كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عندما سألوني إن كنتُ أذبح ابنتي مايا بذريعة الشرف!.. محطّات في حياة الراحل الكبير جورج طرابيشي

كنتُ بعثياً وظننت....
المحطة الثالثة في حياتي تمثّلتْ مع رفاق حزبيين مسيحيين.
كانت حادثة لها عمق تغييري كبير في نفسي وفي وعيي إذ كانت سبباً أساسياً في تحولي إلى كاتب، لأني شعرت أنَّ الكتابة هي الطريق الوحيدة التي بمستطاعي أن أسلكها لكي أغيِّر العقلية في المجتمع.... والتفاصيل كما يلي:
دخلت السجن كمعارض في نظام حزب البعث. كنتُ قد انتميتُ الى حزب البعث قبل استلامه السلطة. ثمَّ استقلتُ من الحزب بعد سنة من استلامه الحكم لخلافات سياسية وأيديولوجية ليس المجال هنا للدخول في تفاصيلها. وبعد أن استقلتُ وصرتُ معارضاً دخلتُ السجن. كان هناك عدد من البعثيين المعتقليين وإن كانوا ينتمون لتيار يميني غير التيار الحاكم، وغير التيار اليساري الذي أنتمي إليه أنا بعد أن تشتتَ الحزب الى تكتلات، وكان معظم هؤلاء من جبل حوران في سوريا الذي كان قسم كبير من سكانه من المسيحيين من أيام الغساسنة ومِن وَرَثَتهم!
في السجن كان معي خمسة أو ستة من هؤلاء المسيحيين البعثيين في غرفة جماعية واحدة تضم عشرات المعتقلين....
كنتُ قد تزوجتُ الكاتبة "هنرييت عبودي" وأنجبتُ منها طفلةً عمرها سنة أو سنتان، لم أعد أذكر.. وكنت وانا بالسجن لا أفكر الا بهذه الزوجة وبهذه البنت التي تركتها معها. ولست أدري كيف جاء حديث الشرف الجنسي الذي يقضي بوجوب قتل المرأة إذا أقامت علاقة جنسية غير مشروعة سواءً كانت مسيحية أو مسلمة، ففي هذه الحال تُقتل، والأفضل أن تُذبح ذبحاً من قِبل أخيها استرداداً للشرف المُهان!...
ومن كلمة لكلمة قادنا النقاش إلى مايلي. قلتُ لهم:
أنا أرفض مبدأ جريمة الشرف من أساسه، وهذا موقف لا أستطيع احتماله إطلاقاً من قِبل إنسان يزعم نفسه تقدمياً أو اشتراكياً أو بعثياً.
عندئذٍ هبَّ واحدٌ منهم غاضباً وقال:
أنت متزوج؟
قلت له:
- نعم.
قال:
- شو عندك؟
- عندي بنت.
- صغيرة طبعاً؟
- نعم.
- الآن إذا كبرت ابنتك مايا، وغلطتْ مع شاب، أفلا تذبحها؟!
قلت له:
- أنا أذبح مايا، ابنتي إذا رأيتها تقبِّل شاباً؟
- كيف؟ أما تذبحها؟
- يا رفيق أجننت؟ أذبح مايا؟
قال:
- أنتَ ما عندك شرف! أنتَ لستَ عربياً! ولا تستاهل أن تكون عربياً ولا بعثياً!
وأخذَ هؤلاء الرفاق المعتقلون معي قراراً بمقاطعتي وبعدم الكلام معي لأني لا أستحق شرف أن أكونَ عربياً أو بعثياً! ولو كنتُ معارضاً مثلهم للتيار الحاكم! ونتيجة لهذه المقاطعة ولما تلاها من عدائية نحوي قدمتُ طلباً الى إدارة السجن بنقلي الى غرفة منفردة أي شبه زنزانة، بدلاً من أن أبقى مع رفاق يقاطعونني ويحتقرونني!
من يومها أيضاً تعلمتُ درساً جديداً وهو أن القضية ليست قضية مسلمين وغير مسلمين ومسيحيين وغير مسيحيين من حيث الوعي الاجتماعي حتى ولو كانوا ينتمون إلى أيديولوجيا واحدة.
فالقضية أعمق من ذلك بكثير، قضية بُنى عقليَّة في المقام الأول.
ففي داخل المخ البشري تتواجد طبقتان:
طبقة فوقية سطحية يمكن أن تكون سياسية تقدمية، اشتراكية، وحدوية. وطبقة بنيوية تحتية داخل هذا المخ رجعيَّة حتى الموت سواءً كان حاملها مسيحياً أو مسلماً!
ومنذ ذلك اليوم توطَّدَ لديَّ الاقتناع بأن الموقف من المرأة في مجتمعاتنا يحدد الموقف من العالم بأسره.
ومنذ ذلك اليوم أيضاً ترسّخَ لديَّ الاقتناع أكثر من أي يوم سبق بوجوب النضال بواسطة الكلمة من أجل تغيير العقليات.
تغيير البنية الداخلية للعقل، وليس فقط البنية السطحية السياسية الأيديولوجية!
* الراحل الكبير جورج طرابيشي
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية