معن حيدر: الساعة 8.39... من مخاطر مهنة المخاطر
2020.10.02
أما الحديث عن الساعة 8.37 فهو (آتٍ لا ريب فيه)، ولكن بعد قليل.
وأما مهنة المخاطر، فهي مهنة العاملين في مجال الإعلام بأشكاله المقروء والمسموع والمرئي والإلكتروني
وأما عن مخاطر المهنة التي تتعدد مسبباتها وتنعكس نتائجها سلبًا على المعنيين، وأحيانًا كثيرة على رؤسائهم دونهم ... فحدّث ولا حرج وهي أكثر من أن تُختصر في منشور واحد.
في مجال الإعلام المقروء والإلكتروني تكمن المخاطر في مشاكل التحرير (خبر، افتتاحية، مانشيت، مقالة، تحقيق ..).
وفي الإذاعة والتلفزيون، يضاف إلى مشاكل التحرير المشاكل التقنية (الهندسية) التي تحدث (متل موت الفجا دون احم أو دستور) وفي أحرج الأوقات وأدقّها، مثل نشرات الأخبار والأحداث الهامة والنقولات الخارجية ... رغم كل الإجراءات والاحتياطات المتخذة لتجاوزها بالسرعة الكلية.
ويأتي السؤال الحازم الصارم من المسؤول الأعلى: يعني ليش وكيف صار بهالتوقيت؟ ويكون الجواب غالبًا عبث
وخلال عملي في القسم الهندسي للتلفزيون (قسم التشغيل التلفزيوني) حصل معنا العديد من هذه الأعطال، منها ما استطعنا تجاوزه بسرعة دون أن يُؤثر على سير البث
ومنها ما استمر دقائق عدة، والدقيقة في عالم التلفزيون تقابل دهراُ (مما تَعدّون)...
سأذكر منها ثلاثة فقط لكي لا أُثقل عليكم كثيرًا:
في إحدى الأمسيات بدأت الأخبار الرئيسية كالمعتاد في الثامنة والنصف تمامًا، وكنا في قسم المراقبة العامة ثلاثة، يتابع كل واحد منا عمله في ضبط الكاميرات ومتابعة الإرسال الصاعد والراجع ..
وبعد أن حيّا المذيع الأول الجمهور وتبعته المذيعة بتحيتهم، قرأ المذيع الخبر الأول يرافقه فيلم فيديو.. وقبل نهايته تمامًا بدأتْ الصورة تتقطع على كل الشاشات، ما يعني أن العطل مركزي من المراقبة العامة وليس من الاستديو أو الفيديو أو الإرسال
فانتشرنا للبحث عن مصدر العطل مرحلة مرحلة، بينما أوقف المخرج نشرة الأخبار وأخذ سلايد ريثما ننهي العطل...
ومضت الثواني كالدهر، حتى اهتدينا من خلال شرر خفيف متقطّع وصوت أزيز غير مسموع (بسبب ضجيج الأجهزة) إلى مصدر العطل، وهو جهاز صغير مسؤول عن توزيع الصورة موضوع فوق أحد الركّات الخلفية .. وحينها قفز زميلنا غازي شلاش فوق الراك ليكتشف أن العطل في مأخذ كهرباء الجهاز (السوكة) .. وقد اضطر أن يمسكه بيده ليثبته حتى نهاية النشرة
طبعًا في تلك الأثناء اتصل المدير العام عبر جهاز المحادثة عدة مرات، وأعتقد أنه كان يتلقى اتصالات مستمرة، وكذلك حضر مدير التلفزيون شخصيًا ..
