(بعض حياة وشعر) مارينا تسفيتايفا.. ضحية القمع السوفييتي
2020.10.05
تعتبر الشاعرة مارينا إيفانَفنا تسفيتايفا (1892- 1941) من أهم الشاعرات الروسيات التي ظلمتها السلطات السوفييتية، كونها أعلنت موقفها الرافض للثورة البلشفية منذ البداية. هذه الشاعرة والكاتبة المسرحية والموسيقية المبدعة عانت الكثير بسبب موقفها هذا، وصلتْ إلى درجة مُنعتْ فيها من نشر أشعارها، وهو ما دفعها للرحيل من موسكو إلى مدينة ييلابوغا في جمهورية تتارستان.
ويأتي كتاب "مارينا تسفيتايفا.. بعض حياة وشِعر"، الصادر حديثًا عن دار التكوين (دمشق- 2020)، للباحث والمترجم السوري نوفل نيوف؛ ليسلّط المزيد من الضوء على جوانب قصيّةٍ وحميمة في الآنِ معًا من حياة وشِعر هذه الشاعرة الراحلة.
في قراءة الدكتور نيّوف لسيرة حياتها التي أخذت جزءًا قارب خمسين صفحة من الكتاب، يتحرى الكثير من وقائع حياة الشاعرة، بإحالات إلى مصادر معلوماته بكثير من الأمانة العلمية، بالإضافة إلى استشهاده بما تقوله الشاعرة نفسها وفي أكثر من موضع. ففي إشارة إلى نبوغها وعبقريتها التي تفتَّحت باكرًا تقول مارينا: "إن كلَّ ما قُدِّر لي أن أعرفه قد عرَفتُه قبل سنِّ السابعة، وعلى مدى السنوات الأربعين التالية كنت أعمل على وعيه وإدراكه".
إنه رأي فيه اعتداد بالنفس وإحساس بالعدم. أعتقد أن مسيرة حياتها وتحولاتها المأساوية أحد أسباب هذا الإحساس، منها وفاة والدها إيفان فلاديميروفِتش تسفيتايفا، البروفيسور في جامعة موسكو وعالِمُ فيلولوجيا عام 1913، ومن ثم وفاة والدتها ماريا إلِكساندْروفنا ماين، العازفة المولعةٌ بالموسيقى، التي تحبّ الشعر وتكتبه، وهو ما أثر فيها إذ تقول: "ولَعي بالشعر أخذتُه عن أمِّي"، إضافة إلى نظام تربوي صارم بحرمانها وأخوتها من اللعب ومخالطة أي أطفال آخرين، وكانت والدتها ماريا قد زرعت في نفسها قيمًا أخلاقية من مثل: "النقود شيء قذر" حتى لا تتعلم الجشع والطمع ويكون المال هو الغاية وأنّ الأسرة تشتغل بالأدب والفنون فلا تخسر روحها. ومن ثم موقفها من الثورة الروسية التي لم تتقبلها- نلاحظ ذلك في شعرها، وأيضًا اعتقال المخابرات السوفييتية لزوجها وأختها وابنتها، ما دفعها للرحيل بعيدًا عن موسكو، حيث أعطاها صديقها الشاعر والكاتب بوريس باسترناك (1890 - 1960) حبلًا لتربط حقيبتها حين ودعها في محطة القطار، وكان ذلك خلال الحرب العالمية الثانية، وحاولت فور وصولها البحث عن عمل فجاءتها فرصة العمل كنادلة في مطعم الكُتَّاب والأدباء، لكن الكتّاب السوفييت لم يسمحوا لها بذلك مشككين بأنها تعمل جاسوسة لصالح الألمان. فلم تتحمل مثل هذه الإهانة لمشاعرها وانتحرت عام 1941 بواسطة ذاك الحبل.
