كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 70 و 71 و 72.. اكتشاف وليد معماري

الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"

الجزء 70
عندما أصدر رئيس التحرير قرارا بنقلي إلى القسم الثقافي. فإنه كان يحقق رغبتي التي ابديتها له حين عودتي إلى الجريدة راجعا من خدمة العلم.
فأنتم تعلمون اني بدأت حياتي المهنية في هذا القسم. وتسلمت رئاسته قبل التحاقي بالخدمة الإلزامية لمدة عامين. فكان من الطبيعي أن أعود إلى القسم الذي ساهمت إلى جانب عادل أبو شنب في تأسيسه وفي رسم ملامحه وفي تحديد هويته وفي استقطاب كتابه..
كنت ادرك أن وجودي في قسم التحقيقات هو وجود مؤقت. ريثما ينهي رئيس التحرير إعادة ترتيب الأوضاع حسب رؤيته، والتي بدأها بمجرد استلامه رئاسة التحرير مكان الدكتور غسان الرفاعي. ويبدو أن الوقت قد حان للعودة إلى قواعدي الثقافية..
وعلى الرغم من اني كنت أنتظر صدور هذا القرار بين حين وآخر. إلا أني وبمجرد علمي بصدوره غمرني شعور هو مزيج من الصدمة والإحباط والاكتئاب.
فمنذ أيام الدراسة الجامعية كنت ميالا لكتابة التحقيقات. وحتى عندما التحقت بالقسم الثقافي في "تشرين" في بداية عملي الصحفي كانت أولى مساهماتي كتابة مجموعة من التحقيقات المتعلقة بالشأن الثقافي والاجتماعي جعلت رئيس قسم التحقيقات حينها الزميل إبراهيم ياخور يعرض علي الانتقال الى قسمه.
والآن وبعد أن أمضيت ما يقارب العام رئيسا للقسم وجدت نفسي مدمنا على كتابة التحقيقات وعلى التعاون مع الزملاء في إنجازها. ولذلك شعرت أن انتقالي للقسم الثقافي سيحرمني من التعاطي مع كتابة التحقيقات والاستمتاع بمفاجاتها ومنجزاتها.
كانت متعة العمل في القسم لا تضاهيها متعة في الأقسام الأخرى. لأننا كنا نتعامل بشكل مباشر مع القضايا التي تشغل الناس وكانت تحقيقاتنا تعطينا نتائج فورية وسريعة.
فعندما نعالج قضية ما في احد تحقيقاتنا وننشر حيثياتها كانت جهات عديدة تتفاعل مع ما ننشره، وفي أحيان كثيرة كانت هذه التحقيقات قادرة على حل بعض المشكلات وإنهاء بعض المظالم. أي أننا كنا نجني ثمار عملنا فورا. صحيح أن الجنى لم يكن وفيرا. ولكنه كان كاف ليشعرنا ببعض الرضى عما نقوم به وعما ننجزه.
أما العمل والكتابة في مجالات الثقافة فلم تكن على الغالب تعطينا نتائج فورية. لان الكتابة في الشأن الثقافي هي في جوهرها عملية بناء هادئة وتراكمية. وتعطي نتائج بعيدة المدى. وهي وان كانت تفتح أمامنا الطرق للتعامل مع الكتاب والمثقفين والفنانين ومع إبداعاتهم الفكرية والفنية. ومع قراء من شريحة مختلفة ومميزة. إلا أنها لم تكن لتوفر لنا ذلك الشعور بالارتباط بقضايا الناس اليومية والمساهمة في معالجتها كما هو الحال في قسم التحقيقات.
والامر الآخر الهام الذي جعلني أشعر بالفقد حتى قبل أن أنفذ قرار النقل. فهو شعوري باني سأخسر التعامل مع شباب تعودت على العمل معهم لمدة عام.. زملاء متحمسون للإنجاز والانخراط في قضايا الناس بمهنية واحتراف وانسجام كامل مع أخلاقيات المهنة ومتطلباتها.
خرجت من قسم التحقيقات تاركا الزملاء المرحوم مصطفى عتيق وسعيد هلال وسلمى كركوتلي وجمال عامر ونادر مكانسي وشادية بارودي.. وليعذرني من نسيته..
عدت للقسم الثقافي مرة أخرى. كانت تغيرات كبيرة وملموسة قد حدثت فيه وفي الصفحات الثقافية الثلاثة التي يصدرها.
لم تكن التغيرات التي أصابت الصفحات الثقافية خافية على أحد. كان القراء يلحظونها بشكل دائم وكنت بدوري أتابعها منذ كنت اؤدي خدمتي الإلزامية وحتى بعد عودتي للجريدة وعملي في قسم التحقيقات.