وانتهت القصة بسين وجيم... وتنبيه
وفي المرة الثانية حدث العطل في بداية الخبر الأول تمامًا حيث سمعنا صوت (طقّة) قاطع كهربائي في لوحة الكهرباء الرئيسية، وفصل استديو البث كله عن الإرسال، وظهر السواد على الشاشات
تبين أنه القاطع الرئيسي المغذّي لتحهيزات استديو البث (استديو 4)، على الرغم من وجود قاطع احتياطي بجانبه ويعمل معه بالتوازي Hot stan-by
فشلتْ محاولاتنا عدة مرات لتشغيل القاطعين.. وتبيّن أن العطل في الوصلة البلاستيكية بينهما (الجنكسيون) .. وكان تغيير الوصلة يتطلب وقتًا طويلًا
إلا أن الزميل عماد المكمّل خطرت له فكرة، إذ بادر فورًا إلى تجهيز وصلة سلك كهربائي غليظة وقاسية وأمسكها بواسطة لاقط (بانسة) ووضعها بين مدخل القاطع ومَخْرجه Jumper وعادت الكهرباء للاستديو بعد مرور عشر دقائق وأكثر
استُؤنفت الأخبار، وطَلبنا منهم اختصارها فاختصروها على الأخبار المحلية ولكن لم تنتهي النشرة إلاّ وكادتْ يد زميلنا تحترق لأن (البانسة أصبحت مثل النار) وكاد يذوب عازلها البلاستيكي
وانتهت القصة بسين وجيم وتحقيق.. وعقوبات، مع كتاب شكر
وفي المرة الثالثة .. وكما يقولون (التالتة نابتة)، وعلى الأغلب أنها حصلت في أواسط الثمانينيات، أوربما في بداية التسعينيات، وكان وضع الكهرباء بالبلد آنذاك تعيسًا، بسبب نقص في التوليد
وكان مبنى الإذاعة والتلفزيون في ساحة الأمويين من المباني الهامة التي تُغذّى من مصدَرَيْ تغذية كهربائية مختلفَيْن بواسطة قاطع حَلَقي، أي أنه يجب أن لا تنقطع عنه الكهرباء
بالإضافة إلى وجود عدة مولدات فرعية موزعة عليها أحمال المبنى الكثيرة
ورغم الاحتياطات، يصدف أنْ يحدث عطل مرّكب متسلسل في أحرج الأوقات
وهذا ما حصل معنا في تلك الليلة... حضّرنا لنشرة الأحبار الرئيسية:
شُغّلت الإضاءة على زاوية الأخبار، جلس المذيع والمذيعة، وُضعتْ المكرفونات أمامهما، استعدّ المصورون الثلاثة خلف كاميراتهم، تأكّد مدير الاستديو من الساعة وهي تشير إلى 8.29 تمامًا (وهي عبارة عن ساعة تقليدية ميناء أبيض وعقربين سوداوين)...
وفجأة ... انقطعت الكهرباء عن المبنى بالكامل، وسادتْ العتمة في كل المبنى، وبالطبع توقّف إرسال الإذاعة والتلفزيون
تحرّكنا على ضوء القداحات ... ريثما أقلعتْ مولدة تشغّل إضاءة المبنى فقط
وبعدها أقلعتْ مولدة أخرى لتشغيل استديوهي البث في الإذاعة والتلفزيون فقط
قمنا بسرعة بتشغيل الإضاءة الحتياط لزاوية الأخبار (وهي ربع كمية الاضاءة المطلوبة) وضبطها بشكل سريع (ركلاج).
وبحركة المُعْتاد قام مدير الاستديو بإرجاع عقارب الساعة من 8.39 إلى 8.30 تمامًا
سلّط أحد المصورين كاميرته على الساعة... أخذها المخرج على الهواء لثوانٍ، ثم بدأ بشارة الأخبار.
ثم المذيع الرئيسي، وكانت صورته مُعْتِمة، حيّا المشاهدين واعتذر عن القطع الذي حصل
وانتقلتْ الكاميرا إلى المذيعة التي نظرت إلى ساعة يدها بتمعّن، ثم حيّتْ المشاهدين قائلة: الساعة بيدي تشير إلى 8.39، واعتذرتْ منهم على عدم تمكّنها من القراءة بشكل جيد لأن الكهرباء مقطوعة ويتم العمل على إضاءة احتياط.
وانتهتْ القصة في هذه المرة... بتشكيل لجنة عليا لحل مشكلة الكهرباء مباشرة وطار وزير الكهرباء.
وتبيّن لنا فيما بعد أنه كانت هناك مناقصة لمولدات كهرباء وتعثّرتْ أكثر من مرة بسبب حيتان تلك الأيام.