تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 73
2020.10.05
الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
بعد وليد معماري وجدت أن الزميل حسن م يوسف هو المؤهل من بين الزملاء الآخرين ليكون من كتاب "قوس قزح". وهذا الاختيار لم يكن انتقاصا من قدر بقية الزملاء. ولكن كما تعلمون لكل كاتب أسلوبه وطريقة التعبير الخاصة به. و أسلوب حسن كان هو الأقرب لروحية الكتابة الساخرة التي تنسجم مع طبيعة الزاوية الوليدة.
. فأسلوب الكتابة يرتبط في كثير من الأحيان بالمزاج والطباع الشخصية لكل كاتب. ولذلك قيل "الاسلوب هو الإنسان" كما قيل "الشخص هو الأسلوب".
كتبت زاوية افتتاحية ل"قوس قزح" وذهبت إلى المدير العام عميد خولي. عرضت عليه فكرة الزاوية وقدمت له الزاوية التي كتبتها كنموذج لبقية الزوايا.
وكما توقعت وجه لي رئيس التحرير بعض الأسئلة عن إمكانية استمرارنا في كتابتها دون انقطاع. فأكدت له أن هذه الزاوية وجدت لتبقى وانها ستكون الأقدر على الاستمرار من كل الزوايا الموجودة في الجريدة نظرا لطبيعتها الساخرة ولصغرها ورشاقة أسلوبها. وتنوع المواضيع التي يمكن تتناولها وحرية الحركة التي تتمتع بها. .
وافق رئيس التحرير على الفكرة واستدعى رئيس القسم الفني حيث حددنا مكان الزاوية و أعدنا تصميم الصفحة الأخيرة ليتناسب مع وجود الوافد الجديد.
كانت زاويتي النموذج اول زاوية تنشر فيها.. وهكذا أوجدت هذه الزاوية التي ما زالت مستمرة منذ أربعين عاما. وهي أطول مدة تعمر فيها زاوية ساخرة في الصحافة السورية منذ نشاتها وحتى الآن.. هل تعرفون لماذا!؟
لانها كانت زاوية بعيدة كل البعد عن الشخصنة والأنانية والفردية واستعراض العضلات المهنية والتنظير. كانت زاوية جماعية هدفها خدمة القارئ من خلال التعرض لبعض القضايا التي تنغص عليه حياته وتسليط بعض الضوء عليها، والمحافظة على وجود الكتابة الساخرة والاستمتاع بها، وسد ثغرة محتملة في الصحافة السورية. حيث كانت الكتابات الساخرة مهددة بالانحسار!!؟
كان الجانب الاخر الذي ساوليه اهتمامي ايضا يتعلق بالمستكتبين من خارج الجريدة.
فكما ذكرت سابقا. كان القسم الثقافي منذ صدور الجريدة يعتمد كثيرا على المستكتبين من خارج الجريدة. فعند التاسيس كنا ثلاثة صحفيين في القسم. عادل ابو شنب ومحي الدين صبحي وانا.
في وقت لاحق وقرب مغادرتي لأداء الخدمة الإلزامية ومغادرة محي الدين صبحي كانت الزميلة عفراء ميهوب قد انضمت إلى القسم وعلى ما اذكر الزميل نادر مكانسي ايضا. وبسبب هذا النقص في الكوادر كان على القسم الاستعانة بعدد كبير من الكتاب والاختصاصيين لتغطية النشاطات الثقافية في القطر وكذلك لإصدار ثلاث صفحات ثقافية في جريدة تتكون من اثنتي عشرة صفحة. أي أن ربع صفحات الجريدة كان منوطا بالقسم الثقافي وبهذا العدد القليل من المحررين. ولذلك كان لابد من الاستعانة باختصاصيين من خارج ملاك الجريدة . ليتمكن القسم من أداء مهامه.
كان من أكثر هؤلاء المستكتبين التزاما بالجريدة الناقد الموسيقي صميم الشريف والاختصاصيي بالاثار علي القيم، والمخرج والناقد السينمائي صلاح دهني. والناقد التشكيلي طارق الشريف، ورياض نعسان أغا في النقد المسرحي. ومخرج الدراما والبرامج التلفزيونية غسان جبري. وشافع مزيك الذي تولى الكتابة لصفحة المنوعات في مجال الاغاني والبرامج الإذاعية والتلفزيونية. إضافة الى بعض الزملاء الآخرين الذين كان لهم محاولات نقدية في مجال الشعر والأدب. وآخرون كانوا يستعرضون آخر ما صدر من كتب ومن نتاج أدبي وفكري على الصعيد السوري والعربي.
عند عودتي للقسم كان عدد من هؤلاء الكتاب قد ابتعد عن الجريدة لأسباب مختلفة. وكان علي أن أجد بدائل لهم وكذلك أن أضمن وجود كتاب أو زملاء اختصاصيين حتى اكرس تقاليد مهنية ثابتة لكتاباتنا ومتابعاتنا النقدية وحتى لا يأتي يوم نقع فيه بالعجز.
لذلك بدأت احث الزملاء على التوجه إلى التخصص كل في نوع ثقافي محدد وفق ميوله ورغباته، من أجل التخفيف من الاعتماد على الاستكتاب الخارجي وخاصة في مجال النقد والمتابعات النقدية. ولكني لم أوفق في هذا السعي. بسبب ظروف لها علاقة بنظام الاستكتاب المتبع في الجريدة . وكذلك لفشلي في إقناع الزملاء بتبني هذا الاتجاه. فجميعهم كانوا يبحثون عن حرية الحركة وعن تعدد الخيارات المتاحة امامهم في الكتابة.. وحده الزميل حسن م يوسف بدا التوجه ولو جزئيا للاهتمام والتخصص في مجال النقد السينمائي..
بالتوازي مع محاولاتي إقناع الزملاء بالتوجه نحو الاختصاص. بدأت العمل على تعزيز القسم بكتاب شباب من خارج الملاك يرفدون الكتاب المخضرمين ويحلون محلهم تدريجيا. فالزمن يمر والأعمار إلى ازدياد. والصحافة أصبحت بحاجة ماسة إلى دماء جديدة تجيد التخاطب مع الأجيال الشابة وتساعدها على تجديد لغتها وشبابها واهتماماتها قبل أن تحال مع كتابها المخضرمين إلى سن التقاعد..
أما الاتجاه الاخر الذي سأعمل عليه أيضا فهو ما أوحى لي به عملي في قسم التحقيقات.
فمن خلال عملي في هذا القسم - وأعني قسم التحقيقات - اكتشفت كم كانت صحافتنا مقصرة بحق المحافظات السورية ونشاطاتها الثقافية ومشكلاتها وكتابها. وان من العدل والإنصاف أن ننفتح على مثقفيها ومواهبها الشابة. وهذا ما ركزت عليه في القادمات من الأيام. .
"يتبع"