الإحساس بالوجع الإنساني
تكتب مارينا تسفيتايفا قصيدتها بإحساس ذاتي، يتحمَّس للحياة مثلما ينتقدها، لكنها تكتبها بذاتية خلاقة لا تطرف ولا أحادية فيها. ثمة فكرة إنسانية عظيمة تسكنها، تسكن شعرها، هي فكرة الحرية والاستقلالية، الإحساس بوجع الإنسانية، حيثُ تقول: "يا إلهي، إني أتعطّش إلى معجزة/ الآنَ ، هذه الساعةَ، مطلعَ النهار!/ آهٍ، قدِّرْ ليَ الموت، ما دامتِ الحياة/ مثلَ كتابٍ أمامي./ أنت حكيمٌ، لن تقول لي بحدَّةٍ:/ "اصبري، لم يأتِ أجَلُكِ بعد"./ أنت من وهبتَني الكثير الكثير!/ أتعطَّش إلى الطرق كلِّها دفعةً واحدة!/ أريد كلَّ شيء: أن أمضي إلى السطو./ مصحوبةً بالأغاني مثل غجريّ./ أن أتألَّم عن الجميع تحت أنغام الأُرْغُن،/ وأن أُسرِعَ مثل أمازونيةٍ إلى القتال".
رحلتْ الشاعرة فيما عقلها الشعري يظل حيًا، نعودُ إليه في كلّ مكانٍ أو زمان
الكتابة بروح نقديّة جبّارة
لعلّ الملفت في شِعرها، هي تلك الرؤيا أو الحدس الكامن بين جنباته، ما يعني أنها ترى بعين بصيرة نافذة، وبروح نقدية جبارة، فتوقظ بشعرها مشاعر الحب، مثلما تكشف عن تأملاتها الفكرية التي ستقودها لاحقًا إلى اليأس، ومن ثم الانتحار، وهذا ما كتبته في يومياتها: "إنني، بالطبع، سأنهي حياتي بالانتحار، لأن كلّ رغبتي بالحبّ رغبةٌ بالموت. وهذا أشدُّ تعقيدًا بكثير من ’أريد’ و’لا أريد’".
أصدرتْ تسفيتايفا ست مسرحيات جاءت على شكل قصائد شعرية، بالإضافة إلى "معسكرات البجع" وهي عبارة عن ملحمة شعرية عن الحرب الأهلية، تدافع فيها عن الجيش الأبيض الذي كان زوجها يقاتل معه بصفة ضابط ضد الجيش الأحمر- الشيوعيين. حياتها تحولَّت إلى تراجيديا جهنمية فقد فقدت كلَّ غالٍ على القلب: زوجها، ابنتها، أختها، أصدقاؤها ووطنها. ولم يبقَ لها سوى ابن تحبّه حدَّ العبادة، عاجزةٌ عن مساعدته، وتجد نفسها عبئًا عليه وعلى نفسها، لا يطاق. فنراها تكتب في يومياتها: ماذا بقيَ لي إلا مور، قريبًا يبلغ الـ 16. وفي مكان آخر: "رعبٌ من كل شيء". تكتب وهي بغاية التوتر وكأنها تلقت ضربة إيقاعية صاخبة على رأسها، فمنذ دخولها البيت الذي قضت فيه أيامها الأخيرة ورأت في السقف مسمارًا معقوفًا، وبدا لها متينًا، رأت أنه لا بد من فعلٍ ما. لا أحد في البيت، وقبل أن يعود أحد، كتبت ثلاث رسائل إلى ابنها، تقول في إحداها: (31 آب/ أغسطس 1941: "مورليغا! سامحْني، ولكن الأمور ستزداد سوءًا. إني مريضة جدًا، هذه لم تعُد أنا. أحبّك بجنون. فلتعلمْ أني لم أعُد أستطيع أن أعيش. أبلغْ والدك وآليا إذا رأيتَهما أني أحببتهما حتى آخر دقيقة، ولتوضحْ لهما أني وصلت إلى طريق مسدود").
اختارت تسفيتايفا قطعة حبل مما كانت تحزم به أغراضها وعقَدتْها أنشوطة، وعلّقت خرقة تستر بها كوّة في الجدار. ثم أقدمت على الانتحار وكأنه أمر إلهيّ. لقد تحطمت قداسة الحياة عند شاعرتنا، لا فزع من الموت.
رحلتْ الشاعرة فيما عقلها الشعري يظل حيًا، نعودُ إليه في كلّ مكانٍ أو زمان.
عماد الدين موسى
الضفة الثالثة
عنوان الكتاب: مارينا تسفيتايفا.. بعض حياة وشِعر المؤلف: نوفل نيوف