أُبي حلو: الكتاب المبين والرياضيات
2020.10.02
ذهب فيثاغورث، كما ذهب من بعده أفلاطون وإقليدس، إلى أن الرياضيات ليست مجرد رموز عددية، بل هي رموز لها أبعاد أخرى غيبية، حيث اعتقد فيثاغورث أن الرياضيات علم ما هو ثابت وأبدي، وغير خاضع للحس أو الزمن أو التغير، فهي أم العلوم ومؤسسة الوجود، وكما قال أفلاطون في كتابه "الجمهورية": "الهندسة هي علم معرفة الأبدية وليس الهالك والعابر"، كما أن الرياضيات بالنسبة لأفلاطون كانت رمزا للمثالية، لما فيها من إمكانية للتجريد، أي رمز لفكرة أو معتقد برمز محدد وثابت وغير متغير بالزمن، من هنا كانت الرياضيات بابا لولوج الحقيقة المطلقة، والتي إن دخلتها يمكن أن تصل إلى حقيقة الوجود كله...
ولئن كان عصرنا الذي نعيش هو عصر الإحصاء والرياضيات إذ لا يكاد علم من العلوم يخلو من هذين العنصرين الأساسيين اللازمين لتطوره، وهما الفارق بين العلميين والعشوائيين ، فإن الإسلام العظيم قد سبق في هذا سبقا مميزا يكاد يكون السمة البارزة له عن بقية الأديان والقوانين الوضعية فلا عجب أن نرى أن القرآن العظيم يعطي الإحصاء والرياضيات أهمية بارزة، فيقول الله تعالى: (وأحصى كلّ شيء عددا)، وقال تعالى: (لقد أحصهم وعدّهم عددا)، وغيرها من الآيات المباركات. وقد بادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الانتفاع بالإحصاء منذ عهد مبكر من إقامة دولته بالمدينة. فقد روي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله فقال: (احصوا لي كم يلفظ بالإسلام). وفي رواية أخرى أنه قال: (اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس) . قال حذيفة: فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل. وكان ذلك ليعرف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القوة البشرية الضاربة التي يستطيع بها مواجهة الأعداء. والإحصاء الذي تم في وقت مبكر من حياة الدولة الإسلامية، تم بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسهولة ويسر، يرينا إلى أي حد يرحب الإسلام باستخدام الوسائل العلمية الإحصائية والرياضية.
وفي مقابل هذا نجد في العهد القديم إن أحد أنبياء بني إسرائيل أراد أن يعمل لهم إحصاء فنزلت عقوبة سماوية بهم، كأنما (الإحصاء) يمثل تحديا للقدر والإرادة الإلهية، وهذا ما استنبط منه الفيلسوف المعاصر الشهير (برتراند رسل) أن التوراة والكتاب المقدس لا يتيحان مناخا مناسبا لإنشاء عقلية علمية...
ومن خلال آيات الكتاب المبين نعطي أنموذجاً عن المفاهيم الرياضية كما يلي:
ترتيب الأعداد: قال تعالى: {سيقولون ثلاثة ورابعهم كلبهم ويقولون خمسة وسادسهم كلبهم ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم}.. ( 3، 4، 5، 6، 7، 8).
الجمع: قال تعالى {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة}.... (3 + 7 = 10).
الطرح: قال تعالى {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون}... ( 1000 - 50 = 950 ) .
الضـرب: قال تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}.... (7 × 100 = 700).
القسـمة : قال تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم}...(المهر ÷ 2).
الضرب والجمع: قال تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}.... (4 × 30 + 10 = 120 + 10 = 130).
الكسـور: قال تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثة أبواه فلأمـه الثلث} [النساء 11]. {وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشـار ما أتيناهم}... (0.1)
ترتيب الكسور: قال تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه}...
الهندســة: قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات وألا رض أعدت للمتقين}...
{ولا تمشى في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا}......