كانت زاوية محمد الماغوط قد توقفت وغابت عن الصفحة الأخيرة لتحل مكانها زاوية اخرى يكتبها مجموعة من الكتاب أغلبيتهم من الادباء وتحمل كل يوم اسما جديدا اختاره كاتبها. ثم استقرت عل اسم "آفاق".
كذلك اختفت من الصفحات الثقافية الداخلية زاوية "شيء ما" التي كان يتاوب عل كتابتها مجموعة من الكتاب والصحفيين المخضرمين دون أن تستبدل بزاوية اخرى.
أمر آخر كان بدأ يلفت نظري. ونظر القراء. لقد بدأت الصفحات الثقافية بالتركيز والاهتمام أكثر بالشأن الأدبي من الأنواع الثقافية الأخرى. وهو ما يشكل تراجعا عن حالة التوازن التي ركزنا عليها في مرحلة التأسيس بين جميع المكونات والأنواع الثقافية الأخرى من سينما ومسرح وفن تشكيلي وموسيقى وأدب بكل أنواعه. وهو ما يشكل بوادر عودة لزمن كانت فيه الصفحات الثقافية في الصحف السورية مسخرة بصورة شبه كاملة للأدب والأدباء!؟
كذلك كانت أسماء عديدة لكتاب ونقاد من الاختصاصيين الذي اثروا الصحيفة بكتاباتهم في مرحلة التاسيس قد اختفت تدريجيا من الصفحات الثقافية لأسباب لم أكن مطلعا عليها!؟
اما التغير الأهم فقد طرأ على عدد العاملين في القسم الثقافي.. فعندما غادرت الجريدة لأداء الخدمة الإلزامية لم يكن في القسم اكثر من ثلاثة محررين. أما عند عودتي وفي مرحلة لاحقة فقد أصبح القسم مكونا مني ومن الزميلين علي عبد الكريم وعلي كنعان اللذين تناوبا على رئاسة القسم خلال فترة غيابي. واللذين تركاه فيما بعد. ومن الزملاء أحمد يوسف داوود. وحسان عزت وعفراء ميهوب وحسن م يوسف ونبيل صالح وسمر بغجاتي وقمر الزمان علوش و وليد اسعيد وعبد الإله الرحيل وصبحي سعيد..
أما الزميلين وليد معماري وحكم البابا فكان لوجود كل منهما في القسم قصة سارويها فيما بعد..
"يتبع"
 
ملحق واعتذار:
يبدو أن الكتابة في أواخر الليل ترخي على الذاكرة سدول التثاؤب والتراخي.
فقبل أيام كنت والزميل والصديق سعيد هلال تسترجع أياما من افتخار. وعرجنا على ذكر الزميلين في قسم التحقيقات نابغة زيني وعبد الوهاب الزعيم. وأمس وأنا أكتب الحلقة رقم 70 ضربني مس من عمل النسيان فسقط اسماهما من بين أسماء الزملاء الذين تقاسمنا معهم رغيف الاحلام في القسم إلى أن غادرته إلى القسم الثقافي. وعاد الصديق سعيد ليذكرني بما سهوت عنه.
فمعذرة من الزميلة والصديقة الصدوقة الشاهدة على نبضات من شغف رمتني بها إحداهن في يوم ما كان يعج لطفا وجمالا وجلالا..
معذرة لاني نسيتها حيث العذر لي سيكون مقبولا لكونها كريمة ومحبة وكبيرة.
وكذلك أتوجه بطلب المعذرة من الصديق والزميل المحترف كتابة واسلوبا وانسيابا عبد الوهاب الزعيم.. الذي غفلته ذاكرتي المشينة..!؟
 
**********************
 
الجزء 71
من بعيد كنت اتابع الصفحات الثقافية. والتغيرات التي تحدث فيها. سواء عندما كنت في الخدمة الإلزامية أو عندما كنت في قسم التحقيقات. كانت الأمور تسير ببطء في الاتجاه الذي كنت أعتقد أنه كان خاطئا. أو على الأقل كان مخالفا للاتجاه الذي سار القسم باتجاهه منذ صدور الجريدة وحتى مغادرتي له . ويصح أن نقول ايضا أنه سار في اتجاه غير متطابق مع المعايير المتبعة والمتعارف عليها في الصفحات الثقافية بمفهومها العصري المعتمد في الصحافة اليومية الحديثة، بغض النظر عن جنسيتها وسياستها التحريرية. أو على الاقل لا ينسجم مع ما تعلمته في دراستي الجامعية أو ما اكتسبته من خبرة أثناء إدارتي للقسم في المراحل الأولى من صدور الجريدة.
