرطوس بتقديم الأسماك الطاذجة واللذيذة مع بعض أصحابه لتناول طعام الغداء. ففوجئ بوجود أحد معارفه في المطعم وهو يتناول سمكة صغيرة الحجم ولكنها كافية لتشبع شخصا أو شخصين. فنظر المحافظ إلى الشخص وقال له:
- هل هذه هي اخرتك.. انت بطولك وعرضك وابن فلان وتجلس في هذا المطعم. لتاكل سمكة بهذا الحجم المخجل.. يلعن أبو الفقر..وضحك ساخرا من الرجل.!؟
طبعا كان المحافظ يعتقد أنه بهذا القول يوجه إهانة للرجل. فهو لم يكن نكرة بل كان من العائلات المعروفة في طرطوس.
طبعا فهم الرجل الطرطوسي مقاصد سيادته. فاجابه:
- ولو سيادة المحافظ نحنا جماعتك وبنعجبك. سأقول لك أمام جميع الحضور انت مدعو من الآن في مثل هذا اليوم من الأسبوع المقبل لتناول سمكة هنا بطولك وأكثر. وإذا لم تكن بطولك أو أطول. سأكون مدينا لك طيلة حياتي!؟
وافق سيادة المحافظ. وفي اليوم المحدد حضر الى المطعم مصحوبا بحاشيته وبعض المسؤولين بالمحافظة.
كان صاحب الدعوة يستقبل المحافظ وصحبه عند باب المطعم. وتوجه الجميع قاصدين الطاولة. وقبل وصول الجميع إلى مقصدهم فوجئوا بوجود سمكتين على الطاولة. واحدة كبيرة وقد فتح فمها ولكنها أقل طولا من سيادة المحافظ. والثانية اصغر من الاولى وقد ادخل جزء منها في فم السمكة الكبيرة. فالتفت المحافظ إلى صاحب الدعوة. وقال له ساخرا:
- لقد خسرت الرهان. لقد فشلت في إيجاد سمكة بطولي. فلجات إلى هذه الحيلة لترضيني!؟
هنا طلب صاحب الدعوة من المحافظ الجلوس إلى الطاولة لتناول الغداء. ولما اقترب المحافظ من الطاولة وجد مفاجأة صاعقة في انتظاره..
لقد كتب صاحب الدعوى على السمكة الكبيرة اسم "دنحو داوود" وعلى السمكة الصغيرة اسم "طرطوس". في أيحاء واضح بان سيادة المحافظ ابتلع طرطوس..
لم يحتمل سيادة المحافظ الموقف فغادر المطعم على عجل يتبعه كل الموكب المرافق لسيادته..!؟
طبعا لم تؤثر هذه السمعة "العطرة" المكللة بالفساد على مستقبل المحافظ. فقد نقل من محافظة طرطوس إلى محافظ السويداء ليرتبط اسمه فيها بعدة قضايا فساد وليتمتع بذات "السمعة العطرة" التي أهلته ليصبح في أوائل التسعينات وزيرا للسياحة في حكومة السيد محمود الزعبي..!؟
اما المثل الثاني عن فساد المحافظين فيتمثل في محافظ ريف دمشق علي زيود المسؤول بشكل مباشر وغير مباشر. عن تدمير الغوطة بتورطه في السماح باستفحال ظاهرة المخالفات السكنية وتدمير البساتين والمساحات الخضراء المحيطة بمدينة دمشق، وظهور المجمعات السكنية العشوائية التي أصبحت عناوين للقبح والفوضى تحيط بدمشق من كل جانب. كما كان شريكا في المسؤولية عن جفاف ينابيع منطقة القلمون والقضاء على مخزون المياه الجوفية فيها. بسبب تغاضيه عن الحفر العشوائي والجائر للابار. ومع ذلك عين أيضا محافظا للسويداء. وحقق ذات "الانجازات" التي حققها في ريف دمشق. والحقيقة اني لم أعد أذكر اية محافظة من المحافظتين كانت فريسته الأولى!؟
اما المثل الثالث فقد تمثل في محافظتي الحسكة وديرالزور. حيث عمل المحافظون المتعاقبون على هاتين المحافظتين على التمتع بخيرات المحافظتين بطرق مختلفة ودون رادع..
كانت الاراضي والثروات الطبيعية الموجودة في المحافظتين محط أنظار المحافظين والفاسدين من أتباعهم ومريديهم..
كانت الشكاوى تأتينا بصورة كثيفة من هاتين المحافظتين خاصة في موسم زراعة الحبوب. حيث اعتاد المحافظون على الاستئثار بزراعة أراضي أملاك الدولة والأراضي الأميرية بالحبوب عن طريق عقود اجار مزورة لهذه الاراضي مستخدمين أسماء وهمية او اسماء لاقاربهم واصدقائهم!؟
كان تأجير هذه الأراضي متاح قانونيا ولكن ضمن شروط تضمن وضعها بتصرف أناس قادرين على استثمارها بالشكل الأمثل ويمتهنون العمل الزراعي ومن سكان المنطقة بالإضافة إلى شروط أخرى. ولكن وللطرافة ومن أجل أن تكمل المهزلة. فإن أحد المحافظين صار يؤجر الأراضي الفائضة عن أطماعه إلى أشخاص لا تنطبق عليهم اية من الشروط الموضوعة.
هل تصدقون - على سبيل المثال - أن أحد المحافظين - للاسف لم أعد أذكر اسمه - كان يؤجر مساحات واسعة من الاراضي لمغنية اشتهرت في تلك المرحلة في المنطقة وخارجها اسمها "نوفة البدوية" وإلى مطربات أخريات والى الراقصات والمرافقات والمشغلين المرتبطين بهن. ويحرم الفلاحي والمزارعين من أية فرصة للمساهمة في زراعة هذه الأراضي واستثمارها. وقد تحدثنا في القسم عن هذا المحافظ وتمكنا - على الاقل- من إفساد خططه للمواسم التالية بعد أن كشفنا هذه الفضيحة.
كانت المعضلة الأولى التي تمنع - عن عمد - اية محاولة لمكافحة الفساد . هي عدم وجود آلية واضحة للقيام بهذه المهمة. كما لم تنشا اية جهة وصائية مكلفة قانونيا وتمتلك الصلاحيات الكاملة لمكافحة الفساد. ولذلك بقي السؤال التالي يطرح على مدى أكثر من خمسين عاما..
- من يحاسب من. وكيف!؟
طبعا لم ولن يتمكن أحد في المستقبل من الإجابة على هذا السؤال، إذا لم تنشأ جهة وصائية دائمة تتمتع بالصلاحيات الكاملة قانونيا وتنفيذيا لمحاسبة الفاسدين مهما علت رتبهم ومراتبهم..
بين الفترة والأخرى ولامتصاص الغضب الشعبي، كانت تشكل لجان تسمى بأسماء رنانة مثل "لجنة الكسب غير المشروع" او لجنة " من أين لك هذا".. وكلها لم تكن قادرة على فعل شيئ لانها بالأساس كانت تشكل من أجل أن لا تفعل اي شيئ!؟
بقيت أقل من عام رئيسا لقسم التحقيقات. وجاء يوم طلبني فيه الأستاذ عميد خولي رئيس التحرير وقال لي:
- حان الوقت لكي تعود إلى قواعدك سالما.. إلى القسم الثقافي سر..
"يتبع"