كانت الجريدة قد بدأت بنشر روايات لبعض الكتاب والروائيين السوريين على حلقات بواقع حلقة كل اسبوع. وكانت كل حلقة تستهلك صفحة كاملة من الصفحات المخصصة للقسم الثقافي.
وقد نشرت الجريدة وفق هذا التوجه روايات لكل من محمد إبراهيم العلي، وفارس زرزور، وحنا مينه. وبغض النظر عن التقييم الأدبي والفني لهذه الروايات والفروقات الكبيرة في مستواها فإن نشر الأعمال الأدبية في الصحافة اليومية هي بدعة صحفية لا تمارسها إلا الصحافة الهاوية والبدائية. وقد وقعت تشرين في هذا المطب. والذي يتحمل مسؤوليته رئيس التحرير الذي سمح بنشرها. فرئيس القسم لا يسطيع اتخاذ مثل هذا القرار الذي يستدعي بالضرورة تغيير "ماكيت أو تصميم الجريدة والخروج عن معايير النشر في الصحافة اليومية. دون الرجوع إلى رئيس التحرير. هذا إذا لم يكن النشر أساسا تم بناء على مبادرة منه..
وإذا سألني أحد الأصدقاء. لماذا اعتبر نشر الروايات في الصحافة اليومية أمرا خاطئا اقول:
ليس نشر الروايات في الصحافة اليومية فقط هو الامر الخاطئ. بل نشر كل النتاج الادبي سواء كان رواية أو قصة أو أقصوصة أو قصيدة أو مسرحية هو كذلك يدخل ضمن الأخطاء وفق توجهات الصحافة الحديثة.
فنشر النتاج الأدبي مكانه الأول الكتب. وثانيا المجلات الأدبية المتخصصة بنشر الدراسات النقدية والنتاج الأدبي. وكان اتحاد الكتاب في سورية يصدر مجلة الاسبوع الأدبي المتخصصة بنشر الأعمال الابداعية والدراسات النقدية.
أما عندما تقرر صحيفة يومية ما نشر النتاج الأدبي. فعليها أن تصدر ملحقا أسبوعيا بمقاس خاص ومنفصل عن الجريدة اليومية. يتولى عملية نشر النتاج الأدبي والدراسات النقدية والفكرية المطولة. وهذا ما فعلته إلى حد ما جريدة الثورة في السبعينيات وهذا ما تفعله كبريات الجرائد العالمية. مثل جريدة "لوموند" الفرنسية التي اصدرت منذ عشرات السنوات ملحق "لوموند ديبلوماتيك" المعني بنشر الدراسات الفكرية والنقدية وحتى السياسية. إضافة لأعمال أدبية تراها جديرة بالنشر.
إضافة لكل ذلك فإن نشر الأعمال الادبية في جريدة يومية اعتبره شخصيا. تقليل من أهمية الأدب أو ازدراء له. وخاصة اذا ما تعلق الامر بنشر الروايات المطولة.. فمن الصعوبة بمكان الاحتفاظ بالصحف اليومية وغالبا ما يكون مصيرها التلف بعد فترة قصيرة من انتقائها أو الاستخدام المنزلي. ولذلك قليلا ما نجد أن أحدا تمكن من جمع كل حلقات رواية ما ليقراها بكاملها.. ولا قيمة لرواية لا نستطيع قراءتها بالكامل.
إن المهمة الأولى للصفحات الثقافية في الجرائد اليومية تتركز على نشر المتابعات والمقالات النقدية للأنشطة الثقافية القائمة وللنتاج الأدبي والفني بكل تنويعاته. أما نشر الأعمال الإبداعية من شعر وقصة ورواية ومسرحية فهو نوع من الهرطقة والخفة التي يقع في شركها بعض الناشرين اوالمسؤولين عن النشر سواء في الصحافة الرسمية أو الصحافة الخاصة..
امر اخر اردت التركيز عليه. وكما ذكرت سابقا فعندما عدت للقسم كان عدة اسماء لكتاب ونقاد من الاختصاصيين قد اختفت وحل مكانها أسماء أخرى. وهذا أمر مشروع ومتوقع. فمن حق كل رئيس قسم أن يستكتب من يرى انه يتمتع بالاهلية وإلكفاءة والخبرة التي تنسجم مع رؤاه أو مع قناعته بأنه قادر على المساهمة في رفع مستوى الصفحات ويتمتع باحترام وثقة القراء. ولكن مؤشرات ظهرت في الصفحة أثارت في نفسي بعض التحفظات.
كان القسم الثقافي منذ انطلاقة الجريدة قد اعتمد سياسة التنويع والتوزيع العادل عندما دعا الكتاب والنقاد للمساهمة في إغناء القسم الثقافي بكتاباتهم النقدية أو بزواياهم المنوعة. كان المستكتبون ينتمون إلى محافظات عدة وإلى مشارب سياسية وفكرية منوعة. بحيث تكون كل تلك الاتجاهات والمذاهب ممثلة في الصفحات الثقافية. ولكني لاحظت أن هذا ألتوازن بدأ يختل كما اختل التوازن الذي كان قائما بين المكونات الثقافية المختلفة لصالح الادب والأدباء كما ذكرت في موقع آخر من هذه الحلقة.
كان تحفظي مستندا إلى هواجس حقيقية. من عودة القسم الثقافي ليتبنى مفاهيم سياسية وفكرية معينة كتلك التي كانت سائدة في ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته.
هل تذكرون من أسميتهم كتاب الخاكي و"السفاري" الذين كانوا يهيمنون على الحياة الثقافية والفكرية في سورية في تلك الحقبة. وهل تذكرون تلك الحملات الظالمة والجاهلية التي تعرض لها حينها عدد من الكتاب السوريين وفي مقدمتهم الشاعر الكبير نزار قباني..
كنت اتخوف من عودتنا إلى ما يشبه تلك الأيام خاصة وأن حركة الإخوان المسلمين أطلت برأسها من جديد في تلك المرحلة. ويمكن ان تستغل وتشكل مبررا لعودة التصنيفات السياسية والفكرية لتطال الجميع.. ما عدا البعثيين ومن لف لفهم..!؟
*************
الجزء 72
 
من جملة المتغيرات التي حدثت في الجريدة خلال فترة غيابي عنها هو تعيين عدد كبير من المحررين في مختلف الأقسام ومنها القسم الثقافي.
كان تعيين هذا العدد يجري في السياق الطبيعي لتطور الجريدة. فالجريدة كانت حديثة التأسيس وبحاجة لإكمال كوادرها الصحفية والإدارية والفنية.
ولكن ما لم يكن طبيعيا هو أسلوب وطريقة تعيين هذا الكادر ولا أقول اختياره.
فتعيين الكوادر الصحفية لم يكن يجري كما جرى في المرة الأولى عن طريق مسابقة يتقدم لها الراغبون في العمل الصحفي وفق شروط تعلن عنها الجريدة. حيث تقوم لجنة مكونة من زملاء صحفيين ومن كافة الاختصاصات بانتقاء من تنطبق عليهم الشروط والمواصفات المطلوبة، بل إن عملية الاختيار تمت من خلال انتقاء زملاء سبق لهم أن عملوا في هذا المجال ولو لمدة وجيرة. وهو أمر مقبول. أو من خلال تدخلات مسؤولين وأشخاص لهم حظوة عند إدارة التحرير توسطوا لشباب استهوتهم المهنة وأرادوا الانضمام لها. او لاخرين كانوا يبحثون عن وظيفة. أية وظيفة. سواء كانوا مهيئين لممارستها مهنيا أو دراسيا أم لا.
واعتماد هذا الاسلوب في التعيين أدى إلى انضمام أشخاص أصبحوا زملاء لنا في الجسم الصحفي دون أن يمتلكوا الكفاءة اللازمة للقيام بهذا العمل الحساس.
وصفت هذا العمل بالحساس. لأنه لا يحتمل الوساطات والهبوط بالبارشوت على حد تعبير زميلنا صبري عيسى. لأن نتائج التوسط السلبية سرعان ما تظهر للجميع.. إدارة وزملاء صحفيين وقراء ورأي عام.. فبالواسطة يمكنك أن تعين موظفا أو مديرا في مكان مستور لا تظهر فيه نتائج عمله إلا لعدد محدود من الناس. أما إذا كانت نتائج هذا العمل تظهر بشكل يومي لكل الناس أو لنقل لجزء كبير من الرأي العام كما العمل الصحفي. فإن عملية التوسط قد تصل إلى نتائج مخزية وأحيانا كارثية. ولذلك فإن القاعدة تقول:
يمكننا أن نعمل من أي شخص وزيرا. ولكننا لا نستطيع أن نعمل منه صحفيا أو كاتبا أو فنانا.. وللأسف لم يكن الكثيرون مؤمنون بهذه القاعدة..
وما ذكرته حتى الآن لايعني أن الزملاء الذي تعينوا في كل الأقسام بدون مسابقة، كانوا جميعا غير جديرين بممارسة العمل الصحفي. فقد تمكن بعضهم من أداء مهامهم بكفاءة مهنية عالية. وتركوا بصمات مهمة في مسيرتهم الصحفية. وأخص بالذكر بعض الزملاء الذين عملوا معي في القسم الثقافي حتى آخر يوم من حياتي المهنية.
نتيجة لهذه المستجدات كان لا بد ان أضع تصورا لما سيكون عليه القسم في المرحلة المقبلة. وإن أبدا بتنفيذه تدريجيا بعد تهيئة الظروف المناسبة للقيام بذلك.
كان عملي في قسم التحقيقات قد لفت نظري الى أهمية التعامل مع القضايا التي تهم الشريحة الواسعة من الناس. كما أن توقف محمد الماغوط ومن قبله زكريا تامر عن كتابة زاويتهما الساخرة. وخلو صفخات الجريدة من وجود زاوية ساخرة بديلة. جعلتني مصمما على إنشاء زاوية جديدة في الصفحة الأخيرة غير محصورة الاهتمام بالشان الثقافي أو أي شأن آخر. بل أردتها أن تعالج او تتعرض لكافة القضايا والظواهر التي تهم الشريحة العظمى من الناس، وان تعتمد السخرية أسلوبا في مخاطبة القارئ لسد النقص الحاصل في هذا النوع من الكتابة، والذي بات يتقلص شيئا فشيئا مع مرور الوقت في كل وسائل الإعلام السورية. منذ إغلاق عدد من الصحف الساخرة السورية سواء في عهد الوحدة وفي العقد الأول من حكم حزب البعث. أي في ستينيات القرن الماضي.
كان "قوس قزح" أول اسم أوحاه لي تصوري لطبيعة الزاوية ومهامها. ولكني انتظرت ريثما أحتك بزملائي في القسم عن قرب وأدرس طبيعة أسلوبهم في الكتابة لأختار منهم من سيرافقني في كتابة الزاوية تمهيدا لاشهارها واطلاقها.
كان وليد معماري يعمل حينها مخرجا في القسم الفني. صحيح أن وليد ابن بلدي ديرعطية ولكني لم أكن أعرف عنه الكثير. فعائلته - وكما عرفت فيما بعد - كانت تقيم في منطقة الجزيرة السورية بحكم أن والده كان يعمل هناك. ولذلك لم أكن على معرفة أو احتكاك مباشر معه لا في ديرعطية ولا في دمشق ولم أكن أعرف عنه الكثير..!؟
بعد تسلمي لمهامي في القسم الثقافي حضر الى مكتبي ومعه كتاب قدمه لي قائلا:
- هذه آخر مجموعة قصصية صدرت لي. أرجو أن تقرأها. كان اسم المجموعة على ما أعتقد.. "الرجل الذي رفسه البغل".
قلت له: لم أكن أعرف انك تكتب القصة القصيرة؟
قال: نعم اكتب القصة القصيرة. أقرأها وارجو ان تعجبك..
أخذت المجموعة معي إلى البيت. ولم أتركها حتى أنهيتها.. لقد كان وليد اكتشافا مهما بالنسبة لي. كنت أمام كاتب مميز يتمتع بأسلوب رشيق وساخر وهذا ما كنت أبحث عنه!؟
في اليوم التالي ذهبت إلى القسم الفني حيث يعمل وليد. كان مشغولا بإخراج إحدى الصفحات. عندما فاجأته بالقول:
- ماذا تعمل هنا؟
قال:
- وأين تريدني ان اكون؟
قلت له هناك. عندي في القسم الثقافي!؟
قال:
- لم يدعني أحد للعمل هناك.
قلت:
- أنا أدعوك الآن. سأذهب فورا إلى رئيس التحرير وأطلب منه أن ينقلك إلى القسم الثقافي. ما رأيك.
قال:
- موافق.
توجهت فورا إلى رئيس التحرير الأستاذ عميد خولي وقصصت عليه ما حدث بيني وبين وليد وطلبت أن ينقله إلى القسم الثقافي..
أبدى رئيس التحرير استغرابه للقصة. فهو مثلي لم يكن يعرف شيئا عن وليد معماري وموهبته. ولكنه وافق بناء على طلبي وأصدر قرارا على الفور بنقله إلى القسم الثقافي.
- كان وليد معماري اول محرر اعينه في القسم الثقافي. لقد وجدت فيه اول شريك لي في كتابة زاوية "قوس قزح"..
"يتبع"
 
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية